تشكيل

التشكيلي سامي فريما يرسم دهشة التجريد بروح مشرقية

رحيم يوسف

في التجارب الفنية الشابة التي تنشأ في بيئة فنية حاضنة، تظهر تأثيرات تلك البيئة بشكل واضح ودون إرادة صاحب التجربة فيها، وذلك أمر طبيعي، غير أن الأمر غير الطبيعي، وما يلفت الانتباه إليه، أن ثمّة تجارب تنفلت من ذلك لتؤسس لذاتها ميزة التفرد، حيث يشير ذلك إلى غياب تام لتأثيرات تلك البيئة الحاضنة، عبر الخوض في مسار أسلوبي يبتعد كلياً عن إطارها، ليعزز الفنان بذلك من حضوره في الوسط الفني.

كان هذا حافزاً لي للكتابة عن ظاهرة فرضتها التحولات السياسية التي حدثت في البلاد، والتي أدت إلى هجرات كبيرة للكثير من العراقيين إلى مختلف دول العالم، وفي جميع التخصصات، وتلك الظاهرة التي تتعلق ببروز العديد من الطاقات الإبداعية في شتى المجالات، والتي لا نعرف الكثير عنها، لتصبح حاجتنا ملحّة إلى جهود مؤسسية كبيرة للتعريف بها، بسبب كثرتها وتعدد نشاطاتها وحضورها في مغتربها، وأيضاً لانتشارها الواسع في مختلف بلدان العالم. ومع ذلك فإن محاولاتنا هي جهود فردية للبحث عن مثل تلك الطاقات التي تستحق التعريف بها والتعرف عليها عن قرب.

إن من هذه الطاقات التي لم يُسلَّط عليها الضوء، متمثلة في تجربة الفنان سامي الزبيدي، والمعروف في الوسط التشكيلي الهولندي باسم سامي فريما، المقيم في مدينة تيلبورج في هولندا والمولود فيها، فقد ولد هذا الفنان عام 1986 لأب عراقي معروف هو الفنان المبدع سعد علي، وأم فنانة هولندية معروفة هي فريما، وهما فنانان عملا على تجاربهما بجد واجتهاد. وكان لهذه البيئة الفنية التأثير المباشر في تكوين شخصيته الإبداعية منذ الطفولة، فكان يرافقهما في جميع النشاطات الفنية التي كانا يشاركان بها، وساهم ذلك لاحقاً في توجيه وتطوير تجربته الفنية وصقلها، لتصل إلى مصاف العديد من التجارب المعروفة في هولندا.

درس سامي في أوتريخت، حيث توسعت خبرته الفنية مبكراً، وشارك مع والديه في التجمع الفني المعروف Tei، الأمر الذي أتاح له الاحتكاك المباشر بالحركة الفنية الأوروبية وأساليبها المختلفة، وبعد ذلك انتقل مع عائلته إلى فرنسا، وعمل في مراسمها الفنية لفترة، قبل أن يعود إلى هولندا لاستكمال مشروعه الفني الخاص.

يعمل سامي الآن ضمن مؤسسة الفنون التابعة للمدينة، إضافة إلى إدارته لمرسمه الخاص الذي ينتج فيه أعماله الفنية التي تحظى باهتمام المتابعين والنقاد، وأقام معارض فنية متواصلة في بيوت المعرفة الخاصة بالكتاب والقاعات الفنية.

يتردد الفنان، بحكم قربه من أمستردام العاصمة، على المتاحف الفنية الكبرى، ومنها متحف فان غوخ، إلى جانب اهتمامه بأعمال الفنان رامبرانت وبيت الطباعة الجرافيكية الخاص به، وكذلك أعمال الفنان يوهانس فيرمير. وقد أقام سامي معارض عديدة، من بينها معرض كبير في محطة القطارات الرئيسية للمدينة، إضافة إلى معرض آخر في مكتبة المدينة، ويواصل اليوم العمل على مشاريع فنية حديثة تلقى الاهتمام.

يتطلب إنجاز أعماله تركيزاً عالياً ووقتاً أطول، لاهتمامه الدقيق بالتفاصيل، الأمر الذي يمنحه خصوصية فنية واضحة في تجربته التشكيلية، لذلك يقترن منجزه الفني بقلته مقارنة بنتاجات الفنانين المجايلين له.

إن قراءة تجربة الفنان وتأمل أعماله تحتاج إلى معرفة المنطق التصويري الذي تنتظم وفقه مفرداتها ونظامها التكويني الضامن لها. وقد يفيد ما كتبه الفنان الاسكتلندي توم ماكبريد في هذا الصدد للتعرف على كيفية اشتغال المفردات المستخدمة في بناء أعمال الفنان فريما، حيث يقول:

«شرعتُ في صناعة تعبيرات بصرية تتعلق بالأشياء التي أراها، وفي توضيح النظام القائم بين الأشياء التي تبدو أحياناً متعارضة. أفعل ذلك لأن وظيفة الرسام، بصورة عامة، هي استكشاف الترابط المتبادل بين الأشكال وإظهاره في أعماله. وهذا يقودني إلى ما تحت المظهر السطحي للأشياء، فأرسم الحقيقة الدائمة الكامنة خلف الحدث العابر، والهيكل الذي يشكّل الدعامة الأساسية للجسد. ومن خلال ذلك أدرك ما يمكن تسميته بـ“المنطق التصويري”، الذي يفترض أنه إذا وُجد خط أو لون معين في اللوحة، فلا بد من وجود خطوط وألوان أخرى تجعل اللوحة المكتملة كياناً عضوياً متكاملاً».

