شعر

حتى نزار قباني.. لا أحد ينجو من السحل الإلكتروني

محمد ناصر المولهي

قصيدة جريئة ومحبوكة التفاصيل هي قصيدة “مايا” لنزار قبّاني، أعتبرها من أروع ما كتب الشاعر السوري مُجدّداً في جوهر الشعر العربي ولغته وطرق تصويره وجرأته وإيقاعه واشتغاله على السرد والتفاصيل وحتى في العلاقات بين الأشياء والعناصر.

لست هنا بمعرض تحليل قصيدة نالت من التحليل الكثير ومن الشهرة ما فاق غيرها، ولا جدال حول أهميتها الفنيّة. ربما يرفضها البعض لجرأتها وهي تستنبط صورها من الجسد والغرفة الحميمية التي يفتحها الشاعر برقّة، أو ربّما يرفضونها لنظرتهم التقليدية إلى الشعر، وهذا موقف خاص يُناقش، لكن الأمر إذا تجاوز ذلك إلى سحل الشاعر إلكترونيا بعد أكثر من ثلاثين عاماً على صدور القصيدة يكشف وجهاً من وجوه المستقبل الشعبوي الشرس تجاه الجميع.

لقد أتاحت وسائل التواصل لأي كان أن يُدلي بدلوه ولو كان مليئاً بالكراهية أو الجهل والتعصب والعنف، لا يحتاج أحدهم سوى هاتف وشبكة إنترنت وقدرة بسيطة على كتابة ما يدور في رأسه حتى يبدأ في شتم هذا وسحل ذاك وتهديد تلك، لا يهم إن كان من يهاجمه حيّاً أو ميتاً، طفلاً أو راشداً، امرأة أو رجلاً، عالماً أو إماماً أو طبيباً أو مثقفاً أو فناناً أو شاعراً أو أياً كان من أهل الأرض، فهذا المتربّص مستعد دائماً للنيل من كل من يُخالف رؤيته الضيّقة للحياة.

قصيدة نزار رغم ترحيب القراء بها وتذوقهم الفني لها على اختلاف مستوياتهم وجدلهم حولها، فإن رهطاً من الناس كان خفياً بالأمس وصار ظاهراً اليوم وله سلطة الكثرة اختار شتم الشاعر وتهديده بجهنم والسخرية منه والضحك، ولا بأس من بعض الخيال بتصور الشاعر وهو يتعذب بشتى أنواع العذاب الآن في لظى الجحيم بسبب قصيدته، ويا لتلك الضحكة الصفراء التي يضعها هؤلاء على كل منشور.

يدخل هذا في ما يمكننا تسميته بالشعبوية الثقافية التي تعطي لأي كان الحق في التجاوز على أي كان، ونبتعد بذلك عن النقد إلى السحل، ولا يرقى الأمر حتى إلى مجرد انطباع عامي بسيط، بل هو مساحة لتفجير غضب الذوات وظلام فراغها. وما يزيد الأمر خطورة هو تحول الكثرة هذه إلى سلطة في ظل نظام رقمي لا يعترف بالنوع بل بالكم، وبهذا أصبح هذا الجمهور قوة تُدار وتوجه المواد الرقمية التي تبحث عن التفاعل، فنزل المحتوى إلى حضيض غير مسبوق ولا هاجس له إلا المشاهدات.

بات المثقفون والفنانون على حافة الخوف من السحل الإلكتروني وهو ما خلق رقابة ذاتية من نوع آخر، تخوّفاً من تهديدات بسبب فن أو رأي أو حتى منجز فكري أو بحث أو غيره مما لا يروق للجماعة المتفرّغة للسحل. وقد يتجاوز وعيد جماعات المتربصين المجال الافتراضي ليصعد إلى الواقع، وبالتالي فنحن أمام ظاهرة غاية في الخطورة ما لم يحكمها القانون بقوة وما لم تواجه بحزم.

هؤلاء العنيفون بذكورهم وإناثهم يلاحقون أي شيء أدباً شعراً فناً تشكيلياً فكراً تاريخاً علم ذرة.. أي شيء… وينطلقون في خيط ناظم في مهاجمته، ما يجمعهم هو الجهل المقدس، ومزايدة بعضهم على بعض في سحل المختلفين.

لا أحد ينجو ولو كان نبيّاً. إذ يمارس هؤلاء حالة تصعيد مركبة بين الذاتي والاجتماعي، منكّهة بجهل يمد جذوره عميقاً ليتجاوز العقل والجسد إلى الوجود الفردي لهذه الذات المهتزة ككل.

لسنا أمام ظاهرة عابرة، إنها جيوش رقمية تُستخدم لتوجيه الرأي المشترك وللترهيب، كما أنها وسيلة تهديم ما انفكت تقوى وتنتشر، وستؤدي حتماً إلى انكماش ثقافي وفني وفكري وحتى علمي، وتخلق بيئة طاردة تلغي العقل والحوار وتكرس دكتاتورية الجهل والتعصّب.

الشعوب العربية بداية من العائلة لا تقوم على الحوار بل على الطاعة، ولهذا يندر أن نرى حواراً خلّاقاً متحضراً يحافظ فيه الاختلاف على الود، بل نحن إزاء محاولات مستمرة لأحدهم للانتصار على أحدهم غيره، أيا كانت الوسيلة، المهم هو إلغاء رأيه وإلغاؤه.

الحلول ممكنة دائماً، أسرعها التنظيم القانوني للفضاءات الرقمية، أما أكثرها جدوى فهو الانخراط في التوعية والتثقيف والاستماتة في الدفاع عن حق الإبداع والتفكير والاختلاف.

قد تبدو شعارات بعيدة المدى خاصة مع تشدّد البعد الشعبوي واستفحاله وترذيل النُّخب بكل أنواعها. لكن لا بديل عن خلق وعي أكثر انفتاحاً. وللفن هنا دور كبير بصفته قوة ناعمة قادرة على تطوير الوعي ومقاومة كل أشكال التطرف والمغالاة. أمام المبدع والمثقف والمفكر وغيرهم مسار طويل من نضال صعب ضد كائن ما انفك يجدد جلده هو الجهل.

شاعر تونسي

كلمات قصيدة مايا نزار قباني

مايا

الركبةُ الملساءُ.. والشفةُ الغليظة..

والسراويلُ الطويلةُ والقصيرةُ..

إنِّي تعبتُ من التفاصيل الصغيرة..

ومن الخطوطِ المستقيمةِ والخطوطِ المستديرة..

وتعبتُ من هذا النفير العسكري إلى مطارحة الغرام..

النهدُ.. مثل القائدِ العربي يأمرني:

تقدّم للأمام!

والفلفلُ الهنديُّ في الشفتين يهتفُ بي:

تقدّم للأمام!

والأحمرُ العنبيُّ فوق أصابع القدمين،

يصرخُ بي:

تقدّم للأمام!

إنّي رفعتُ الراية البيضاء سيدتي..

بلا قيدٍ ولا شرط..

ومفتاح المدينة تحت أمرك..

فادخليها في سلام..

جسدي المدينةُ..

فادخلي من أي بابٍ شئتِ أيتها الجميلة..

وتصرّفي بجميع ما فيها ومن فيها..

وخليني أنام!

الركبةُ البيضاءُ.. والحمراءُ.. والخضراءُ..

كيف أميّزُ الألوان؟!

إنّ زجاجةَ الفودكا تحيلُ ثقافتي صفراً..

وترجعني إلى جهل العشيرة..

وتضخمُ الإحساسَ بالأشياء..

ترميني عليكِ كأنكِ الأنثى الاخيرة!

مايا.. تغنّي.. وهي تحت الدوش..

أغنيةً من اليونان رائعةً..

وتضحكُ دونما سببٍ..

وتغضبُ دونما سببٍ..

وترضى دونما سببٍ..

ويدخلُ نهدُها الذهبيُّ في لحم المرايا!

مايا.. تناديني..

لأعطيها مناشفها..

وأعطيها مكاحلها..

وأعطيها خواتمها الملونة المثيرة..

مايا.. تقول بأنها لم تبلغ العشرينَ بعدْ..

وأنها ما قاربتْ أحداً سوايا..

وأنا أصدّقُ كلّ ما قال النبيذ..

وكلّ ما قالتهُ مايا!

مايا على الموكيت حافيةٌ..

وتطلبُ أن أساعدَها على ربطِ الضفيرة..

وأنا.. أواجهُ ظهرها العاري..

كطفلٍ ضائعٍ بينَ آلافِ الهدايا!

الشمسُ تشرقُ دائماً مِنْ ظهر مايا!

مِنْ أينَ أبدأُ رحلتي؟!

والبحرُ مِنْ ذهبٍ ومِنْ زغبٍ..

وحولَ عمودِها الفِقريِّ أكثرُ مِنْ جزيرة..

مَنْ يا تُرى اخترعَ القصيدةَ والنبيذَ وخصرَ مايا؟!

مايا لها إبطان.. يخترعانِ عطرَهُما..

ويكتشفانِ رائحةَ الطريدة!

مايا تُسافرُ في انحناءاتِ النبيذِ،

وفي إضاءات القصيدة!

وأنا.. أسافرُ في أنوثتها..

وضحكتها..

وأرسو كلّ ثانيةٍ..

على أرضٍ جديدة!

مايا تقولُ بأنّني الذكرُ الوحيدْ..

وأنَّها الأنثى الوحيدة!

وأنا أصدّقُ كلّ ما قال النبيذ..

وكلّ ما قالتهُ مايا!

مايا لها نهدان شيطانان..

همُّهُمَا مُخالفة الوصايا!

مايا مخرّبةٌ وطيّبةٌ..

وماكرةٌ وطاهرةٌ..

وتحلو حين ترتكبُ الخطايا!

مايا وراء ستارة الحمام واقفةٌ كسنبلةٍ..

وتروي لي النوادرَ والحكايا..

وأنا.. أرى الأشياء ثابتةً.. ومائلةً..

وحاضرةً وغائبةً..

وواضحةً وغامضةً.. فتخذلني يدايا!

مايا مبللةٌ وطازجةٌ كتفاح الجبال..

وعند تقاطع الخلجان قد سالتْ دمايا!

مايا تكرّرُ أنها ما لامست أحداً سوايا،

وأنا أصدّق كلّ ما قال النبيذ..

ونصفَ ما قالتهُ مايا!

مايا مهيأةٌ كطاووسٍ ملوكيٍّ،

وزهرةِ جلنارْ..

مايا تفتّش عن فريستها كأسماكِ البحار!

فمتى سأتّخذُ القرار؟؟!

هذي شواطئُ حضرَ موت،

وبعدها تأتى طريقُ الهندْ..

إنّ مراكبي داختْ..

وبينَ الطحلبِ البحريِّ والمرجان،

تنفتحُ احتمالاتٌ كثيرة!

ماذا اعتراني؟؟

إن إفريقيا على مرمى يدي،

ومَجاهلُ البنغال أخطرُ من خطيرة!

مايا تناديني..

فتنفجرُ المعادن،

والفواكهُ والتوابلُ والبهارْ،

هذا النبيذ أساءَ لي جدّاً..

وأنساني بداياتِ الحوارْ!

فمتى سأتّخذُ القرارْ؟؟!

مايا تغنّي من مكانٍ ما..

ولا أدري على التحديدِ أين مكانُ مايا؟!

كانتْ وراءَ ستارةِ الحمّام ساطعةً كلؤلؤةٍ..

وحوَّلها النبيذُ إلى شظايا!

مايا تقولُ بأنها امرأتي،

ومالِكتي.. ومَمْلكتي..

وتحلفُ أنها ما ضاجعتْ أحداً سوايا!

وأنا أصدّقُ كلَّ ما قالَ النبيذ..

وربعَ ما قالتهُ مايا!!!

مايا نزار قباني

مايا امرأة متخيلة من ذاكرة الشاعر، صنع منها نزار صورة أدبية لا بطاقة تعريف شخصية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى