«الدوحة» الثقافية تستعيد ألقها
عبد الكريم البليخ

أطلت مجلة «الدوحة» الثقافية من جديد، لا بوصفها مطبوعة عائدة إلى رفوف المكتبات فحسب، بل كنبضٍ ثقافيّ يستعيد حضوره في جسدٍ عربيّ أنهكته التحوّلات، وأتعبته السرعة، وأفقدته في أحيان كثيرة لذة التأمّل العميق. جاءت العودة كأنها جرعة حياة تُضخّ في شرايين مشهدٍ عربيّ عطش إلى حوار معرفي رصين، وإلى منبر يوازن بين أصالة الكلمة وقلق العصر، وبين ذاكرة الورق وامتداد الفضاء الرقمي.
منذ انطلاقتها الأولى عام 1969، حملت «الدوحة» شعاراً لم يكن عابراً: «ملتقى الإبداع العربي والثقافة الإنسانية». ولم يكن هذا الشعار مجرد عبارة تعريفية، بل كان إعلاناً مبكراً عن هوية مجلة أرادت أن تكون بيتاً واسعاً للكلمة، ونافذةً تطل منها الثقافة العربية على ذاتها وعلى العالم. غير أنّ مسيرة المجلات الثقافية، مثل مسيرة الإنسان، لا تخلو من الانقطاعات والغياب. فقد عرفت «الدوحة» توقفات متقطعة، كان أطولها ما بين عامي 1986 و2007، ثم غابت مرة أخرى، كأنها تترك فراغاً لا يملؤه بديل، ولا يعوّضه ضجيج المنصات السريعة.
واليوم، تعود المجلة بثوب معاصر، تحت إدارة الشاعر مبارك آل خليفة، وبإسناد وزاري رسمي تمثل في القرار رقم 44 لعام 2023، بما يمنحها إطاراً مؤسسياً يحمي استمرارها، ويوفر لها أسباب الثبات في زمنٍ كثيراً ما تولد فيه المشاريع الثقافية بحماسة، ثم تنطفئ لغياب التخطيط والرعاية. وهذه العودة، في جوهرها، ليست استئنافاً إدارياً لإصدار ثقافي، بل استعادة لمؤسسة فكرية لها تاريخها وذاكرتها ووجدانها في الحياة العربية.

الشاعر مبارك آل خليفة رئيس تحرير مجلة الدوحة الثقافية
لقد كانت «الدوحة» في مراحلها السابقة فضاءً حراً لعدد من كبار الكتّاب والمفكرين العرب؛ من رجاء النقاش إلى الطيّب صالح وإدوارد سعيد، ومن جبرا إبراهيم جبرا إلى عبد السلام العجيلي وزكريا تامر. هؤلاء، وغيرهم، لم يمروا في صفحات المجلة مروراً عابراً، بل تركوا فيها فسيفساء ثرية من الأفكار والأسئلة والرؤى، عبرت حدود الجغرافيا، وجمعت بين المشرق والمغرب، ولامست قضايا الهوية والتنمية والحرية والانفتاح على الثقافة الإنسانية. لذلك كان توقف المجلة أشبه بإغلاق نافذة كبيرة على الضوء، أما عودتها اليوم فهي إعادة فتح تلك النافذة، لا على القراء القدامى وحدهم، بل على أجيال جديدة تغيّرت أدوات تلقيها، لكنها ما زالت بحاجة إلى معنى أعمق مما تمنحه السرعة اليومية.
وقد اختارت المجلة توقيت انطلاقتها الجديدة متزامناً مع معرض الدوحة الدولي للكتاب، في دلالة لا تخلو من وعي رمزي. فالكتاب هنا ليس مناسبة عابرة، ولا الثقافة زينة بروتوكولية، بل جزء من مشروع أوسع يؤكد أن الحضور الثقافي لا يصنعه الاحتفال الموسمي وحده، وإنما تصنعه المؤسسات، والاستمرارية، والقدرة على تحويل الفكرة إلى عمل راسخ.
مهنياً، تبدو «الدوحة» العائدة حريصة على ألا تنقطع عن روحها الأولى؛ فهي تحافظ على التحقيق الصحفي، والملف الثقافي، والحوار المعمّق، والنصوص النقدية التي تمنح القارئ فرصة التفكير لا مجرد الاستهلاك. لكنها، في الوقت ذاته، تفتح الباب أمام الصورة والفيديو والبودكاست والنسخة الرقمية التفاعلية، إدراكاً منها أن القارئ الجديد لم يعد يقيم في الورق وحده، بل يتنقل بين الشاشة والصوت والصورة، باحثاً عن محتوى يوقظ وعيه ولا يستهين بذكائه.
أما النسخة الورقية التي تصدر كل ثلاثة أشهر، فهي إشارة ذكية إلى أن الورق لم يمت، بل تغيّر إيقاعه. لقد لم يعد الورق مطالباً بأن ينافس سرعة الخبر اليومي، بل أن يستعيد مكانته بوصفه مساحة للقراءة المتأنية، والعودة الهادئة، والاحتفاظ بما يستحق البقاء. وهنا تكمن قيمة التجسير بين الحبر والرقم؛ فهو ليس قطيعة مع الماضي، ولا استسلاماً كاملاً للحاضر، بل إعادة ترتيب للعلاقة بين الإنسان والمعرفة.
ولأن الثقافة لا تزدهر بلا مؤسسات، فإن الإطار القانوني الجديد للمجلة يمنحها فرصة لبناء موارد مستدامة، وبنية تحريرية تتكامل فيها جهود البحث والترجمة والإخراج الفني، بحيث لا تكون المجلة مجرد صفحات متتابعة، بل صرحاً معرفياً متكاملاً: أعمدته التراث، وسقفه الطموح، وواجهته المعاصرة. وبهذا المعنى، يمكن لـ«الدوحة» أن تعود منصة إشعاع تتجاوز حدود قطر، لتخاطب القارئ العربي أينما كان، وتفتح في الوقت نفسه حواراً أرحب مع الثقافة الإنسانية.
في زمن تتراجع فيه المجلات الورقية، ويهيمن «الترند» السريع، وتختلط فيه المعرفة بالانفعال، تأتي «الدوحة» لتذكّرنا بأن الكلمة العميقة لا تفنى، وأن المجلة الثقافية ليست ترفاً نخبوياً، بل حاجة نفسية واجتماعية ومعرفية. إنها تمنح القارئ فرصة لأن يبطئ قليلاً، وأن يصغي إلى ذاته، وأن يشارك في حوار يتجاوز الضجيج إلى المعنى.
إن عودة «الدوحة» ليست خبراً ثقافياً عادياً، بل علامة على أن الثقافة، مهما غابت، قادرة على أن تستعيد نبضها حين تجد من يؤمن بها. إنها دعوة إلى قراءة تعيد بناء الذات، وإلى معرفة تواجه عواصف العصر بالبصيرة لا بالصخب، وبالحوار لا بالانغلاق.
كاتب وصحافي سوري




