نجيب محفوظ فيلسوف الرواية
عبد الكريم البليخ

هل يصحّ القول إنّ الروائي، كلما ازداد إبداعاً في مجاله الخاص، اقترب من الفيلسوف في صورته الجديدة؟ يبدو أنّ هذا القول لا يخلو من وجاهة، إذا نظرنا إلى الرواية لا بوصفها حكايةً تُروى فحسب، بل باعتبارها رؤيةً للعالم، ومحاولةً لالتقاط جوهر الإنسان في لحظة وجودية قلقة. وبهذا المعنى، يمكن أن نرى في فرانز كافكا، وإرنست همنغواي، ونجيب محفوظ، ومحمد ديب، وغيرهم، فلاسفةً من نوع خاص؛ فلاسفة لا يقدّمون أفكارهم في صورة مذاهب مجرّدة، ولا يبنون نظرياتهم عبر المفاهيم الصارمة، بل يتركونها تتجسّد في مصائر الشخصيات، وفي ارتباكها، وانكساراتها، وأسئلتها المعلّقة بين الخوف والرجاء.
إنّ فلسفة الروائي لا تنفصل عن الحياة، ولا تتعالى على التفاصيل الصغيرة التي يصنع منها الإنسان يومه ومأساته وأحلامه. فهي فلسفة لا تقيم في الكتب وحدها، بل في الأزقّة والبيوت والمقاهي، في نظرة عجوز، وصمت عاشق، وخيبة موظف بسيط، وقلق شاب يبحث عن معنى وسط عالم مرتبك. ومن هنا يختلف الروائي عن الفيلسوف التقليدي؛ فالفيلسوف يميل غالباً إلى التجريد، ويصوغ أفكاره في مركّبات نظرية، أما الروائي فيمنح الفكرة جسدذاً وروحاً، ويجعلها تمشي بين الناس، تتكلّم بألسنتهم، وتتعثر بخطاياهم، وتنهض أحياناً على أطلالهم.
والإنسان، في جوهره، كائن منفعل بالوجود، مأخوذ بدهشته وخوفه في آن معاً. يعيش القلق والتوتر والتأزّم، ويختبر الوحدة والغربة، ويقف حائراً أمام عظمة الكون، وجمال القيم، ورغبته العميقة في الاستمرار، وخوفه الدائم من الفناء. هذا التمزّق الداخلي هو ما يدفعه إلى التفكير، والتفلسف، والكتابة، والبوح، والبحث عن أشكال متعدّدة للتعبير عن نفسه. ولعلّ شوبنهاور كان قريباً من هذا المعنى حين رأى أنّ ما يدفع الإنسان إلى الكتابة والتأمّل إنما هو ذلك التناقض المؤلم القائم في قلب العالم، بين الفكر والوجود، وبين الرغبة والعجز، وبين توق الإنسان إلى السعادة وحضور الألم والشر في نسيج الحياة.
لقد وقف الإنسان منذ بداياته الأولى أمام تذبذب الحياة بين السلب والإيجاب، بين الموت والحياة، بين اتساع الكون وضآلة الكائن البشري. حاول أن يفسّر أسرار الوجود، فآمن بالأساطير والحكايات، وصارع القدر، وخرج من صراعه غالباً مثقلاً بالهزيمة والأسى. ثم أخذ يطوّر أدواته الروحية والعقلية، فاعتنق الأفكار الدينية، وتأمّل المذاهب الفلسفية، واخترع الرموز والفنون، وعاد إلى معركته من جديد، لا بوصفه منتصراً دائماً، ولا مهزوماً على الدوام، بل كائناً يبحث عن سلاح جديد كلما اتسعت جراحه وضاقت عليه الإجابات.
من هنا يمكن القول إنّ الأدب، بما فيه الرواية والقصيدة والمقالة، والفلسفة بما تحمله من مذاهب وأسئلة، ليسا سوى سلاحين من أسلحة الإنسان في معركة وجوده. كلاهما يحاول أن يواجه التمزّق، وأن يضيء العتمة، وأن يخفّف من وحشة الكائن أمام المجهول. غير أنّ الأدب يمتاز بأنه لا يكتفي بالسؤال المجرد، بل يضع الإنسان في قلب التجربة، ويجعله يعيش الفكرة قبل أن يفهمها، ويتألم بها قبل أن يفسّرها.
وعند هذه النقطة تحديداً تلتقي الرواية بالفلسفة، ويلتقي الأدب بالفكر، لأنّ القاسم المشترك بينهما هو الإنسان: الإنسان في ضعفه وقوته، في سقوطه ونهوضه، في تناقضه وحنينه، في بحثه الدائم عن معنى لا يكتمل. فالروائي الكبير لا يكتب عن الإنسان من الخارج، بل ينزل إلى أعماقه، يفتّش في خوفه، وذاكرته، ورغباته، وأوهامه، ثم يعيد صياغة هذا كله في عالم فني نابض بالحياة.
وإذا كان هذا القول يصدق على كل روائي كبير، فإنه أكثر صدقاً حين نتحدث عن نجيب محفوظ. فمحفوظ لم يكن مجرد راوٍ ماهر للأحداث، ولا مصوّر بارع للحارة المصرية وحدها، بل كان مبدعاً استطاع أن يحوّل المكان الصغير إلى مرآة كبرى للوجود الإنساني. في عالمه الروائي تتحول الحارة إلى كون، والشخصية العابرة إلى سؤال، والحدث اليومي إلى تأمّل عميق في السلطة، والقدر، والحرية، والعدالة، والخوف، والموت، والمعنى.
لقد منح محفوظ الرواية العربية بعداً فلسفياً وإنسانياً رفيعاً، من غير أن يفقدها حرارتها الاجتماعية وملامحها الواقعية. لذلك يمكن النظر إليه لا بوصفه روائياً مبدعاً فحسب، بل باعتباره مفكراً فنياً، جعل من الرواية طريقاً إلى فهم الإنسان، ومن الحكاية وسيلةً لمساءلة الوجود، ومن الأدب سلاحاً نبيلاً في مواجهة العتمة والتناقض والمجهول.
كاتب وصحافي سوري




