قص

الحصان الذي كان نبياً

مريم الفارسي

حينما اقتربت من موظفة الاستقبال، بدأت يداي ترتجفان مجدداً، وتسارعت دقات قلبي مرة أخرى، كأنه سيشق صدري الضئيل في أي لحظة. ألقت السلام سريعاً، ثم سألتني عن اسمي وعن مهنتي. لا أعرف لماذا نسيت مهنتي لحظتها، وظللت أنظر إليها كمن تصفق فقمة ضخمة داخل رأسه. أعادت السؤال مرة أخرى بصوت مرتفع أكثر:

ماذا تشتغل يا أستاذ؟

إني أشتغل في الصحافة كما يشتغل العبيد العرايا في التجديف، على قول غسان كنفاني. فكرت أن أجيبها على هذا النحو، ولكني لم أفعل، وضحكت بدل ذلك بصوت عالٍ لم أفطن إليه.

بدوت حقاً مختلاً، فكرت فيما ستقوله عني هذه الموظفة التي يزعجني ابتسامها في وجهي. ستقول: لقد فقد عقله، إنه يضحك بينما تبدو الدموع على حافة عينيه. لكني تذكرت أني عند طبيبة نفسية، من يهتم أصلاً؟ انتشلتني الموظفة مرة أخرى من حديثي الشارد.

ألا تشتغل يا أستاذ؟

بلى، أنا نبي وأحياناً حصان وحيد.

كان من الممتع النظر إلى قسمات وجهها الجميل، وهي تحاول الاستمرار في الابتسام، بينما لم تفهم أي شيء مما قلت. ولكني فعلاً نبي وحصان وحيد. أسماء قالتها لي ذات مرة، وأنا أصدق كل ما تقوله حبيبتي أسماء.

أستاذ، من فضلك، أحتاج إلى أن أدون معلوماتك في السجل قبل أن تراك الطبيبة، أرجو أن تكون متعاوناً.

صحافي، وكفى عن مناداتي بالأستاذ.

قلتها في غضب، ولكنها استمرت في الابتسام.

لا بد أنك تحب مهنتك… واضح جداً يا أستاذ.

لم أجب، أو ربما أجبتها في رأسي. يحدث في كثير من المرات أن يمحو دماغي بعض المواقف والصور والأحاديث من دون أن أفهم لماذا؟ قرأت يوماً أنها آلية دفاعية للذاكرة تجاه لحظاتنا السيئة، لكن لماذا تمحو ذاكرتي المتعبة تفاصيل حديث عابر مع موظفة استقبال تتصنع الابتسام في وجه المرضى… المرضى النفسيين تحديداً؟

جلست بعدها في قاعة الانتظار. إن أكثر ما أكره صمت الانتظار الثقيل. كتب كثيرة على الطاولة التي أمامي. إنها كتب فقه ودين بالتحديد. ماذا تفعل هذه الكتب هنا؟ هل ستقول لي الطبيبة إني قد ابتعدت عن الله كثيراً، حتى رفع عني رحمته؟ أمي تقول إن الصلاة دواء للقلب والروح، وأنا لا أصلي. لا أذكر متى صليت آخر مرة، لكني أحمل الله في قلبي.

مشكلتي أني دائماً أشغل تفكيري بالمستقبل. لماذا أفكر الآن فيما ستقوله الطبيبة؟ لن تقول شيئاً غالباً. سأتكلم كثيراً كما يفعل أحمق يكلم نفسه، ثم أغادر. في الحقيقة، ليس هذا ما كنت أريد أن أقول. لا يمكن أن أكمل سطرًا واحداً بدون الحديث عما ينتظرني أو أنتظره، هذه هي الصيغة الصحيحة.

إحدى ضحاياي من النساء اللاتي لم أستطع أن أحبهن، أخبرتني أنه علينا أن نعيش الآن كما هو “الآن”، وأن نترك المستقبل لما هو “للمستقبل”. كانت تقنعني بفكرة الارتباط وقتها. أذكر وجهها جيداً، لقد فعلت كل شيء كي تكون معي، وهبتني جسدها وكل شيء، لكني لم أحبها يوماً، وفي الحقيقة، كنت أبشع من أن أفعل. كنت منتشياً بفكرة أن تكون دومًا هناك امرأة تراك كل العالم، تنتظرك أنت وحدك، إلى أن جاءت أسماء التي قلبت موازين حياتي كلها.

هذه المرأة لم تكن واحدة من الفراشات اللاتي تعودت على اصطيادهن. كانت شرسة وغير مفهومة. تأتي وتذهب، وتعبث برأسي كأني دمية من قماش. ذات ليلة، أسرت لي محمومة:

إني إلهة، وإنك أنت نبي وأحياناً حصان وحيد.

من حينها أصبح لي وصف آخر غير الجنون. حينما أكون نبياً، أصبح كائناً من نور، خفيفاً وجميلاً وقادراً وعالياً. لكني، بدون مقدمات، أسقط من سقف العالم إلى قاعه في ثانية واحدة. أصير ثقيلاً ومتعباً وحصاناً وحيداً. كيف سأشرح كل هذا للطبيبة؟

ثم إني لست مريضاً، ولذلك نهضتُ. عدلتُ ياقة قميصي، كأنني أستعد لصعود منصة تتويج ما. وفي تلك اللحظة تحديداً، رأيتُ انعكاس وجهي على زجاج النافذة الجانبية. لم يكن وجهي، ولا وجه الحصان، وغادرت.

صحافية وقاصة من المغرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى