شعر

عبادلة الشعر .. (من كلّ روضٍ زهرة)

عمر الحمود

عبادلة الشعر/ مقاربات تاريخية / كتاب للأستاذ الباحث محمد جدّوع، طباعة دار (توتول) دمشق 2025.

ويعتبر الكتاب حلقة مفصلية من سلسلة دراساتٍ أكاديمية، يشتغل عليها الباحث، وتضمّ: عبادلة الفكر، وعبادلة الترجمة، وعبادلة النقد، وعبادلة النثر.

وللباحث الجدوع السبق في إنشاء مثل هذه السلسلة، حيث تناول في الكتاب موضوع الشهادة في الشعر العربي الذي يحتاج إلى مجلّدات كثيرة لتسليط الأضواء عليه، لكنّ الجدوع استطاع الإيجاز بمعرفة ودراية، وقام بعملية خضخضة أو تصفية، وترك اللبن لشاربيه، واستخلص لنا الزبدة الدسمة بالمفيد والممتع والمقنع، وكما قالت العرب قديماً: “البلاغة في الإيجاز”.

وقد قاربت عبادلة الشعر أعماق النصوص المدروسة، بل غاصت فيها منقّبة عن المعلومة بعيداً عن الإسهاب والحشو المجاني.

ووفق مقاربة تاريخية جعلت النصوص الشعرية عامرة بالتاريخ، وناطقة بالحقيقة إضافة إلى كونها نصوص جمالية.

ونوّعت في النصوص المدروسة من نواحٍ عديدة: (تنوع في أسماء الشعراء ـ تنوع في الجغرافية ــ تنوع في الأزمنة ــ تنوع في المواضيع).

وهذه إشارة واضحة على حسّه الإنساني، وشاهد صادق على موضوعيته، وملمح ظاهر على حياديته.

ووجدنا اسم الشاعر المشهور إلى جانب اسم الشاعر المغمور، وهذا دليل إنصاف، فالشعر لايقف عند أسماء فطاحل، أو عمالقة فيه، فهناك أسماء تستحق الذكر والدراسة، وكشف الستار عنها، ولا ذنب لها إن أبعدها الإعلام أو ظروفها عن شاشات الحضور والشهرة كما يقال.

 وإغفالها يغفل جوانب كثيرة من المشهد الثقافي، وحضورها يغني المشهد الثقافي، ويملأ فراغاً فيه، ويثريه، ويقرّبه من التكامل.

الباحث محمد جدوع

وجيل شعراء بلا رديف جيل مقطوع، وفي هذا ظلمٌ كبير للشعر وللشعراء، فالشعر من الإنسان، ولأجله، وعليه الاستمرار ما استمرت حياة الإنسان.

ومن خلال الكتاب رأينا صوراً ومشاهد من مساجلات بين الشعراء، وحسب مواقفهم السياسية، يذكّرنا هذا باستمرارية الإشكاليات البشرية، وتواشجها، وروحها النابضة، ولا يجعل النصوص الشعرية قوالب جامدة، أو كائنات ميتة.

ونجد في النصوص مزايا القصيدة العربية التي ثبتت في مختلف العصور مثل: قوة البيان ـــ جمال الصور ــ جزالة الألفاظ ــ تعدد الأغراض ــ موسيقا الأوزان الشعرية الثابتة ــ حضور الرمز وغيرها.

وأخذنا لمحة وافية عن الشعر في كلّ عصر درسه الباحث، لمحة تبسط لنا زوايا كثرة من الناحية الاجتماعية والناحية السياسية والناحية الثقافية، وجميل هذا لأنّ الثقافة ابنة بيئتها، تؤثّر، وتتأثّر بها، والشعر لايبعد عن الثقافة، بل هو محضونها وربيبها. مثل: شعر الحضارات الكبرى ـــ شعر ما قبل الإسلام ــ شعر صدر الإسلام ـــ الشعر في العصر الأموي …إلخ.

وذكّرنا الكتاب بأساطير الشرق، وأساطير كادت أن تندثر كأسطورة الإله بعل والعذراء عناة الكنعانية، وما الشعر في أحد وجوهه إلا ابن الأسطورة.

وبهذا يكون الكتاب بعينين عين على الماضي، وعين على الحاضر، وهو إغناء الحاضر بأصولٍ من الماضي، ومن المعروف أنّ الأسطورة تفتح آفاقاً جديدة وواسعة للشاعر والمتلقي، وهي تعطي مفاتيح أو إشارات لحلّ كثير من الألغاز التي يحفل بها النص الشعري، وهي مهمة في تسهيل الدرب لقراءاتٍ كثيرة ومتعددة، وخلق رموز تعبّر عن قضايا الوجود التي تؤرقّ الإنسان على مرّ العصور.

وأورد الباحث مصطلحات جديدة تربط الأدب بالحياة مثل: قصائد أزمة كما عند شعراء فلسطين وسورية ـ قصائد نعمة كما عند الشاعر عبد العزيز سعود البابطين، وهذه ميزة تحسب له، وأعتبرها محاولة إثراء النقد بمصطلحات نقدية تمس واقع الحياة.

وعرفنا من خلال الكتاب أنّ لكلّ حضارة شعرها، والشعر وليد الحضارة، ومعادل لها في شكل من الأشكال، وهو مستمر منذ فجر التاريخ إلى آخر الزمان.

ولكن لإكمال إلا للنص القرآني المقدس، فهناك هِنات صغيرة في الكتاب مثل: كثرة الأخطاء الطباعية ــ تكرار بعض الشواهد ــ طغيان الجانب الأدبي في بعض الفقرات على الجانب التاريخي مع أنّ العنوان الفرعي للكتاب هو ( مقاربات تاريخية).

ويشفع للباحث أنه تناول موضوع دراسته بحبٍ وشغفٍ وغيرة على الشعر العربي، وبحسّ عروبي لا لبس فيه، وأبدى مخاوفه المشروعة على مستقبل الشعر العربي، وما يواجهه من تحديات كظاهرة الروبتة، وظاهرة المنتديات الافتراضية في شبكات التواصل الاجتماعي، وظاهرة سطوة الرقيب، وظاهرة سطوة الشهرة.

وعلى الرغم من أنّ الباحث يقرّ بتواضع الدراسة، فهي ناجحة، وأدّت رسالتها بامتياز، وبيّنت أنّ الشعر ليس نظم أبيات على أوزان الخليل، بل هو مواقف وحياة وتاريخ، وسفير المشاعر، وساحر يأخذنا بعصاه السحرية في رحلةٍ ممتعة زمنياً ووجدانياً إلى عوالم جميلة.

دراسة الجدوع أعطت للشعر بعض حقوقه، وهذا عطاءٌ كبير في زمننا الذي تفوقت فيه فنون أدبية على الشعر كالرواية التي باتت أكثر حضوراً وانتشاراً وقراءة حتى سميت بديوان القرن الحادي والعشرين.

محام وروائي سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى