نبض الشارع

في الرّقة.. “الهلال الأحمر” ومستنقع الولاءات

 عبد الكريم البليخ

قرار تعيين مجلس جديد لفرع الهلال الأحمر في الرّقة لم يكن مجرّد خطوة إدارية عابرة يمكن تجاوزها بصمت، بل بدا لكثيرين وكأنه مشهد مكثّف لأزمة أعمق تعيشها المدينة منذ سنوات؛ أزمة تتعلّق بطريقة إدارة المؤسسات، وبالهوة التي اتّسعت بين الناس وبين الجهات التي تتخذ القرار باسمهم.

وحين تُدار مؤسسة إنسانية بهذه الحساسية بعيداً عن الشفافية، وبمعزل عن إرادة أبناء المدينة والهيئة العامة للفرع، فإن المسألة تتجاوز حدود التعيين ذاته، لتلامس شعور الناس بأنهم يُستبعدون تدريجياً من حقهم الطبيعي في المشاركة والتأثير وتقرير ما يخصّ مدينتهم.

الرّقة التي دفعت أثماناً ثقيلة من الخراب والفقدان والنزوح، لم تكن تنتظر من مؤسسات يفترض أنها وُجدت لخدمة الإنسان أن تتحوّل إلى ساحة لتصفية الحسابات أو إعادة تدوير الأسماء ذاتها التي ارتبطت في ذاكرة الناس بمراحل مؤلمة من تاريخ المدينة. فالمشكلة لم تكن يوماً في الخلفيات الشخصية بقدر ما كانت في طبيعة الأدوار والسلوكيات والعلاقات التي يعرفها أبناء الرّقة جيداً، والتي ما تزال حاضرة في ذاكرتهم رغم تبدّل الواجهات وتغيّر الشعارات.

وحين يعود إلى المشهد أشخاص ارتبطت أسماؤهم سابقاً بعلاقات أمنية أو بولاءات سياسية متشابكة، مثل: مصطفى العبود، زكي ملا عارف، ثم يُعاد تقديمهم من جديد بدعم قوى نافذة أو شخصيات تمتلك حضوراً عسكرياً أو سياسياً، فإن ذلك يثير خوفاً مشروعاً لدى الناس من أن تتحوّل المؤسسات الإنسانية إلى أدوات نفوذ، لا إلى مساحات خدمة عامة مستقلة ومحايدة. فالمدينة التي أنهكتها الصراعات لم تعد تحتمل مزيداً من إعادة إنتاج الوجوه ذاتها، ولا مزيداً من القرارات التي تُصاغ في الغرف المغلقة ثم تُفرض على الناس باعتبارها أمراً واقعاً.

الأكثر إيلاماً أن هذه التشكيلة، بحسب ما يتداوله كثيرون، خرجت بطريقة تفتقر إلى أبسط الأسس التنظيمية التي تمنح أي قرار شرعيته واحترامه. فلا انتخابات حقيقية جرت وفق النظام الداخلي، ولا اجتماع واضح للهيئة العامة، ولا مسار قانوني شفّاف يُتيح للناس معرفة كيف تم اتخاذ القرار ومن يقف خلفه. ولذلك بدا الأمر أقرب إلى صفقة نفوذ ومصالح متبادلة منه إلى عملية مؤسساتية سليمة، وهو ما عمّق شعور أبناء الرّقة بأن القانون لم يعد المرجع الحقيقي، وأن العلاقات المغلقة والولاءات الشخصية باتت أقوى من الأنظمة نفسها، وهذه ما هي أشبه بصفقة مشبوهة بين رامي صطوف، ورئيس منظمة الهلال حازم بقلة، وبين شلة من اصحاب المصلحة والسوابق بالفساد في الهلال وزعيمهم “الملا عارف” والتي انتجت فرع جلّهم من شبيحة النظام البائد!

غير أن ما يكشف عمق الأزمة حقاً ليس القرار وحده، بل ذلك الصمت الثقيل الذي أحاط به. صمتٌ بدا للكثيرين أكثر قسوة من القرار نفسه، لأنه عرّى حالة الفراغ التي تعيشها المدينة على مستوى التمثيل والموقف العام. فأين الأصوات التي طالما تحدثت باسم الرّقة؟ وأين الشخصيات التي تصدّرت المشهد بوصفها حامية لكرامة المدينة وحقوق أهلها؟ وأين النخب والهيئات التي كانت ترفع شعارات الدفاع عن الناس حين كان الكلام أقل كلفة وأكثر أماناً؟

إن أخطر ما يمكن أن تصاب به المدن بعد الحروب ليس الدمار المادي فقط، بل ذلك الإحساس البطيء بأن أهلها فقدوا القدرة على الاعتراض، أو أن التعب الطويل جعلهم يعتادون رؤية القرارات تُفرض عليهم دون أن يملكوا القدرة على تغييرها. وحين يتحوّل الصمت إلى حالة عامة، تصبح المؤسسات أكثر قابلية للاختطاف، وتصبح المدينة نفسها مهددة بأن تفقد تدريجياً حضورها المعنوي وحقها في تقرير مصيرها.

الرّقة ليست مدينة عابرة في ذاكرة السوريين، بل مدينة دفعت من دم أبنائها وأوجاعهم ما يكفي كي يكون لها الحق في مؤسسات نزيهة وشفّافة تحترم تضحياتها. وأهلها لا يطالبون بمعجزات، ولا يسعون إلى احتكار المواقع أو إقصاء أحد، بل يطالبون فقط بما يبدو بديهياً في أي مكان طبيعي: احترام القانون، واحترام إرادة الناس، واختيار شخصيات تمتلك تاريخاً نظيفاً وكفاءة حقيقية وثقة مجتمعية، لا أن تُفرض عبر شبكات المصالح والتزكيات المغلقة.

والمؤلم ليس فقط ما حدث، بل ذلك الشعور الذي خلّفه في نفوس كثيرين بأن المدينة تُترك وحيدة مرة أخرى، تواجه محاولات مصادرة قرارها وسط غياب من يفترض أنهم صوتها الحقيقي.

الرّقة ليست يتيمة، لكنها تُترك يتيمة كلما غاب أهل الموقف، وكلما تحوّل الصمت إلى ستار، والتجاهل إلى مشاركة غير معلنة في تكريس واقع لم يعد يشبه الناس ولا يشبه التضحيات التي قُدمت من أجل هذه المدينة المنهكة.

كاتب وصحافي سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى