طلال سلمان: عقل حادّ وقلب حاضر
د. ياس خضيّر البياتي

في تاريخ الصحافة العربية الحديثة، لا يظهر اسم طلال سلمان (1938 – 2023) بوصفه صحفياً لبنانياً فحسب، بل بوصفه تجربة كاملة في تحويل الصحافة إلى مشروع ثقافي – سياسي، وإلى مساحة مقاومة فكرية كتبت الوعي العربي من زاوية مختلفة، أكثر جرأة واشتباكاً مع الأسئلة الكبرى: الهوية، فلسطين، العروبة، والمعنى العميق لدور الصحافة في زمن الانقسام.
لم يكن سلمان مجرد ناشر لجريدة السفير، بل كان ـ في جوهر تجربته ـ صانع خطاب صحفي يرى في الكلمة موقفاً، وفي الافتتاحية ساحة صراع، وفي الجريدة كياناً حياً يتنفس قضايا الناس، لا مجرد منصة أخبار.
وُلد طلال سلمان عام 1938 في بلدة شمسطار في البقاع اللبناني، في بيئة ريفية حملت في خلفيتها الأولى ملامح البساطة والصلابة معاً. هناك، في الهامش الجغرافي الذي يسبق المركز، بدأت تتشكل ملامح شخصية ستنتقل لاحقاً إلى بيروت، المدينة التي ستصير فضاءه المهني والفكري.
بيروت، في نهاية الخمسينيات، لم تكن مجرد عاصمة، بل كانت “مختبراً عربياً” مفتوحاً على الأفكار، والصراعات، والتيارات السياسية والثقافية. وفي هذا السياق، دخل سلمان عالم الصحافة، لا بوصفه وظيفة، بل بوصفه انخراطاً في معركة المعنى.
بدأ طلال سلمان عمله الصحفي في أواخر الخمسينيات، متنقلاً بين مراحل مهنية متعددة: مصححاً في جريدة النضال، مخبراً صحفياً في جريدة الشرق، محرراً ثم سكرتير تحرير في مجلة الحوادث، مدير تحرير في مجلة الأحد. هذه المراحل لم تكن مجرد ترقيات مهنية، بل كانت مدرسة كاملة في فهم الصناعة الصحفية من الداخل: من اللغة إلى التحرير، ومن الخبر إلى بناء الرأي.
وفي عام 1962، خاض تجربة مختلفة حين أسس مجلة دنيا العروبة في الكويت، في محاولة مبكرة لتوسيع نطاق مشروعه الإعلامي خارج لبنان. وفي أواخر عام 1973، أسس طلال سلمان جريدة السفير، التي ستتحول لاحقاً إلى واحدة من أهم الصحف العربية في القرن العشرين.
لم تكن السفير مجرد صحيفة يومية، بل كانت مشروعاً واضح المعالم: صوتاً للعروبة السياسية والثقافية، منصة للقضايا الوطنية العربية، منبراً دائماً للقضية الفلسطينية، مساحة نقدية للأنظمة والسياسات العربية.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبح اسم طلال سلمان مرتبطاً ارتباطاً عضوياً باسم الجريدة، حتى صار الاثنان كياناً واحداً: رجل وجريدة، أو جريدة بصوت رجل.
تميّز سلمان بأسلوبين صحفيين أصبحا علامة فارقة: افتتاحيات يومية تحمل وضوحاً سياسياً وصلابة موقف، تعكس رؤية نقدية للعالم العربي، وتتعامل مع الأحداث بوصفها جزءاً من سياق تاريخي طويل لا مجرد أخبار عابرة.
وهوامش نسمة، وهي مساحة مختلفة تماماً، أقرب إلى الأدب الصحفي، ابتكر فيها شخصية نسمة، التي ترسم بورتريهات إنسانية رقيقة للمشهد السياسي والثقافي، وتكشف الجانب الوجداني من العالم. بهذا المزج بين الصرامة والحميمية، كان سلمان يكتب الصحافة كما تُكتب الرواية السياسية: عقل حادّ وقلب حاضر.
ارتبط اسم سلمان بجريدة السفير بوصفها صحيفة ذات موقف سياسي واضح: دعم القضية الفلسطينية باعتبارها مركز الوعي العربي، الوقوف ضد الحرب الأهلية اللبنانية، رفض المشروع الانعزالي في لبنان، معارضة اتفاقية 17 أيار (مايو)، مواجهة اتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو، ورفض التطبيع مع إسرائيل، وفي هذا السياق، تحولت السفير إلى ما يشبه “ضميراً سياسياً” لقطاع واسع من القراء العرب، خصوصاً في فترات التحول الحاد في المنطقة.
في 14 تموز (يوليو) 1984، تعرّض طلال سلمان لمحاولة اغتيال أمام منزله، تركت آثاراً جسدية واضحة عليه.

الصحافي الراحل طلال سلمان
لكن الحدث، بالرغم من خطورته، لم يغير من مسار الجريدة، بل عزّز صورتها بوصفها صحيفة “مكلفة الموقف”، تدفع ثمن استقلاليتها.
إلى جانب العمل الصحفي، قدّم سلمان عدداً من الكتب التي تعكس رؤيته الفكرية، من بينها: مع فتح والفدائيين، حجر يثقب ليل الهزيمة، سقوط النظام العربي من فلسطين إلى العراق، لبنان العرب والعروبة، كتابة على جدار الصحافة. في هذه الكتب، لا يكتب سلمان الصحافة اليومية، بل يكتب “فلسفة الصحافة” نفسها: علاقتها بالسياسة، بالهزيمة، بالهوية، وبالمقاومة.
نال تقديرات عربية ودولية، من أبرزها: جائزة فيكتور بوسوفاليوك الدولية، تكريمات لبنانية واسعة في الذكرى الثلاثين للسفير، دكتوراه فخرية من الجامعة اللبنانية 2011. كما اختاره منتدى دبي الإعلامي شخصية العام الإعلامية لسنة 2009، وتسلم الجائزة في احتفال رسمي في مدينة دبي حضره رسميون من دولة الإمارات وشخصيات سياسية وإعلامية من مختلف البلدان العربية.
وقد بادرت الجمعيات والهيئات والمنتديات والمؤسسات اللبنانية المختلفة إلى تكريمه احتفاء بفوزه بهذه الجائزة. وكان أهمها في هذا السياق حفل تكريم نقابة الصحافة اللبنانية في 21 آب (أغسطس) 2009، حيث ألقى خطاباً تحدث فيه بإسهاب عن حال الصحافة العربية وعن المشكلات التي تعترض دورها التنويري اليوم، وعن دور الصحافة اللبنانية خصوصاً في بث التنوير والثقافة والمقاومة.
هذه الجوائز لم تكن مجرد تكريم لشخص، بل اعترافاً بدور مؤسسة صحفية كاملة في تشكيل الوعي العربي.
لقد كتب طلال سلمان، عبر السفير، تاريخاً موازياً للمنطقة، تاريخاً من منظور “الناس لا السلطة”.
وبرحيل طلال سلمان عام 2023، لم تغب شخصية صحفية فحسب، بل غاب نموذج كامل للصحافة التي كانت ترى في نفسها مشروعًا ثقافياً مقاوماً.
رحل الرجل، لكن بقيت السفير كأثر، وبقيت افتتاحياته كوثيقة، وبقيت تجربته مثالًا على أن الصحافة ليست مهنة فقط، بل موقف من العالم.
كاتب عراقي