وهذا ما ينطبق، ولو جزئياً، على تجربة الفنان سامي فريما. وأقول جزئياً لأن سامي فريما لا يمثل الأجساد، بل يعمد إلى بناء سطوح تصويرية ذات طابع هندسي، تجسد فهمه العميق لفلسفة اللون، ويطوّعه في تشكيلاته الصورية، مما يؤكد قدراته على إنتاج سطوح تصويرية تمتلك أسرار دهشتها، وبما يتطابق مع قول توم حول «المنطق التصويري».

تنتمي أعمال سامي فريما إلى المنطقة التي تقع بين التجريد الهندسي والفن البنائي الزخرفي، كما أنها تحمل حساً بصرياً قريباً من النسيج البصري لمدينة متخيَّلة، وهذا ما يجعل الأعمال تقترب من الواقعية الشيئية نوعاً ما، لأن أعماله لا تعتمد على موضوعات مباشرة، لكنها تبتكر نظامها من خلال التكرار والإيقاع والتشابك اللوني الذي يجيده بقدرات أدائية تنفيذية كبيرة. ولذلك فإنها تخلق حالة من الامتلاء البصري الكثيف، فلا توجد مساحة فارغة إلا ما ندر، ولكن بقصدية تخدم الغرض الفني، وكأن الفنان يريد إغراق العين داخل شبكة لا نهائية من الوحدات الصغيرة، ليجعل المتلقي يشعر بحركة مستمرة في مختلف الاتجاهات، وبما يشبه التمعن بمنظور عين الطائر لمدينته. ولذلك قلنا بأنها تقترب من الواقعية الشيئية، عبر التشفيرات البصرية التي نحتاج في عملية تفكيكها إلى المزيد من التأمل الهادئ. فهي تبدو وكأنها فسيفساء معاصرة، وعليه فإننا نستطيع قراءة السطوح من مختلف الاتجاهات دون أن يتسبب ذلك بأي نوع من الخلل في التكوينات العامة التي تنتظم بكلية العمل، في التكوين والبناء.

في معظم أعمال التجربة ثمة تداخل قصدي يفضي إلى عوالم متداخلة، تتشكل من خلال البناء الهندسي الصارم، حيث ينبني التكوين من وحدات صغيرة تتراص مع بعضها عبر بناء عمودي أو أفقي يتم تحديده وفقاً لزوايا النظر باتجاه سطوح أعماله، والتي حدد مساقطها، ولا يكسر حدتها سوى عملية التنويع اللوني المقصودة، ليجعل العملية تبادلية؛ فاللون يكسر حدة الصرامة الهندسية، والعكس صحيح، مما يحيلنا إلى استيعاب البنى التجريدية التي تحيل إلى بعض من تأثيرات بول كلي، وكذلك تأثيرات مشرقية تظهر بلا وعي الفنان، حيث امتداد جذوره الأولى جينياً، مع بعض التأثيرات الرمزية التي يمكن إحالتها إلى أعمال كاندنسكي. والغريب في الأمر هو خلو تجربته من التأثيرات المباشرة لتجربتَي الأب المشرقي المولد أو الأم الأوروبية المولد والنشأة، والشغوفة برسومات الطبيعة، حيث إن تجربته تعتمد التوزيع اللوني المحسوب، ومن خلال تجاور وتقابل الكتل اللونية وتقاطع الخطوط، حيث يولّد إحساساً يقترب من التشبيه بتعدد الأصوات في الموسيقى وانسجامها، وهذا ما يضيف للتجربة عمقاً روحياً.

إن تحدياً حقيقياً يكمن للفنان التشكيلي عند العمل باللونين الأبيض والأسود، لأن ذلك يحد من الحرية التي يتمتع بها عندما يعمل مع الألوان المتعددة، غير أن فريما يتمكن من إدارة سطوح أعماله بذات القدرات التي يدير بها السطوح الملونة. ولأن الفراغ عامل مهم جداً في السطوح التصويرية، لما له من تأثير واضح على عملية التلقي، حيث يمنح المتلقي نوعاً من الراحة البصرية أثناء التأمل، كما يقول الأستاذ الراحل محمد مهر الدين، فإن سامي فريما، ولفهمه لهذا الدور، أدى به ذلك إلى استثمار الطاقة التي يوفرها الفراغ، فجعله في بعض أعماله جزءاً لا يقل أهمية عن اللون.

لقد نجح في جعل تقنية السالب والموجب فاعلة في خلق عمق للأشكال المنفذة، وألغى حدة التسطيح فيها، مع أنها خاضعة لذات البناء الهندسي الصارم الذي أشرنا إليه مسبقاً. كما يمكننا ملاحظة كسر صرامة البناء من خلال إعطاء الفراغ أشكالاً هندسية أخرى، كالخطوط الطولية أو العرضية التي تفضي إلى تقسيم السطح، أو الدوائر التي تعطي إيحاءات بالحركة والاستمرار، وما يفعله هنا نوع من مراوغة الشكل العام على صعيد التنويع دون الإخلال به.

كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى