Uncategorized

المقهى اليوناني

ستار كاووش

كنت بصدد الصعود إلى الطابق الثاني من متحف لودفيخ لمشاهدة مجموعة من لوحات ماكس بيكمان، لكني توقفتُ عند بداية السلم بعد أن انتبهت من بعيد إلى لوحة كبيرة الحجم، كان لها تأثير مذهل وسطوة كبيرة على العين، فعدتُ أدراجي ومضيتُ نحوها لأتعرف على تفاصيلها التي بدتْ بحاجة إلى وقت طويل للتمعن بها. إنها لوحة (المقهى اليوناني) التي رسمها الفنان الإيطالي ريناتو غوتوزو سنة ١٩٧٦، والتي أفردَ لها هذا المتحف الذي يقع وسط مدينة كولن مكاناً يليق بها. وقفتُ أتأمل مفردات هذه اللوحة العملاقة التي تنتمي إلى الواقعية الجديدة التي اشتهر بها غوتوزو، حيث رسمَ الناس بطريقة شخصية جمع فيها انتباهاته العميقة مع روح الدعابة الإيطالية.

تتبعتُ حركة فرشاته وخطوطه التي تبدو بسيطة لأول وهلة، لكنها تجتمع مع بعضها لتشكل سيمفونية عالية المستوى، وتمعنتُ في العلاقة التي تجمع الشخصيات المختلفة على قماشة واحدة، وهذا ما جعلَ اللوحة تنساب مثل قصيدة يومية، لتأخذ مكانها المستحق في الفن العالمي المعاصر، حيث لم يكتفِ هذا الفنان برسم مشهد يبدو واقعياً، بل أضاف شيئاً من الشاعرية التي تجعلنا نشعر بأننا نعيش الحياة ونحتفي بكل تفاصيلها.

امتلأت اللوحة (المقهى) بشخصيات كثيرة جداً غلبَ عليها المناخ الثقافي، حيث اختلط الممثلون والشعراء والهيبيون والتشكيليون والمثقفون اليساريون، وانشغلوا ببعض الأحاديث، وقراءة الصحف، وشرب القهوة، وتناول بعض الطعام، أو حتى التحدث بهاتف المقهى العمومي، فيما النادل يوصل الطلبات سريعاً للحاضرين. وهكذا تحول الجميع إلى مزيج ساحر وأخّاذ يجعلك جزءاً من هؤلاء، تشم رائحة القهوة والنبيذ، وتتأفَّف من دخان السجائر، وتنصت للأحاديث الجانبية. إنها قطعة مصغرة من حياة كاملة في مدينة حيّة مليئة بالحركة والنشاطات الثقافية التي لا تنتهي ولا تتوقف.

الفن العظيم دائماً ما يقول لك شيئاً، يخبرك بأن الجمال له حضور شخصي، يقترب منك أو يسحبك من بعيد لتكون ملاصقاً له. إنه يشبه امرأة باهرة الجمال، لا تستطيع الفكاك من غوايتها مهما حاولت. هكذا يحرك الفن الحقيقي شيئاً بداخلك ويجعلك تتأرجح بحبائل الجمال وتقع في غرامه. وهذه اللوحة مثال لكل ذلك.

يُعتبر هذا المقهى صرحاً ثقافياً وتاريخياً في مدينة روما، وقد تم افتتاحه سنة ١٧٦٠ ليكون مكاناً تجتمع فيه الشخصيات المبدعة والمؤثرة في المدينة، وهو المكان المفضل لمبدعين أسطوريين كانوا يأتون إليه من أماكن بعيدة، مثل غوته وبودلير وكيتس وستاندال وغيرهم الكثيرين، الذين يستوعبهم هذا المكان الواسع الذي يحتوي على زوايا وقاعات متعددة. وقد رسم غوتوزو الجانب الذي كان يسمى (القاعة الحمراء)، التي كان لها حضور مهم بالنسبة للمثقفين، وقد جاء اسمها من حيطانها التي كانت مغطاة بقماش الداماسك الأحمر، والتي كانت مليئة ببعض المنحوتات والمرايا والأعمال الفنية.

هذه اللوحة كانت بمثابة تحية من غوتوزو للفنان الإيطالي الشهير دي شيريكو، الذي يبدو جالساً على اليسار صحبة أصدقائه، وقد رسمه غوتوزو لأنه كان من أشهر رواد هذا المقهى لسنوات طويلة، كذلك أراد أن يعكس هنا إعجابه بهذا الفنان العظيم. وهنا لا يمكنني سوى أن أستعيد لوحة غوتوزو الأخرى (مأدبة بيكاسو الجنائزية) التي رسمها بعد وفاة بيكاسو مباشرة، والتي يتوسطها بيكاسو محاطاً بالكثير من شخصياته التي رسمها في لوحاته، مثل إحدى شخصيات الفترة الزرقاء ومصارع الثيران وبعض الموديلات وواحدة من نساء آفنيون والمرأة الباكية، وحتى أحد الثيران التي كان مولعاً برسمها. وكأن هؤلاء الذين كانوا جزءاً حيوياً من حياته جاءوا لتوديعه في رحلته الأبدية.

وبالعودة إلى لوحة (المقهى اليوناني)، لاحظتُ أن شخصياتها لا تنتمي إلى وقت واحد، حيث جمعها الفنان من أزمان مختلفة وبلدان عديدة، وهذا ما منحَ اللوحة شيئاً من الغرائبية التي تجعلك تبحث عن أصول الشخصيات وسبب وجودها في مكان واحد، وربما أرادَ الفنان أن يمرر من خلال ذلك لمحة من تاريخ المقهى وأهميته التي تجاوزت حدود روما وحتى إيطاليا.

تنقلتُ ببصري بين الكراسي الحمر في اللوحة والتي شغلها الكثير من الناس، ثم انتبهتُ لأريكة مريحة تقابل اللوحة تماماً، فجلستُ هناك وسط الصالة الواسعة والمكان الهادئ، ثم ثبَّتُ عيني على الطاولة المكتظة بالناس وسط اللوحة، وتخيلتُ أني أنسلُّ بين شخصيات اللوحة وأشاركهم أحاديثهم وأضيع بين حواراتهم. حتى النادل الذي كان يحمل صينية مليئة بالطلبات بدا كأنه قد وضع توّاً قدح النبيذ أمام المرأة ذات الكنزة الحمراء، ثم استجابَ لصاحب النظارة الذي طلبَ قدح قهوة، قبل أن تلتفت نحوه المرأة ذات التنورة القصيرة، طالبة بصوتها الناعم شرابها المفضل. وبين هذا وتلك غرق الآخرون في أحاديثهم المتشعبة، وصرتُ أنا واحداً منهم، حتى إني لا أعرف كم بقيت هناك، ومتى خرجتُ من المتحف.

ناقد وفنان تشكيلي عراقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى