آثار

آثار الرّقة… ذاكرة الفرات في مواجهة النهب والنسيان!

قلعة جعبر وسور الرّقة وهرقلة… شواهد حضارية تبحث عن الحماية

عبد الكريم البليخ

ليست آثار الرّقة حجارة صامتة تُروى عنها الحكايات فحسب، بل هي ذاكرة حيّة تختزن طبقات متعاقبة من عمر الإنسان الأول، منذ أن وقف على ضفاف الفرات متأملاً دهشة الماء والطين والسماء، وحتى لحظات الازدهار العباسي التي جعلت من الرّقة مدينة للعلم والعمران والجمال. هنا، في هذه الأرض التي يعود تاريخها إلى الألف العاشر قبل الميلاد، لا تبدو التلال الأثرية مجرد مرتفعات ترابية، بل صفحات مفتوحة من سيرة البشر الأولى، ومن أحلامهم التي قاومت الفناء عبر آلاف السنين.

إنَّ الرّقة تضمّ أكثر من مئتي موقع أثري تشكل بمجملها أرشيفاً حضارياً نادراً يمتد من حضارات ما قبل التاريخ في تل زيدان وحلف والعبيد، فضلاً عن مواقع مهمة مثل: تل زيدان، وتل الخويرة، وتل البيعة، إضافة إلى الحواضر التاريخية في الرصافة، وقلعة جعبر، وتل الشيخ حسن،  سبق لها أن غُمرت في نهر الفرات مثل تل ابو هريرة، والتي كشفت عن كنوز أثرية لا تُقدر بثمن، تعكس عبقرية الاستيطان البشري في المنطق، وصولاً إلى الفترات الهلنستية والرومانية والبيزنطية، ثم إلى ذروة الحضور الإسلامي في العصر العباسي المرتبط باسم هارون الرشيد، وما أعقبه من إضافات معمارية وفكرية في العهدين الزنكي والأيوبي.

ذاكرة تنجو بصعوبة

لكن هذا التاريخ الطويل لم يسلم من العنف الذي اجتاح المكان والإنسان معاً. فمنذ عام 2013، دخلت آثار الرّقة واحدة من أكثر مراحلها قسوة، حين تحولت المواقع الأثرية إلى ضحية مفتوحة للفوضى والتجريف والتنقيب العشوائي. ولم يكن الاعتداء على تلك المواقع مجرد سرقة لقطع حجرية أو جرار فخارية، بل كان اعتداءً على الذاكرة السورية نفسها، وعلى المعنى العميق الذي يمنح الإنسان جذوره وشعوره بالانتماء. وهناك مواقع كاملة تعرضت للمحو، كما حدث في تل أسود وتل أبو علي، الذي كان يوماً مركزاً صناعياً مزدهراً لأفران الفخار والزجاج المصدّرة إلى الأناضول ومصر والجزيرة العربية، قبل أن يبتلعه الزحف العمراني ويختفي من الخارطة الأثرية. أما تل صبي أبيض في حمام التركمان وغيره من المواقع، فقد تحول إلى هدف دائم للحفر السري والتجريف، وسط عجز منظومات الحماية عن تغطية هذا الانتشار الواسع للمواقع الأثرية.

وكانت الكارثة أشد وطأة خلال فترة سيطرة تنظيم داعش، الذي شرعن نهب الآثار تحت مسمى “الركاز”، فاستبيحت التلال القديمة وتحولت الكنوز الحضارية إلى تجارة سوداء. ولم يعد المشهد آنذاك مجرد خراب مادي، بل بدا وكأن الزمن نفسه يتعرض للقتل، وكأن آلاف السنين تُقتلع من الأرض دفعة واحدة.

رصافة هشام بن عبد الملك

ومع ذلك، لم تقف كوادر الآثار في الرّقة موقف المتفرج. ففي قلب هذا الخراب، خاض العاملون في المديرية معركة وجودية صامتة، دفاعاً عن ما تبقى من روح المكان. ويبرز أمين متحف الرّقة، الذي بقي متمسكاً بمسؤوليته المهنية رغم القصف والمخاطر والانتهاكات التي تعرض لها المتحف. لقد كان المشهد أشبه بحارس أخير يقف عند بوابة الذاكرة، محاولاً حماية ما يمكن إنقاذه من الانهيار.

ولأن المؤسسات كانت غائبة أو عاجزة في كثير من الأحيان، تحولت حماية الآثار إلى فعل مجتمعي وإنساني. حراس المواقع واصلوا عملهم بوسائل بسيطة، وسكان القرى المجاورة لقلعة جعبر وقفوا كخط دفاع شعبي منع التعديات من الوصول إلى القلعة. كما تحول موظفون إداريون إلى مراقبين ميدانيين متطوعين، يتابع كل منهم المواقع الواقعة ضمن نطاقه الجغرافي، في صورة تختصر معنى الانتماء الحقيقي للمكان.

إن حملات التضليل عبر وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في تفاقم الأزمة، بعدما روّجت بعض الصفحات لشائعات توحي بإمكانية “تقنين” التنقيب العشوائي، الأمر الذي دفع بعض الأهالي إلى الاعتقاد بأن الحفر بات مشروعاً أو مباحاً. وفي المقابل، تحركت المديرية العامة للآثار والمتاحف بالتنسيق مع مديرية الأوقاف لإصدار مواقف واضحة تُحرّم الاعتداء على الأملاك العامة والمواقع الأثرية، في محاولة لترسيخ وعي مجتمعي يعتبر حماية الآثار واجباً أخلاقياً ووطنياً.

السور القديم في الرّقة

وخلال فترة سيطرة “قسد”، ورغم غياب الحماية المؤسسية الكاملة، واصلت كوادر الآثار تحركاتها الميدانية بإمكانات محدودة جداً. ففي عام 2020، تمكن الكادر من إنقاذ موقع أثري بتكلفة متواضعة، كما نجح عام 2022 في إيقاف مشروع زراعي كان يهدد مواقع أثرية في منطقة عين عيسى، بعد إثبات تسجيلها رسمياً. ولم تكن تلك الجهود مجرد إجراءات إدارية، بل كانت دفاعاً عن حق الأجيال القادمة في أن ترى تاريخها قائماً لا مطموراً تحت الإسمنت والنسيان.

ومع مطلع عام 2026، بدأت ملامح مرحلة جديدة في الرّقة، مع عودة المديرية العامة للآثار والمتاحف إلى ممارسة مهامها بشكل مباشر. جرى استلام متحف الرّقة، وتشكيل فرق متخصصة لتقييم الأضرار، وتنفيذ جولات ميدانية شملت أكثر من ثلاثين موقعاً أثرياً، إضافة إلى إنشاء شبكة حماية بالتعاون مع المجتمع المحلي والحراس المتطوعين.

كما بدأت المديرية إعداد مشاريع ترميم لسور الرّقة وموقع هرقلة، والعمل على إحياء صناعة الآجر اليدوي لتأمين مواد الترميم التقليدية لقلعة جعبر وسور المدينة، في خطوة تحمل بعداً رمزياً عميقاً؛ فإعادة بناء الأثر ليست مجرد ترميم للحجارة، بل محاولة لترميم العلاقة المنكسرة بين الإنسان وذاكرته.

اليوم، لا تنظر مديرية الآثار والمتاحف في الرّقة إلى المجتمع المحلي بوصفه محيطاً ساكناً حول المواقع الأثرية، بل بوصفه الشريك الأهم والحارس الأول لذاكرة المكان. فهي تراهن على وعي الناس، وعلى قدرتهم على إدراك القيمة العميقة لهذا الإرث الحضاري، الذي لا يخص مؤسسة بعينها ولا جيلاً دون آخر، بل يمتد في وجدان السوريين جميعاً باعتباره شاهداً على تاريخهم، ومرآةً لهويتهم، وسجلاً مفتوحاً لحضورهم الإنساني عبر العصور.

حجارة تحرس الهوية

إنّ حماية الآثار لم تعد مهمّة إدارية تُلقى على عاتق جهة رسمية وحدها، ولا واجباً فنياً يقتصر على المختصين والباحثين، بل غدت مسؤولية وطنية وأخلاقية وجماعية. فكل تلّ أثري، وكل حجر منقوش، وكل جدار صمد في وجه الزمن، إنما يحمل في صمته حكاية شعب، وملامح حضارة، وذاكرة أرضٍ عرفت الحياة منذ أقدم الأزمنة. ومن هنا، فإن التفريط بهذا الإرث لا يعني خسارة أثر مادي فحسب، بل يعني اقتطاع جزء من الذاكرة السورية، وترك الهوية عرضة للتشظي والضياع.

وحين يعي أبناء الرّقة أن الآثار ليست حجارة مهملة في أطراف المدن والقرى، بل شواهد حيّة على وجودهم وامتدادهم، يصبح الدفاع عنها فعلاً من أفعال الانتماء. عندها تتحول الحماية إلى موقف وجداني، ويغدو صون الحجر الأثري صوناً لمعنى البقاء، ومقاومةً للخراب والنسيان، وحفاظاً على حق الأجيال القادمة في أن تعرف من كانت، ومن أين جاءت، وإلى أي عمقٍ حضاري تنتمي.

كاتب وصحافي سوري

جانب من قناطر المسجد الجامع بالرافقة

قلعة جعبر الأثرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى