تشكيل

ميلاد حامد يحوّل اللون إلى خطاب حضاري عراقي

عبد الكريم البليخ

حين يغادر الفن حدود الجغرافيا، لا يعود مجرّد لوحة معلّقة على جدار، ولا مساحة لونية محكومة بإطار خشبي، بل يتحوّل إلى رسالة صامتة تمشي بين العيون، حاملةً ذاكرة شعب، ووجع حضارة، وحنين إنسان يحاول أن يعثر على صورته في مرايا العالم. فالفن، في جوهره العميق، ليس ترفاً جمالياً، بل هو شكل آخر من أشكال الشهادة؛ شهادة على الوجود، وعلى القدرة على البقاء، وعلى أن الإنسان، مهما أثقلته الحروب والمنافي والانكسارات، يظل قادراً على أن يبتكر لغةً للضوء.

من هذا المعنى، تبدو مشاركة الفنان التشكيلي ومصمم الأزياء العراقي ميلاد حامد في مهرجان ومعرض Amadeus Global Ambassadors Gala في فيينا أكثر من حضور عابر في فعالية فنية دولية؛ إنها لحظة ثقافية ذات دلالة نفسية واجتماعية عميقة، ينهض فيها الفنان بوصفه سفيراً للروح العراقية، لا بالخطاب المباشر ولا بالشعارات، بل باللون والرمز والإيقاع البصري. حمل حامد إلى فيينا شيئاً من طين الرافدين، ومن زرقة الذاكرة، ومن إشارات الحضارات الأولى التي علّمت الإنسان معنى الكتابة، وأهدته أولى محاولاته في مواجهة الفناء بالعلامة والصورة والنقش.

ذاكرة بلون أزرق

جاءت مشاركة الفنان بدعوة رسمية من السفارة العراقية في النمسا، لتمثيل العراق في هذا الحدث الفني والثقافي، وسط حضور دولي واسع ضمّ أربعة وعشرين فناناً وفنانة من دول متعددة، رشحتهم سفارات أوروبية ومؤسسات ثقافية للمشاركة في معرض جمع مدارس وأساليب ورؤى مختلفة تحت سقف واحد. وفي مثل هذه الفضاءات، لا تقف اللوحة وحدها أمام المتلقي، بل تقف خلفها بلاد كاملة؛ بتاريخها الطويل، وأسئلتها المفتوحة، وجراحها التي لم تندمل، وأحلامها التي لا تزال تبحث عن نافذة تطل منها على العالم.

الفنان التشكيلي العراقي المتميز ميلاد حامد

وقد عبّر الفنان ميلاد حامد عن سعادته بهذه المشاركة، مؤكداً أن تمثيل العراق في محفل فني عالمي ليس امتيازاً شخصياً فحسب، بل مسؤولية معنوية وثقافية كبيرة. فالفنان، حين يحمل اسم وطنه إلى الخارج، لا يقدّم عملاً فنياً معزولاً عن سياقه، وإنما يقدّم صورة عن قدرة الثقافة العراقية على الحضور والتجدد، رغم ما مرّت به من اضطرابات وتحولات قاسية. إن اللوحة هنا لا تصبح مجرد أثر جمالي، بل تتحول إلى شكل من أشكال الدفاع الهادئ عن صورة بلد كثيراً ما اختُزل في نشرات الأخبار، بينما ظلّ في جوهره العميق أرضاً للخيال والمعرفة والرموز الكبرى.

شارك حامد بعملين منفذين بالألوان الزيتية، بقياس 70×70 سم لكل لوحة، مستخدماً تقنيات تشكيلية متنوعة داخل العمل الواحد. وقد بدت اللوحتان وكأنهما تنتميان إلى عالم تجريدي مشحون بالرموز والإشارات، حيث تتداخل المساحات اللونية مع علامات حضارية وإنسانية تفتح باباً واسعاً للتأمل والتأويل. فالأزرق، بما يحمله من عمق وهدوء وحنين، لا يظهر في العملين بوصفه لوناً جمالياً فحسب، بل بوصفه فضاءً نفسياً يعكس العزلة والذاكرة والبحث عن صفاء داخلي وسط عالم يموج بالقلق والاضطراب.

في إحدى اللوحتين، تتقابل الألوان الحارة والباردة؛ الأحمر والبرتقالي والأصفر في مواجهة الأزرق والبنفسجي، وكأن العمل يرسم صراعاً خفياً بين التوتر والسكينة، بين الانطفاء والاشتعال، بين العتمة واحتمال الضوء. هذا التباين اللوني لا يقف عند حدود التقنية، بل يتجاوزها إلى منطقة الشعور، حيث يبدو الإنسان محاصراً بين ذاكرة ساخنة مثقلة بالألم، ورغبة داخلية في النجاة والهدوء. وفي قلب التكوين تظهر إشارات تشبه النقوش المسمارية أو الرموز الرافدينية القديمة، بما يوحي باستدعاء الإرث العراقي العميق، لا بوصفه ماضياً مغلقاً، بل بوصفه طاقة حيّة قابلة لإعادة القراءة داخل لغة تشكيلية معاصرة.

من أعمال الفنان

أما اللوحة الثانية فتبدو أكثر غوصاً في الداخل الإنساني؛ حيث تتوزع المربعات والمستطيلات الصغيرة كأنها نوافذ لذاكرة متكسرة، أو شاشات مضيئة داخل فراغ أزرق واسع. في مركز العمل تنبثق كتلة ضوئية، كأنها نافذة أمل، أو أثر حياة يرفض أن ينطفئ. هذه المفارقة بين الضوء والظلمة تمنح اللوحة بعداً نفسياً عميقاً، وتجعل المتلقي يشعر بأنه أمام رحلة داخل الذات، لا أمام مشهد بصري مباشر. فكل مربع صغير يبدو كأنه تفصيل من حياة بعيدة، وكل ومضة لون تبدو كأنها محاولة لاستعادة شيء ضاع في الزحام: بيت، وجه، مدينة، أو لحظة سلام.

ما يميز تجربة حامد في هذين العملين هو قدرته على الجمع بين الحضارة والحداثة، بين الرمز القديم والحس المعاصر، بين النظام الهندسي والانفعال الحر. فالخطوط والخربشات والتراكمات اللونية لا تبدو اعتباطية، بل تحمل إحساساً بالصراع بين البناء والمحو، بين الذاكرة والنسيان، بين ما يبقى في الروح وما يبدده الزمن. ومن هنا يكتسب العملان بعداً اجتماعياً أيضاً، إذ لا يتحدثان عن تجربة فردية مغلقة، بل عن ذاكرة جماعية عاشت التحولات، وواجهت التمزق، وما زالت تبحث عن معنى متماسك وسط عالم كثير الانكسارات.

وقد أضفت أكاديمية ومدرسة “أمادوسي” الدولية في فيينا، المعروفة باهتمامها بالفنون والثقافة، بعداً احتفالياً خاصاً على أجواء المهرجان، من خلال عرض موسيقي أوركسترالي قدمه طلبتها من الأطفال. وهنا تجاورت الفنون في مشهد واحد: التشكيل مع الموسيقى، واللون مع النغم، والذاكرة مع البراءة. كان حضور الأطفال في قلب هذا الحدث إشارة بالغة الدلالة إلى أن الفن، في أعمق معانيه، ليس ملكاً للماضي وحده، بل هو رهان على المستقبل أيضاً؛ مستقبل تتعلم فيه الأجيال أن الجمال لغة مشتركة، وأن الاختلاف بين الثقافات يمكن أن يتحول إلى تناغم، لا إلى صراع.

الفن يرمم الجراح

وقد حظيت أعمال الفنان ميلاد حامد باهتمام الحضور والنقاد، لما حملته من طابع بصري معاصر ورسائل مستلهمة من الحضارة العراقية العريقة. وفي ذلك الحضور، بدا الفن العراقي قادراً على أن يستعيد مكانته بوصفه فناً متجذراً في التاريخ، ومنفتحاً في الوقت نفسه على أسئلة العالم الحديث. فالعراق، الذي كان يوماً مهد الكتابة والأسطورة والمدن الأولى، لا يزال قادراً على أن يرسل أبناءه إلى العالم حاملين لغة أخرى من لغات البقاء.

إن مشاركة ميلاد حامد في فيينا ليست مجرد مشاركة فنية، بل شهادة جديدة على أن الإبداع العراقي، مهما ابتعد عن أرضه، يظل مشدوداً إلى ذاكرة الرافدين، وإلى تلك الروح التي تعرف كيف تحوّل الألم إلى لون، والمنفى إلى نافذة، والحضارة إلى خطاب بصري حيّ يخاطب العالم بلغة الجمال. ففي زمن تزدحم فيه الأصوات العالية، يختار الفن أن يتكلم بصمته العميق، وأن يقول للعالم إن العراق ليس جرحاً فقط، بل ذاكرة ضوء، ويدٌ ما زالت ترسم، وروحٌ ما زالت تؤمن بأن اللون قادر على أن يحمل وطناً كاملاً.

كاتب وصحافي سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى