حكايا من أرض الشوايا

حمدان المفعور

قصة من أرض الحكايا والمزاح الدائم

د . محمد الحاج صالح

أنا شخصياً لحقت أن أرى بعضاً من نهر البليخ في طبيعته الأولى. كانت أدغال البردي والزلّ كثيفة إلى درجة تمتنع على أنْ يدبّ فيها آدمي وإلا تجرّح وملأت الخدوش جسده. وحدها الحيوانات كانت في بيتها وموطنها.

 أتذكر كالحلم حديث الأجداد عن مرحلة أقدم حيث كان وادي البليخ غابة كثيفة من الأشجار تعيش فيه الخنازير البرية والنمور. أتذكر حديثهم عن أنهم لم يبنوا عششهم وسيابيطهم، ثم قُببهم ومربعاتهم في الوادي لأن الوادي ما كان ليصلح للسكن بكل تأكيد بسبب البعوض الذي يفوع مساءً غيوماً غيوماً. كانوا ينحدرون إلى أطراف الوادي بأغنامهم في الشتاء عند هجوع البعوض واختفائه وينزحون منه ربيعاً ولا يعودون إلى أنْ يحلّ الشتاء التالي.

سمعتُ القصة في المضافة حيث كان أبي يُجبرني على مرافقته ويأمرني أن أصبّ القهوة المرة للضيوف. تعلمت شغل صبّيب القهوة باكراً. أحمل ركوة الصبّ باليسار والفنجانين باليمين. أصب مقدار رشفة أو رشفتين. أناولُ الفنجان الأول وأغتنم الفرصة لأصب في الفنجان التالي للضيف التالي مع ضربة خفيفة للبلبولة على حرف الفنجان تنبيهاً والتزاماً بالعادة. ثم التالي والتالي. وهكذا. وكان الضيوف يثنون عليّ أنا الولد اليافع لأنني أعرف جيداً عادات صبّ القهوة. يعني؛ بأيّ يد أحمل الركوة، وبأي يد أناول الفنجان، ومقدار الانحناء احتراماً للضيف.

استمعت بانبهار إلى الراوي وهو يروي القصة، ومن يومها ظلت القصة تحفر برأسي وتستوطن هناك. ومن يومها رحت أقلّد ما حدث في الحكاية كلما جاءت الفرصة. أدمنت تلك العادة. صرت مهووساً؛ يطيب لي أن أبول واقفاً معطياً صفحتي للشمس كي أراقب ظلّ خيط البول وهو ينقذف بعيداً ويحفر في التربة، ثم أحرف المنبع حتى يغيب ظلّ الخيط ويندمج في ظلّي. لعب صبيان. لا بدّ وأن كلاً منكم اعتاد أمراً في صغره بات يُخجله عندما كبر مثلما فعلتُ.

يمكنني القول إنني كنت في ذلك الزمن مساعداً للراعي. كان لدينا أرض كما لكل أعمامي وولد أعمام أبي، وكان لدينا جميعاً قطعان أغنام تزيد أو تنقص حسب المواسم وحسب الأنواء وكمية الأمطار. في سنين المحل تنقص وفي سنين الخير تزداد.

في البرية كنت حرّاً أمارس عادتي في مراقبة ظلّ بولي. ولكن الأنكى أنني اهتديت مع مرور الوقت إلى أمر أكثر إمتاعاً. كثيراً ما تلجأ كلابنا وقططنا إلى ظلّ الدور في صنّة الظهيرة صيفاً. وقد اكتشفتُ أنها تنام عميقاً في قيلولتها تلك، ولا تكون حذرة، ربما لأنها تدرك أنها آمنة في مطرحها وعند أهلها.

رحت متى ما رأيت كلباً أو قطّاً مستغرقاً في نومه أقترب منه بحذر وأصوب نحو عينيه وأطنّب بولي. ينتفض القط أو الكلب ويهز رأسه تخلّصاً ويهرب، أو ينظر إلي متكاسلاً ثم ينسدل ما إن يعرفني.

في التاريخ خليت الجزيرة السورية من الحواضر وعاد الحضر إلى البداوة على إثر الغزوات المغولية والتترية والحملة الصليبية الأولى. الرّقة مثلاً دُمرت بشكل كامل وما عاد فيها بيت واحد مسكون. وبقيت الحال على هذه الحال أكثر من سبعماية عام.

القصة تقول إن أحد أجدادنا رأى في صنّة الظهر عينيّ قطّ، وكان القط مندحساً في طرف رِواغة حنطة طلباً للحماية من حرارة الشمس، فأتته الرغبة بأنْ يبول على رأس القط. عادة ما تنام القطط وعيونها نصف مفتوحة. على هذا الوضع رأى العم حمدان ذاك القط. عينان نصف مفتوحتين.

بالمناسبة كما كان يقول الأجداد أن زراعة الحنطة وقت الحادثة كان حديثاً. ليس لأنهم لا يعرفون كيف يزرعونها ويحصدونها ويدقونها ويحولونها إلى طحين، ولكن لأن زراعتها كانت تتطلّب استقراراً، وتتطلب فلاحة وبذراً وأرضاً سهلية لا تخطئ العين كشفها. وهي حال لم تكن تتوفر في ظلّ الميرة العثمانية التي كانت تستولي على كل شيء. ولا بد أن العثمانيين متحوا قوانينهم الجائرة تلك مما قبلهم من غزاة.

تخميني أن الحادثة وقعت أواسط القرن الثامن عشر ميلادي إثر قوانين الإصلاح العثمانية. قبل زراعة الحنطة كان أهلنا يزرعون الذرة البيضاء، فهي يمكن إخفاء وجودها في الجزر الصغيرة في الوادي حيث يكون الزل والبردي أطول سوقاً منها. وكانوا يطحنون حبوب الذرة ويصنعون منها الجلف. الجلف هو خبز الذرة الذي يرحرح بعد عجنه على شكل قرص ويدمس بين الجمر إلى أن ينضج. على عكس خبز القمح كان الجلف قابلاً للحفظ وللتغذّي به بعد أيام من إعداده، لذا كان صنعه عملياً ومناسباً للترحال والظعن هرباً من المقادير وقلّة الأمن.

المهم. بال جدّنا حمدان مصوّباً على العنين، فتناثرت فجأة قصلات الحنطة وشبّ من تحتها نمرٌ. لم تكن العينان عيني قط كانتا عيني نمر. رأى الحصادون النمر يفترس حمدان ويمرّغه على الأرض بغضب. فما كان منهم إلا أن ملأوا الدنيا صراخاً وراحوا يضربون بمناجلهم على الأواني التي يجلبون بها طعامهم. يبدو أن النمر خاف وهرب.

خيطت الحبّابة زهرة جراح الجدّ حمدان بإبرة خياطة يدوية وخيط عادي. ومن يومها تلقّب الجدّ حمدان باسم حمدان المفعور لأن أوسع جراحه كانت بإليته حيث فعرها النمر ومزّقها تمزيقاً.

ظلّ حمدان أسابيع مبطوحاً على بطنه إلى أن شفي، ولكنه شفاء منقوص الكفل الأيسر. محلّ نصف الإلية الأيسر كانت خفسة تسع خفّ بعير. ما جعل جلسة الجدّ حمدان مضطربة وغير متوازنة. جعلها بنصف مقعد.

قاص وروائي سوري مقيم في النرويج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى