عبد الرحمن أبو زهرة شجرة السنديان
سامي كمال الدين

نَعَم هو يشبه شجرة السنديان التي لم تنحنِ رغم مرور زمن طويل، على جذعها الممتد في الأرض المصرية الخصبة والولادة دائماً.
رحل الفنان الكبير عبد الرحمن أبو زهرة عن دنيانا، تاركاً خلفه إرثاً فنياً وإنسانياً يشبه شجرة السنديان العتيقة؛ صامداً في حياته السياسية والفنية، ومدافعاً عبر سنوات ممتدة عن الفن كقيمة عليا وكإيمان راسخ به.
رفض كل المحاولات التي حاولت أن تثنيه عن أهدافه ومبادئه، لكنَّ لهذا الفنان القدير وجهاً آخر قد لا يعرفه الكثيرون، وجهاً سطرته مواقف وطنية وصلابة سياسية لا تلين.
في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، آمن عبد الرحمن أبو زهرة بالقومية العربية وبالمشروع الناصري إيماناً مطلقاً، حتى إنه كان يشبه «المجنون» في حبّه لعبد الناصر.
لكن هذا العشق للوطن لم يكن يعني تقديم تنازلات تمس قناعاته كفنان. ففي ذات يوم، التقته شخصية سيادية بارزة من مصر، وأبلغته أنه مكلف رسمياً بالعمل لصالح جهاز المخابرات المصرية، خارج البلاد لجمع معلومات تخدم الجهاز. رفض عبد الرحمن أبو زهرة هذا العرض تماماً وبحسم، قائلاً:
«أنا فنان فقط، ودوري أن أقدم فني، رغم إيماني ببلدي وحبي الشديد لها».
وعندما رُفع الأمر إلى الرئيس جمال عبد الناصر، جاء رده حاسماً لرجاله: «اتركوه، إنه شخص مخلص ووطني».
مع تولّي الرئيس محمد أنور السادات الحكم، كان عبد الرحمن أبو زهرة فناناً معروفاً ملء السمع والبصر. وبعد نصر أكتوبر المجيد عام 1973، عاش أبو زهرة فرحة عارمة كسائر أبناء الشعب المصري الذين أسعدهم انتصار بلدهم على جيش العدو، وأخذ يزهو بهذا النصر ويدافع عنه في كل المحافل.
لكن بعد سنوات قليلة من النصر، وتحديداً عقب قرار الرئيس السادات توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل، انتفض عبد الرحمن أبو زهرة رافضاً ذلك. لم يقف رفضه عند حدود الموقف النظري؛ بل حزم حقائبه وسافر إلى العراق برفقة صديق عمره ورفيق دربه الفنان كرم مطاوع والفنانة الكبيرة سهير المرشدي. هناك، شاركوا في بطولة فيلم «مطاوع وبهية» أنتجته دائرة السينما والمسرح في بغداد عام 1980
وكان أول فيلم تراجيدي مصري عراقي مشترك إخراج صاحب حداد، كتب قصته سعيد الكفراوي، زهير الدجيلي، عن رواية لسعيد الكفراوي، تدور أحداثه في قالب درامي مشحون بالرمزية السياسية، داخل قرية مصرية تشهد تحولات اقتصادية واجتماعية كبيرة في مواجهة الانفتاح الاقتصادي وجشع السلطة.
انتقد الفيلم التحولات التي قام بها الرئيس السادات، كما أعلن الثلاثة نجوم مواقف سياسية قوية ضد إسرائيل، مما جعل الرئيس السادات يتوعدهم بالسجن والاعتقال، لكن تم اغتيال السادات قبل عرض الفيلم بأشهر قليلة.
عاد كرم مطاوع وأبو زهرة عام ١٩٨٠ قبل عرض الفيلم، الذي تأخر عرضه سنتين بسبب الحرب العراقية الإيرانية. ثمن هذا الموقف الوطني الشجاع دفعه عبد الرحمن أبو زهرة فور عودته إلى أرض الوطن؛ حيث قُبض عليهما في المطار، وتم اعتقالهما واحتجازهما لعدة أيام قبل أن يُفرج عنهما، ومُنعا من السفر والتمثيل بسبب تصريحاتهما، هذا لم يمنع أبو زهرة من المشاركة في السياسة، بل انضم بعدها إلى حزب التجمّع المعارض، وكان عضواً بارزاً ونشطاً فيه رفقة الفنان حمدي غيث.
لم يقتصر دور أبو زهرة في الحزب على الجانب النظري أو الهتاف، بل دعم الحزب مالياً من جيبه الخاص إيماناً منه بضرورة وجود معارضة وطنية شريفة.
ينتمي عبد الرحمن أبو زهرة إلى ذلك الجيل الفريد الذي كان يرى في الفن رسالة، وفي الثقافة والفكر زاداً لا غنى عنه. فقد امتلك في منزله مكتبة ضخمة تضم أكثر من 2000 كتاب في شتى المعارف والعلوم والآداب.
هذا الثراء الفكري والعمق الإنساني هو السرّ الكامن وراء أدائه العبقري الذي نراه في أدواره المهمّة؛ سواء في شخصية ساعي البريد أو المرسال بين أحمد زكي وجهة أمنية في فيلم “أرض الخوف” مع المخرج داوود عبد السيد، أو في أدائه الصوتي الأسطوري لشخصية «جعفر»، في النسخة العربية من فيلم «علاء الدين»، أو الأسد سكار في الملك الأسد أو تجسيده البارع لشخصية «إبراهيم سردينه» في «لن أعيش في جلباب أبي»، وغيرها من الأدوار الإبداعية التي ستبقى حيّة في ذاكرة الفن العربي كحياة شجر السنديان.
إعلامي مصري




