التآكل البصري وشعرية الزمن في أعمال كريم سعدون
هناء ميكو

قبل أن يدوّن الزمن سيرته على الحجر، كان يكتبها على وجوه البشر. وقبل أن تصير الندبة أثراً، كانت ذاكرةً تبحث عن شكلها بين الضوء والظل. في الفن، دائماً ما ينحت الزمن بصمته على اللون، ويحفر أنفاسه في الخامة، ويجعل السطح مرآةً للصيرورة السرمدية. من هنا تتحول اللوحة إلى كائن يتنفس بالأثر، ويؤول التآكل لغةً بصرية تحفظ ما تعجز الذاكرة عن قوله، ليلتقي التاريخ بالشعور، وتستحيل المادة قصيدةً كتبتها الأيام.
تلك hors-d›œuvre (مقبّلة) تفتح أفق التوغل في تجربة الفنان العراقي المتميّز كريم سعدون، التي تشكّلت بين بغداد وغوتنبرغ، وبين ذاكرة الحروب العراقية وأفق المنفى الأوروبي. فقد تخرّج في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد متخصصاً في النحت، قبل أن يواصل دراسته في فنون الغرافيك بالسويد، ما منح تجربته خصوصية تجمع بين صرامة البناء التشكيلي وانفتاح التجريب المعاصر. من هذا التقاطع نشأ مشروع فني ينظر إلى الإنسان باعتباره كياناً مثقلاً بطبقات الذاكرة، وعلامات الزمن، وندوب التاريخ.
تحتل الأجساد والوجوه حضوراً مركزياً في أعماله، كمساحات للتأمل لا موضوعات للتشخيص. فالوجه يتحول إلى حقل بصري تتداخل فيه طبقات المحفوظات والمنفى، وتتراجع الملامح الفردية لصالح هوية إنسانية تتسع لتجربة جماعية عاشها الإنسان العراقي في مواجهة الحرب والاقتلاع والهجرة. تبدو الأجساد محمّلة بنحولها وتصدعاتها كعلامات عبور زمني، وكأنها خرجت من طبقات أثرية لا تزال تحتفظ بحرارة الحياة.
تكشف البنية التقنية للأعمال عن حسّ تجريبي متواصل، إذ يعتمد الفنان على تداخل الوسائط، من خلال مزج الألوان الزيتية والأكريليك والحبر، وإدماج العلامات والحروف والأرقام داخل النسيج التشكيلي. تتحول هذه العناصر إلى شذرات ذاكرة أكثر من كونها إشارات لغوية. كما تمنح الطبقات اللونية المتراكمة والشفافيات المتجاورة اللوحة عمقاً بصرياً يجعل الزمن حاضراً داخل المادة نفسها، وكأن اللون تراكم عبر سنوات طويلة، شأن الصخور التي تصوغها الرياح والأمطار.
يلعب الحبر الأسود دوراً محورياً في تشكيل الأجساد، حيث تولد خطوط مرتعشة ومتقطعة تمنح الكتلة البشرية حركة داخلية نابضة. هنا يتجاوز الخط وظيفته التقريرية ليصبح أثراً لحركة الزمن فوق الجسد، وتغدو كل ضربة فرشاة تسجيلاً لتحول مستمر، في توازن دقيق بين الصرامة الإنشائية والعفوية التعبيرية.
في هذا السياق، تكتسب فلسفة التآكل البصري في تجربة كريم سعدون معنى يتجاوز فكرة التلف أو الاندثار. فالتآكل يتحول إلى عملية نحت بصري ينجزها الزمن داخل اللوحة، لتصبح التشققات والخشونة وتفاوت الكثافات اللونية علامات على حيوية المادة واستمرارها. وهكذا يغدو العمل الفني كائناً حياً يتنفس عبر أثره، وتتحول الندبة الجمالية إلى شاهد على تاريخ الصورة.

التشكيلي العراقي كريم سعدون
ومن هذا المنظور، تبدو الريح والزمن نحاتين خفيين في التجربة؛ فالريح تنحت بالصبر والتعرية، والزمن يمنح هذا النحت امتداده الوجودي، فتولد الأشكال من تراكم الأثر لا من الإضافة المباشرة. ضمن هذا الأفق، تقترب التجربة من فلسفة الصيرورة التي تجعل الوجود حركة دائمة، وتضع الكائنات والأشياء في حالة تحول مستمر، غير مكتمل.
يتقاطع هذا التصور مع رفض فكرة الكمال المصطنع التي هيمنت على الثقافة البصرية المعاصرة. فسطوح اللوحة تحتفي بالندوب وآثار الحك والخامات المتراكمة، بوصفها عناصر تمنح العمل صدقه الإنساني. وفي مواجهة تدفق الصور الرقمية، تستعيد اللوحة زمن التأمل، وتدعو المتلقي إلى قراءة طبقاتها ببطء، واكتشاف المعنى المتخفي داخل أثر اللون والخط.
تنتمي تجربة كريم سعدون إلى خطاب تشكيلي يجعل الذاكرة مادة تشكيلية، ويمنح الزمن دوراً بنيوياً داخل البناء البصري. تتحول الأجساد إلى خرائط وجود، والوجوه إلى أرشيف إنساني، واللون إلى سجل لتراكم الأزمنة، فتولد أعمال تنفتح على بعد شعري وفلسفي يجعل الإنسان حاضرًا في لحظة تشكّله الدائم، بين الذاكرة والتحول.
وفي هذا السياق، تتجذر التجربة في فضاء يلتقي فيه الاغتراب الجغرافي بالموروث الحضاري لبلاد الرافدين، حيث تتحول الهجرة إلى أفق يعيد تشكيل الهوية. تتداخل التجربة الفردية مع الذاكرة الجمعية، لتغدو اللوحة مساحة يتجاور فيها الماضي والحاضر، وتلتقي فيها آثار المكان الأول بأسئلة المنفى. يتجلى هذا البعد في اشتغال تقني دقيق، إذ يعامل الفنان سطح اللوحة كطبقة أثرية قابلة للحفر والكشف. تتراكم الخامات ضمن بناء متعدد الوسائط، ثم تخضع لعمليات الحك والكشط والتعرية، فتظهر الطبقات السفلى كما لو أنها بقايا جدار عتيق أو رقيم طيني خرج من عمق التاريخ. ومن خلال هذا الاشتغال الأركيولوجي يتحول التآكل إلى لغة تشكيلية تستحضر الذاكرة وتمنح الزمن حضوراً مادياً داخل اللوحة.
ويُعزَّز هذا البناء بإدماج الحروف والنصوص المبتورة والطوابع البريدية وآثار الرسائل غير المكتملة، فتغدو هذه العناصر وثائق بصرية تستحضر المسافات وتعبر عن حركة الإنسان بين الأمكنة. كما تظهر الشخوص في هيئات معلّقة داخل فضاء مفتوح، فتكتسب حضورًا وجوديًا يعكس تجربة الإنسان الذي يحمل وطنه في داخله أينما حلّ.
ويمتد هذا الحوار البصري إلى الذاكرة الحضارية لبلاد الرافدين، حيث تستلهم الخلفيات ملمس الأختام الأسطوانية والرقم الطينية السومرية والبابلية، بينما تقترب الأشكال الإنسانية من لغة الرموز الأولى، فتتجدد الذاكرة الحضارية داخل رؤية معاصرة.
وتنسجم المنظومة اللونية مع هذا التصور، إذ تهيمن درجات البني والرمادي وألوان الطمي والتراب، لتستحضر جغرافية العراق وذاكرته المادية، وتمنح اللوحة دفئًا بصريًا يعيد استدعاء المكان الأول.
وهكذا تتوحّد فلسفة التآكل البصري مع الاغتراب والذاكرة الحضارية في مشروع كريم سعدون، لتغدو اللوحة فضاءً تتجاور فيه آثار الزمن مع شواهد التاريخ، ويتحوّل اللون والخامة والأثر إلى وسائط تحفظ الوجود وتعيد صياغته في بنية تشكيلية معاصرة.
تتبدّى تجربة Eroded Painting بوصفها أحد تجليات الحسّ التشكيلي المعاصر الذي يتجاوز ترتيب اللون فوق السطح، ليدنو من خشوع ما يفعله الزمن حين يعمل في صمت. فالصورة لا تُبنى فقط، بل تُستدرج إلى حالة تحول دائم، يصبح فيها التآكل فعلًا إبداعيًا يعيد تعريف معنى الاكتمال.
اللوحة كائن بصري يتنفس عبر ما ينقصه كما يتنفس عبر ما يُضاف إليه، فتتجاور طبقات البناء مع طبقات المحو في حوار خفي بين الحضور والغياب. وهكذا تتحول المادة إلى سجل زمني مفتوح، تتداخل فيه العلامات غير المقصودة مع النسيج الجمالي، لتُكتب الصورة بقدر ما تُمحى، وتتشكل الذاكرة البصرية عبر ما يتساقط منها لا عبر ما يثبت.
ومن هذا المنظور يقترب هذا التوجّه من جوهر الفن المفاهيمي، حيث تتقدم الفكرة على الاستقرار البصري، ويتحول العمل إلى سؤال مفتوح حول الوجود والتحول. فلا يعود الجمال في اكتمال الشكل، بل في هشاشته ومسافة نقصه التي تمنحه حيويته. وعلى هذا الأساس، يمكن قراءة هذه المقاربة كأفق نظري يضيء تجربة التآكل البصري في أعمال كريم سعدون، حيث ينبعث الزمن كشريك في التشكيل، وتتحول الندبة إلى أثر جمالي يكتب حضور الصورة ببطء ما يمحوه الزمن.
كاتبة وناقدة من المغرب

من أعمال الفنان التشكيلي العراقي كريم سعدون




