باليت المزمار

شجرة الأعشاش

إلى عاشق الطابوق د. خالد السلطاني

ستار كاووش

منذ أن ابتكر العراقيون القدماء طابوق البناء قبل سبعة آلاف سنة تقريباً، تغيّر العالم، وعلت العمارة، ونهضت المدن، واستقامت الزقورات والمعابد والمباني الضخمة، ليمتد العمران بعدها إلى كل مكان في الأرض. يا للسر الذي يكمن في هذه الطابوقة الصغيرة بحجمها، الكبيرة بتأثيرها العظيم والمباشر على حياة الناس حتى يومنا هذا.

ما دعاني إلى هذا الاستهلال، الذي ربما لا يكفي لمنح هذه الطابوقة الساحرة مكانتها، هو مشاهدتي لأعمال الفنانين البريطانيين رودني هاريس وفالدا جاكسون، اللذين حوّلا الطابوق إلى أعمال فنية تمنح من يشاهدها الكثير من البهجة والمتعة والتساؤلات. فما إن يمسك هذان المبدعان بفكرة، حتى لو كانت صغيرة وبدت للآخرين عابرة، حتى يمنحاها روحاً جديدة وحضوراً مدهشاً بأسلوب لم تعتده عيون الناس. لا شيء يصعب عليهما، ومهما تطلّب الأمر من انحناءات وزوايا وكثير من البروزات والاستطالات، فهما يجدان الحلول الجمالية دائماً، حيث يشرعان أولاً بدراسة جميع جوانب الموضوع وحجمه والمكان الذي سيوضع فيه، ثم تبدأ المرحلة التقنية التي يصممان فيها الموضوع بالطين قبل فخره، ليتم بعدها تركيب التفاصيل مع بعضها، فيخرج إلى العلن عملهما الذي يفاجئ الجميع.

الخيال هو الذي يفرّق بين الفنان الجيد والفنان العظيم، ودون خيال لا يمكننا أن نتقدم خطوة واحدة لإنجاز أعمال ساحرة ومؤثرة. فالتقنيات يمكن تعلّمها، لكن الخيال هو الذي يمضي بنا بعيداً نحو مناطق جديدة وأراضٍ لم يحرثها أحد. وهذان المبدعان، اللذان يعملان سوية، يمضيان بخيالهما الخلّاق، ويجعلان الطابوق يتداخل أثناء البناء ليشكّل في النهاية هيئة امرأة، أو نافذة، أو شجرة، أو ستارة، أو أشكالاً تجريدية، أو حتى ملابس معلّقة على حبل غسيل. والمواد التي يستخدمانها هنا هي الطابوق ذاته الذي يقومان بإبرازه بهيئة «ريليف» على سطح الجدار.

وأحياناً يبتعدان عن الجدار الثابت بوصفه أرضيةً لأعمالهما، وينجزان منحوتات ونُصباً كبيرة توضع في الساحات أو الحدائق، كما في عملهما الممتع والمؤثر «شجرة الأعشاش» في نورثمبرلاند البريطانية، والتي يبلغ ارتفاعها أربعة أمتار، وتحتوي على فراغات لأعشاش الطيور المهددة بالانقراض. وهنا نرى كيف تتواءم الأعمال الفنية مع الطبيعة ومتغيراتها. يا له من عمل جميل ومؤثر، يحمل الكثير من الرسائل، سواء كانت جمالية، أم تشير إلى العيش معاً وتقاسم هذه الحياة. وقد كان هذا العمل بمثابة انتباهة فنية وتذكير بالغابة التاريخية التي كانت موجودة في المكان ذاته، واختفت بسبب الحياة العصرية. والأجمل أن كل هذا العمل مصنوع من الطابوق!

وبالعودة إلى الجدران التي كستها أعمالهما، نرى أن مساحات هذه الجدران بدت أكبر ما هي عليه، فقد صارت واسعة جداً من خلال أعمالهما، بل مفتوحة على عوالم غرائبية تحمل الكثير من الفطنة والدعابة. هكذا صارت الجدران حكايات، وتحول الطابوق إلى قصص لا تنتهي. وكلما تغيّر الضوء على الجدران ظهرت الأشكال بطريقة مختلفة؛ فالضوء هنا يلعب دوره الكبير في حدّة الخطوط أو نعومة الأشكال، وحتى في وضوح الفكرة وغموضها. لا شيء ثابتاً في أعمال هذين الفنانين، سوى موهبتهما، أما الباقي فيتحرك بحسب مساقط الضوء وزاوية الرؤية. وبذلك تشبه أعمالهما الخدعة البصرية التي تستوقف المارة، لما تحمله من إبداع ومهارة وإتقان.

ما يزال هذان المبدعان يتعاونان لتقديم أعمال مشتركة في أماكن عديدة من العالم. فكرة صغيرة هنا تمنحهما مفتاح نحت جديد، والتفاتة عابرة هناك تُفضي إلى بداية جديدة. الأفكار ليست مهمة بحد ذاتها، لكن كيفية استخدامها ووضعها في المكان المناسب هو الأهم. ومع قليل من روح الدعابة، وبعض الاختلاف، تظهر أمامنا أشكال جديدة للجمال، الجمال الذي يجعل الحياة أكثر متعة.

كل الجدران تصلح لتعليق الأعمال الفنية عليها، ما عدا جدران هذين الفنانين، فهي بحد ذاتها أعمال فنية، أعمال تروي لنا حكاية الفن الذي يكمن في الحلول الفردية، والمواهب المختلفة، والإبداع الذي يغرّد وحيداً خارج السرب.

وبمناسبة الحديث عن تحويل الطابوق إلى أعمال فنية على الجدران، فإن العراقيين القدماء لم يكتفوا بابتكار الطابوق فقط، بل كانوا أول من صنع من الطابوق منحوتات تبرز من الجدار. ويمكننا أن نستعيد هنا شارع الموكب في بابل، الذي أنجز فيه العراقيون منحوتات بارزة من الطابوق ذاته الذي بُنيت منه الجدران، حيث نرى كيف انبثقت من جدران شارع الموكب تماثيل ومنحوتات بارزة منحت المكان سحراً وجلالةً مملوءين بالغموض، حتى بلغ عدد المنحوتات المهيبة خمسمائة وخمسة وسبعين منحوتة، مثّلت الأسد البابلي، والثور البابلي، والتنين البابلي، وزهرة البابونج.

ناقد وفنان تشكيلي عراقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى