يوميات

عن حُرّاس الضوء الزائف

عبد الكريم العفيدلي

في إحدى حاويات القمامة، عثر قطّ جائع على قطعة صغيرة من الشحم. لم تكن تكفي لإشباعه، ولا لتسدّ شيئاً من جوعه الطويل، لكنها كانت كافية ليعلن حالة الطوارئ. انتفش جسده، وكشّر عن أنيابه، وأخذ يموء بعنف ويهاجم كل من يقترب من غنيمته. لم يكن شجاعاً، ولم تكن القطعة ثمينة، لكنه كان خائفاً من أن يفقد الشيء القليل الذي وقع بين مخالبه. ففقير الأشياء يبالغ في حراستها، أما فقير النفس فيخشى حتى من ظلال الآخرين.

يتكرّر هذا المشهد كثيراً في حياتنا، غير أن القطط تستبدل أحياناً ببدلات أنيقة، وربطات عنق، ومنصات مزيّنة، وميكروفونات لامعة. ويتحوّل الشحم الصغير إلى مقعد في ندوة، أو زاوية في صحيفة، أو ظهور عابر على شاشة، أو منصب ثقافي يمنح صاحبه وهماً بأنه أصبح حارساً للذائقة ومالكاً للحقيقة.

في المشهد الثقافي، لا أحد أشد خطراً من أولئك الذين وصلوا متأخرين إلى الضوء، ثم قرروا إطفاءه في وجوه الآخرين. يظنون أن المنبر إرث شخصي، وأن التصفيق حساب مصرفي، وأن كل اسم جديد يظهر في الساحة خصم جاء ليقتطع من رصيدهم. لذلك لا ينظرون إلى الموهبة بوصفها إضافة، بل يتعاملون معها باعتبارها تهديداً، ولا يرون في نجاح الآخرين دليلاً على حيوية الثقافة، بل إعلاناً عن تراجع مكانتهم.

هؤلاء لا يناقشون الأفكار، بل يطاردون أصحابها. لا يردّون على النصوص بالنقد، بل يردّون على الأسماء بالهمس والتشويه. فإن عجزوا عن مواجهة الموهبة، شككوا فيها، وإن لم يستطيعوا إيقاف صاحبها، حاولوا عزله أو محاصرته أو دفنه تحت ركام الشائعات والشللية والمجاملات المتبادلة. إنهم لا يبنون مشهداً ثقافياً، بل يقيمون أسواراً عالية حول مقاعدهم، ويضعون على أبوابها حراساً من المريدين والمصفقين.

أما المثقف الواثق، فإنه يفرح عندما يسمع صوتاً جديداً، ويستفيد ممن سبقه، ويصغي إلى من يختلف معه؛ لأنه يدرك أن الثقافة ليست قطعة أرض محدودة المساحة، ولا مائدة يخشى أن تنفد أطباقها، بل نهر لا يزداد إلا باتساع روافده. وكل فكرة جديدة تمنحه حياة، وكل موهبة حقيقية تضيف إليه عمقاً وجمالاً.

وعلى العكس منه، يتعامل المثقف الهشّ مع الثقافة كأنها بركة صغيرة راكدة، يخاف أن يعكر صفوها حجر، أو أن تحرك سكونها قطرة. فهو لا يحتمل المنافسة؛ لأن مكانته لم تُبنَ على إنجاز راسخ، بل على شبكة علاقات، ومناسبات متبادلة، وتصفيق محفوظ سلفاً. ولهذا يبدو أكثر الناس حديثاً عن الحرية من أشدهم ضيقاً بحرية الآخرين، وأكثرهم تنظيراً للإبداع من أول من يحاربه إذا جاء من خارج دائرتهم.

يرفعون شعارات التنوير نهاراً، ثم يطفئون المصابيح ليلاً حتى لا يُرى سواهم. يتحدثون عن كسر الاحتكار، بينما يحتكرون المنابر، ويدعون إلى قبول المختلف، ثم يحاصرون كل من لا يحمل توقيعهم أو لا يعترف بوصايتهم. يريدون ثقافة تشبه المرآة، لا يرى فيها أحد سوى صورهم.

ولعل أزمة المشهد الثقافي لا تكمن في قلة المواهب بقدر ما تكمن في كثرة حرّاس البوابات، أولئك الذين نصّبوا أنفسهم قضاة على الإبداع، ومنحوا ذواتهم حق السماح والمنع، مع أن التاريخ لم يتذكر يوماً أسماء الحراس، بل حفظ أسماء الذين عبروا البوابات رغم أنوفهم.

ليس كل من أمسك ميكروفوناً أصبح صوتاً، وليس كل من جلس في الصف الأول صار قامة. فالقامات لا تقاس بعدد الصور، ولا بطول المقدمات، ولا بحجم التصفيق، بل بما تمنحه للمشهد من معرفة وحرية وفرص للآخرين.

 يبقى المثقف الحقيقي مطمئناً؛ لأنه يعرف أن الشمس لا تحتاج إلى حارس، وأن الضوء لا يُسرق، وأنَّ المَوهبة لا تختفي لأن أحداً أغلق في وجهها باباً. أما من يحرس الميكروفون كما يحرس القط قطعة شحم انتشلها من القمامة، فقد كشف عن نفسه أكثر ما يستطيع خصومه أن يقولوا فيه.

شاعر سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى