باليت المزمار

ما يجلب السعادة

ستار كاووش

لا يمر يوم في هولندا دون أن تصادفك الزهور في مكان ما؛ في البيت، الحديقة، الرصيف، الأسواق والساحات. زهور تشتريها من المحلات المنتشرة في كل الشوارع والمنعطفات، وأخرى تنبت تلقائياً في الساحات والحقول والطرقات الريفية والغابات وبمحاذاة المزارع، وحتى وسط مياه البحيرات والقنوات والسواقي كما هو الحال مع زنابق الماء، حتى إن بعض الناس لم يكتفوا بكل هذا، بل زرعوا سطوح بيوتهم بالزهور المختلفة. تترك الشوارع وتمضي نحو سوق المدينة، فتظهر أمامك ألوان وروائح الزهور المختلفة التي لا حصر لها؛ نبتات وبصيلات وشتلات وباقات متنوعة، مزهريات مصفّفة بعناية كأنها معرض تشكيلي. هكذا لا تمر عليك ساعة دون أن تتوطد علاقتك بالورد أكثر فأكثر.

وأنا بدوري أتطلع دائماً لهذه «الكائنات» الصغيرة التي تجلب البهجة وتصنع التواصل بين الناس، وما إن أضع قدمي خارج المرسم حتى تستقبلني أنواعها المختلفة؛ في شرفة الجيران، أو في تلك المزهريات الكبيرة التي تدلَّت من أعمدة إضاءة الشارع. هكذا لا يمر يوم دون أن أتحسس الزهور، أقترب منها وأشاهد الفروقات اللونية التي بينها. حتى ساعة الظهيرة التي أخرج فيها للتجول، أذهب خلالها غالباً إلى مناطق مفتوحة تفترشها الأعشاب والنباتات والزهور البرية الصغيرة ذات الألوان الصريحة، أتحسسها بأصابعي كمن يداعب الفراشات، وأختار منها إضمامات وأضعها في حقيبتي الصغيرة، ثم أعود إلى المرسم لأفرشها على الطاولة الكبيرة، قبل أن أجهزها وأمزجها مع بعض النباتات الأخرى لصناعة الورق اليدوي الذي أرسم عليه لوحاتي. وأحياناً أخرج صحبة صديقي يان، نجمع الزهور سوية، لكنه يختار غالباً نوعاً محدداً يُسمى «بوتر بلومن»، وهي صغيرة وذات لون أصفر، يجمع منها ما يستطيع ويأخذها إلى زوجته صوفي التي تصنع منها المربى. وهكذا يعيش على طرفي شارعنا شخصان، أحدهما يصنع المربى وآخر يصنع الورق، وما يجمعهما هو الزهور.

لا تنتهي حكايات الورد ولا تخفت رمزيته وجماله الأخّاذ الذي يسر العيون ويعطر القلوب، فهو الهدية الأكثر شعبية في العالم. إنه البهجة التي نحصل عليها دون عناء، مثل تلك التي شعرتُ بها قبل أيام عند ذهابي للتسوق، فاستوقفتني مجموعة من الزهور التي زرعتها البلدية بمحاذاة قناة مائية طويلة، فنسيتُ ما أريد شراءه وتجولتُ بين الزهور وألوانها وشذاها الذي ملأ المكان، ثم اخترتُ أريكة قديمة بالجوار وتنقلتُ ببصري بين ألوان الورد كأني أتنقل بين لوحات جميلة في متحف بالهواء الطلق. وقد أعادني المشهد إلى تلك الأريكة التي جلستُ عليها وسط متحف أوفيزي بمدينة فلورنسا، متأملاً لوحة «الربيع» التي رسمها بوتيشيللي، والتي امتلأت بالزهور، حيث تتوسطها فينوس، تحيط بها مجموعة من الشخصيات، منها «فلورا» آلهة الزهور والربيع، وثلاث حوريات، كذلك إله الريح، فيما يحلّق كيوبيد في أعلى اللوحة معصوب العينين. حاولت وقتها أن أجد العلاقات بين أنواع وألوان الزهور التي رسمها بوتيشيللي، وكيف جعلها تحيط بالشخصيات من كل جهة وزاوية من هذه اللوحة العظيمة الواسعة، التي يزيد ارتفاعها على مترين وعرضها على ثلاثة أمتار. هناك، على تلك الأريكة، لاحظتُ أن بوتيشيللي قد رسم مئات الزهور ومن أنواع مختلفة، والجميل هو أن هذه الزهور لا تنمو كلها في فصل الربيع، وهنا بدأ التغريب والخيال الذي يناسب أسطورية هذه اللوحة التي مزج فيها بوتيشيللي بين خياله العبقري والأسطورة. نظرت وقتها إلى الزهور التي تملأ كل جزء من قماشة الرسم وفكرت للحظة أن أعدّها، لكن مهمتي كانت صعبة، فقد توقفتُ عن العد حين تجاوز العدد بضع مئات من الزهور.

وعودة إلى الشارع الذي أعيش فيه، فهناك محل صغير لبيع الورد، يحتفل هذه الأيام بمرور تسعين سنة على افتتاحه. وبهذه المناسبة عُلِّقت البارحة يافطة على واجهته كُتب عليها: «افتح لك اشتراكاً شهرياً بالورد». وهنا فكرتُ بأن الاشتراك عادة ما يكون بالصحف والمجلات أو الإنترنت مثلاً، لكن أن يكون لديك اشتراك بالورد، فهذا جديد عليَّ تماماً. لكني حين تساءلتُ عن هذا الموضوع، فهمتُ أن من يشترك عليه دفع مبلغ شهري صغير، لتصله باقات الزهور إلى باب البيت وبالأوقات التي يفضلها والألوان والأنواع التي يختارها، وما عليه سوى أن يحدّد زهوره المفضلة والمناسبات التي يحتاج فيها الزهور، لتصله الباقات تباعاً بعد أن تُرتَّب وتُزيَّن بما يلائم المناسبة، وفوق كل هذا، ستصله بين فترة وأخرى باقات ورد مجانية.

ناقد وفنان تشكيلي عراقي

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. عبد الكريم البليخ
    ما أجمل ما يكتب الصديق الناقد والفنان التشكيلي المتفرد ستار كاووش، وما تضمنه نصه الرائع من مفردات تنعش القلب وتبهج الروح، الذي يحوّل بدوره الزهور من مجرد نباتات جميلة إلى لغة يومية للسعادة والتواصل.
    الكاتب لا يتحدث عن الورد بوصفه زينة عابرة، بل يراه كائناً صغيراً يخفّف قسوة الحياة ويمنحها معنى أرقّ.
    تبدو هولندا في النص كأنها حديقة مفتوحة، حيث تمتزج الطبيعة بالفن والذاكرة والناس. والكاتب يلتقط التفاصيل بعين الفنان، فيرى في كل زهرة لوناً وحكاية وعلاقة إنسانية.
    أعجبني الربط بين الزهور وصناعة الورق والمربى، وكأن الجمال يمكن أن يتحول إلى فن وطعم وذكرى. كما أن استحضار لوحة «الربيع» لبوتيشيللي أضاف بعداً ثقافياً عميقاً للنص.
    فالزهور هنا ليست فرحاً بسيطاً فقط، بل جسر بين الشارع والمتحف، وبين الواقع والخيال.
    أما فكرة الاشتراك الشهري بالورد فهي لمسة مدهشة، لأنها تجعل السعادة عادة منتظمة لا مناسبة عابرة.
    النص يدعونا إلى الانتباه لما هو صغير حولنا، فقد يكون مصدر البهجة أقرب مما نظن.
    نص يحتفي بالجمال اليومي، ويذكّرنا بأن السعادة قد تبدأ أحياناً من زهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى