تشكيل

محمد الحريري.. الفن التشكيلي والعمارة عنده نسيج واحد

فنان يرسم ما تخفيه الأماكن

عبد الكريم البليخ

في مسارٍ تتقاطع فيه الذاكرة بالمكان، ويتحوّل فيه الطين إلى لغة، والرسم إلى تأمّل، يبرز اسم الفنان التشكيلي والباحث المعماري محمد الحريري بوصفه تجربة فريدة تنتمي إلى جغرافيا الفرات، وتفيض في الآن ذاته على حدودها، لتلامس أسئلة الإنسان الكبرى حول الهوية والانتماء والمعنى.

وُلد محمد الحريري في الخامس من سبتمبر – أيلول عام 1966، في بيئةٍ شعبية كادحة بمدينة الرّقة، تلك المدينة التي ستغدو لاحقا خزّانا بصريا وروحيا لأعماله. لم تكن طفولته منفصلة عن شروط الحياة القاسية التي فرضها الواقع الاجتماعي، بل شكّلت تلك الشروط ذاتها أرضية خصبة لنشوء حساسية مبكرة تجاه التفاصيل، وتجاه الجمال المختبئ في البساطة. ففي الأزقة الترابية، وعلى ضفاف الفرات، وفي تدرجات الضوء على الجدران الطينية، بدأ وعيه التشكيلي يتكوّن بصمت، كأنّه ينصت إلى العالم قبل أن يعبّر عنه.

الفن والبيئة الفراتية

ظهرت ميوله الفنية منذ سنٍ مبكرة، حيث وجد في الرسم ملاذا داخليا يوازي صرامة الواقع. وقد تتلمذ على يد الفنان الأستاذ فواز اليونس في مركز الفنون التشكيلية بالرّقة خلال فترة الثمانينات، وهناك بدأت ملامح مشروعه الفني بالتشكل، لا كحرفة تقنية فحسب، بل كوعي بصري يتغذى من البيئة، ويتفاعل مع التراث.

الفنان التشكيلي محمد الحريري

في عام 1984 تخرّج من مركز الفنون التشكيلية، ليخطو بعدها نحو دراسة أكاديمية أكثر عمقا، فالتحق بكلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق، حيث درس العمارة الداخلية (هندسة الديكور)، ونال إجازته عام 1989. في تلك المرحلة لم يكن انتقاله إلى العاصمة مجرد انتقال جغرافي، بل كان انفتاحا على عوالم جديدة، وتيارات فنية متعددة، وتجارب فكرية وسياقات ثقافية مختلفة. ومع ذلك، ظل يحمل معه ذاكرة الرّقة كمرجع أساسي، وكأنّه يعيد اكتشافها من خلال مسافة التأمل.

في تجربة الحريري لا يبدو الفن منفصلا عن العمارة، بل يتداخلان في نسيج واحد. فقد وجد في العمارة الداخلية مجالا يجمع بين الصرامة الهندسية والخيال التشكيلي، بين القاعدة والانفلات، بين النظام والحدس. وهو نفسه يصف هذه العلاقة قائلا إنَّ الرسم والتصوير الزيتي ظلّا يرافقانه دائما، بوصفهما مساحة للحرية والانعتاق من قيود الخطوط الهندسية، حيث تتحوّل الصدفة إلى اكتشاف، والفوضى إلى جمال.

تتميّز تجربته الفنية باستلهامها العميق من البيئة الفراتية، حيث تتحوّل العناصر المحلية -كالطين والنخيل والماء والعمارة التقليدية- إلى مفردات تشكيلية تحمل دلالات إنسانية وثقافية. في أعماله لا يظهر المكان كخلفية صامتة، بل ككائن حيّ ينبض بالذاكرة، ويتحوّل إلى شريك في التعبير. إنّه يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان ومحيطه، ليس عبر تمثيل واقعي مباشر، بل من خلال بناء بصري يستدعي الإحساس أكثر مما يصف الشكل.

كما تتجلى في أعماله نزعة تأملية واضحة، حيث لا يكتفي بإعادة إنتاج التراث، بل يعيد قراءته، ويستخرج منه إمكانات جديدة. فالموروث لديه ليس شيئا ثابتا، بل مادة حية قابلة للتجدد، تُعاد صياغتها بلغة معاصرة دون أن تفقد جذورها.

التصميم والتراث

إلى جانب ممارسته التشكيلية برز الحريري في مجال العمارة الطينية، حيث شكّلت هذه التجربة امتدادا طبيعيا لاهتمامه بالمكان والهوية. فقد انشغل بدراسة تقنيات البناء التقليدي، وسعى إلى تطوير نماذج معمارية تعتمد على المواد الطبيعية المحلية، في محاولة لإحياء هذا الإرث بأسلوب يتناسب مع العصر. في هذا السياق لم يكن عمله تقنيا فحسب، بل كان يحمل بعدا ثقافيا وبيئيا، يعيد الاعتبار للعمارة بوصفها تعبيرا عن الإنسان وبيئته، لا مجرد وظيفة إنشائية.

كما شارك في ورشات تدريبية في مجال الترميم التراثي، مساهما في نقل المعرفة إلى المجتمع، وتعزيز الوعي بأهمية الحفاظ على التراث المعماري. وهنا تتجلى شخصيته كفنان -باحث، لا يكتفي بالإنتاج، بل يسعى إلى بناء معرفة مشتركة، وإلى ربط الفن بالحياة اليومية.

في المجال التعليمي كانت له تجربة غنية وممتدة، حيث عمل مدرسا في معهد الفنون في الرّقة، ودرّس مواد التصميم والزخرفة والتصوير الزيتي، كما عمل في دولة الإمارات العربية المتحدة بين عامي 1994 و1996، ثم في دولة قطر بين عامي 2001 و2005، حيث درّس مادة التربية الفنية. خلال هذه التجارب لم يكن التعليم بالنسبة إليه مجرد نقل معلومات، بل كان مشروعا تربويا يهدف إلى تنمية الحس الجمالي لدى الطلبة، وربط الفن بالبيئة المحلية، وتعزيز الانتماء الثقافي.

وقد انعكست هذه التجربة التعليمية على مسيرته الفنية، إذ أضافت إليها بعدا إنسانيا، وجعلته أكثر وعيا بدور الفن في تشكيل الوعي الجمعي. كما ساهمت في تطوير منهجه، حيث أصبح أكثر انفتاحا على الحوار، وأكثر قدرة على تبسيط الأفكار دون فقدان عمقها.

على صعيد العمل المهني أنجز الحريري العديد من المشاريع في مجال الديكور، سواء الثابتة أو المؤقتة، حيث صمّم ديكورات لاحتفالات رسمية ومهرجانات ثقافية، منها عيد الفلاحين المركزي في الرّقة، والمسرح المؤقت لحفل الفنان صباح فخري ضمن مهرجان الرّقة للثقافة والتراث. كما قام بتصميم وتنفيذ عدد من الدوارات العامة في المدينة، ما يعكس حضوره في الفضاء العام، وقدرته على تحويل الفن إلى جزء من الحياة اليومية.

العمارة لغة فنية

يمتلك الفنان أيضا مهارات تقنية متقدمة، حيث يجيد استخدام برامج التصميم الهندسي مثل أوتوكاد ثنائي وثلاثي الأبعاد، ما يعزّز قدرته على الجمع بين الفن والتقنية. كما يجيد الخط العربي، وله مقالات منشورة في الصحافة، خاصة في جريدة “الشرق” القطرية، تناول فيها قضايا فنية ومعمارية.

رغم انشغالاته المتعددة، لم ينقطع عن الرسم، بل ظلّ يرى العالم بعين الفنان، يلتقط المشاهد، ويخزّنها في ذاكرته البصرية، لتتحول لاحقا إلى لوحات. هذه القدرة على “الرؤية” هي ما يمنح أعماله عمقها، ويجعلها تتجاوز الشكل إلى الإحساس.

في مجمل تجربته، يمكن القول إن محمد الحريري لا ينتمي إلى نمط فني واحد، بل يتحرك بين مجالات متعددة، يجمعها خيط واحد هو البحث عن المعنى. فهو فنان يرى في الطين تاريخا، وفي اللون ذاكرة، وفي العمارة لغة، وفي التعليم رسالة.

إنّ تجربته ليست مجرد سيرة فنان، بل هي سيرة مكان يُعاد اكتشافه، وسيرة إنسان يحاول أن يصوغ علاقته بالعالم من خلال الفن. وفي زمن تتسارع فيه التحولات، تبقى أعماله بمثابة دعوة للتأمل، وللعودة إلى الجذور، لا بوصفها ماضيا يُستعاد، بل كمصدر لإعادة بناء الحاضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى