تشكيل

الجسد الوثيقة كفضاء للتمرد .. تجربة كريم سعدون بين الصدمة والتحرر

محمد خصيف

“الجسد في أعمالي عصي على التنميط، فهو متحرّر لا يتكرر وجوده المتشابه ولكن يمكن أن ترى التكرار في تواجده بوضعيات قد تبدو  متشابهة، جسد لا هوية محددة له، ينبش في الوعي عن الطبقات الأكثر قدماً ليضعها على دكة التساؤلات ويعيد برمجتها للتلاؤم مع العصر، هذا الجسد هو الممتلك لوجوده المستقل والباحث عن ترسيخ ذلك”.

في تتبّعي شبه اليومي لصور أعمال الفنان العراقي كريم سعدون، تجلّى لي بوضوح أن المنجز يوثق تجربة فنية فرادة، شخصياً، أعدّها من بين أكثر التجارب دلالة في الفن العربي المعاصر. فالصور التي احتضنتني لمدة من الزمن، لا تكتفي بسردٍ شكلي/ شكلاني فاقد لراهنيته أو بتعبير ذاتي تقليدي، بل تنخرط في تفكير عميق حول الجسد والهوية والذاكرة الجماعية، مُحوِّلةً اللوحة إلى بنية نقدية واستفزازية. هنا لا تُفهم الحداثة بوصفها تقدّماً شكلياً، بل باعتبارها قطيعة تاريخية دائمة.

يتصدر الجسدُ الأعمالَ بوصفه كياناً مولّداً لأسئلة أنطولوجية بعيدة عن كل نزوعٍ متعالٍ، فيما تتبدّى اللوحة كوثيقة بصرية تتأرجح بين الحضور والغياب، وبين الظل والنور، وبين الفرد والمجتمع. فالعمل الفني لا يسعى إلى معنى يتجاوز ذاته، بل يُنتج ضرورته الجوانية من خلال اختزالية الجسد المرسوم وعبر انغراس في سياق تاريخي جريح. يوحي لنا كذا التزام، بفتح فضاء إشكالي ليعيد مساءلة التمثّلات الجاهزة، ويطرح سؤالًا أخلاقيًا ملحّاً: كيف يمكن للفن أن يحفظ أثر الإرث الإنساني وسط الخراب والنسيان؟ وكيف يمكن للجسد أن يكون في آنٍ واحد رمزًا وحيزًا للحرية؟

الفنان التشكيلي كريم سعدون

وأنا أمام هذه الأعمال المتميزة يمكنني أن أجزم بلا تردد أن الرسم هنا لا يثير شهوة النظر كما هي معهودة في كل نظام متعة جمالية مستقرة، بل إن الحركات والإيماءات داخل اللوحة تعمل داخل ما يمكن تسميته، بالمعنى البنياميني، مجال الصدمة؛ حيث يتحول الأثر البصري إلى مواجهة مع تاريخ لم يُحسم، ومع حاضر يُعاد إنتاج عنفه يوميًا. هذا الاختزال في جسد اللوحة ليس مجرد خيار أسلوبي، بل استجابة لما يفرضه مجال الصدمة من العنف التاريخي؛ فالفنان، الذي عاين الخراب كما في مسيرة كريم سعدون الممتدة لأربعة عقود، يدرك أن الممارسة الفنية لا يمكن أن تكون حيادًا، بل هي استنطاق لما تبقى من الأثر الإنساني. الفن هنا لا يُمتع، بل “يرجُّ” الوعي، في مواجهة صريحة مع ما يتركه العنف من فراغات ومساحات غير محسومة.

وفي هذا السياق، لا يُقدَّم الجسد في أعمال كريم سعدون بوصفه موضوعًا للنظر أو حاملًا لمعنى تشخيصي مباشر، بل كشرط إدراك مُربِك، يتوسط الرؤية ويعطّل طمأنينتها. فالجسد هنا لا يشفّ عن العالم كما في التصور الفينومينولوجي الكلاسيكي، بل يتحول إلى سطح صدمة يجعل فعل الإدراك نفسه موضع مساءلة. نحن لا نرى الجسد بوصفه كيانًا مكتملًا، بل نرى عبر انكساره حدود الرؤية ذاتها، حيث يغدو الجسد شرطًا للرؤية بقدر ما هو عائقها، ووسيطًا يكشف هشاشة العلاقة بين المتلقي والصورة، لا استقرارها.

من أعمال الفنان الكبير

ضمن هذا الأفق، لا يُستعاد الجمال بوصفه قيمة تصالحية، بل يُعاد التفكير فيه كشكل من أشكال السلب الجمالي بالمعنى الأدورني؛ جمال لا يعد بالانسجام، بل يكشف استحالته. هكذا تتأسس أعمال سعدون على ما يمكن تسميته “جماليات القبح”، لا باعتبارها اختيارًا أسلوبيًا أو افتتانًا بالدمار، بل كاستراتيجية نقدية تقاوم تطبيع القبح حين يتحول إلى أداة هيمنة وإدارة للحياة والموت. فإشاعة القبح هنا ليست نتيجة جانبية للعنف، بل منطقًا منظمًا يسعى إلى محو الحساسية، وإلى مصادرة كل ما تبقّى من الإنجاز المدني والرمزي، في حين لا يملك الفنان سوى أدوات جمالية مسالمة تقف في مواجهة منظومة قسرية شاملة.

يتجسد هذا التوتر بأقصى درجاته في سيمياء الوجوه المحدّقة التي تهيمن على فضاءات سعدون التشكيلية، حيث لا يُقدّم الوجه كهوية فردية مكتملة، بل كأثر، بالمعنى البنياميني، أي كبقايا إنسانية مشروخة تنفلت من التمثيل النفسي لتغدو علامة تاريخية عامة، أو كقناع هشّ يضعف فيه الفرد لصالح نموذج كوني للإنسان الجريح. العيون، المتسعة على نحو غير طبيعي، لا تؤدي وظيفة تعبيرية بقدر ما تشتغل كنقاط صدمة تعيد توجيه النظرة من الاستهلاك البصري إلى الاختبار الأخلاقي، فهي لا تحدق في المتلقي فحسب، بل تكسره كليًا، كاسرة المسافة الجمالية والجدار الرابع، ودافعة المشاهد إلى موقع الشاهد أو الشريك الأخلاقي. وأعترف، أمام هذا التحديق المباشر، بأن اللوحة لا تتركني حرًّا في تأويلي، بل تفرض عليّ موقفًا أخلاقيًا مربكًا، حيث يتحول النظر ذاته إلى اختبار للضمير، في تجربة تجسد التوتر المستمر بين الفردية والجنس الكوني للإنسان، وبين المشهد البصري والالتزام الأخلاقي.

ومن هنا، لا يعود الاشتغال على الجسد في تجربة كريم سعدون محصوراً في تمثيل تشخيصي أو رسم شخوص نمطية، بل تتحول الوجوه إلى بورتريهات مجهولة الهوية، تحاورني أنا كمشاهد/شاهد، وتتقاسم بوحها االقلق والجريح معك أنت أيها القارئ المتفحص. تتخذ لنفسها طابعاً مفهومياً أعمق، يُنظر من خلاله إلى الأجساد، بوصفها كيانات بلا كينونات محدودة، تمتلك أسباب وجودها الخاصة وتُقوّل المعنى بما ينبغي أن يكونه. فالمعالجة التشكيلية، بما تنطوي عليه من بناء طبقي وتكثيف مادي، لا تُستخدم كغاية تقنية في ذاتها، بل كوسيط يتيح للجسد أن يتحرّر من دلالاته الجاهزة، ويغدو فضاءً دائباً في توليد الأسئلة، ومتفاعلاً تلقائياً مع متلقٍ منفلت من أي طمأنينة؛ إذ بمجرد محاولته البحث عن السكينة داخل اللوحة، يجد نفسه غارقاً في متاهات معرفة مقلقة. في هذا السياق، يمتد التعبير إلى مديات واسعة، بحيث لا يعود المعنى متمركزاً في الشكل الكلي، بل يتشظى موزعاً على تفاصيل العمل كافة، ليمنح كل جزء طاقته الخاصة على الإيحاء والتوليد.

في هذا السياق، تتجاوز الأجساد في أعمال سعدون أي تمثيل تقليدي للهوية الفردية؛ فهي لا تُختزل في كيان ثابت، بل تُفكك إلى مظاهر للـ “أنا” في حركة صيرورة مستمرة، حيث الأنا ليست وحدة مستقرة بل عملية متسائلة تتحدى الانغلاق. الجسد هنا يُقرأ كـ “كون علامي باعث”، لا كموضوع مسلَّم به، بل ككيان يتعرّض لتفكيك مستمر، تُسحب عنه الصور النمطية والطبقات الدلالية التي فرضتها عليه السلطة الرمزية للآخر.

تميز في أعماله

هذه العملية لا تكتفي بتعرية الجسد، بل تحوله إلى فضاء مفتوح للإنتاج الدلالي؛ حيث يغدو كل تفصيل—سواء في الخطوط القلقة، أو الأجزاء المتشظية، أو حتى المساحات الفارغة—قادراً على توليد معانٍ جديدة غير خاضعة للقوالب الجاهزة. هكذا، يصبح الجسد مسرحاً للتمرد على التوصيفات القسرية، وعلامة تتيح للمتلقي التفاعل معها بحرية نسبية، متحرراً من وزن الهوية المفروضة سابقاً، ليشارك كشريك فاعل في إنتاج المعنى بدل أن يظل مستهلكاً سلبياً له. إنها ممارسة تجعل من الفن أداة للتحرر الرمزي، حيث لا هوية نهائية تقيد الجسد، بل هوية دائمة التشكل، مفتوحة دوماً على التفكيك وإعادة القراءة.

تتمحور أعمال الفنان كريم سعدون أيضًا حول مفهوم “تغريب الجسد”  وتحويله إلى كائن ورقي أو أيقونة تعبيرية تعاني من ثقل الوجود، حيث تتحول اللوحة لديه من مجرد مساحة لونية إلى وثيقة بصرية وجدارية تحتفي بالهامش الإنساني وتجسد الاحتجاج الصامت. في هذه التجربة، يبرز التداخل العميق بين الجسد والوثيقة، وبين الحضور الفعلي والغياب الطيفي؛ فالفنان لا يرسم أجساداً مكتملة بملامح واقعية، بل يقدم “بورتريهات نفسية” تبدو وكأنها خرجت من ركام الذاكرة أو سياقات النفي والاغتراب، لتظهر الشخوص كظلال هشّة أو كيانات محاصرة داخل فضاءات ضاغطة، مما يعزز فكرة ضياع الفردانية وتحول الإنسان من قيمة وجودية إلى مجرد “رقم ملف” أو “إحصائية” في سجلات الحرب والبيروقراطية.

وفلسفياً، يعامل سعدون سطح اللوحة كجدار مدني قديم يعكس فلسفة التراكم والتمزيق؛ حيث يستخدم أسلوب الميكس ميديا كأداة لبناء طبقات من الألوان والكولاج والقصاصات الورقية، ثم يعمد إلى حكها وتعرية أجزاء منها. هذا الأسلوب يعكس صراع الكائن مع المحو والنسيان، فاستخدام الطوابع البريدية والنصوص المبتورة ليس مجرد عنصر جمالي، بل هو رمز لتدوين الزمن المفقود والرسائل التي ضلت طريقها، مما يمنح اللوحة ملمساً أركيولوجياً يوحي بالتنقيب في طبقات الذاكرة. هنا، لا يحضر النص المكتوب كعنصر زخرفي، بل كأداة تعيد صياغة مفهوم “الإنسان الوثيقة”، حيث يظهر التضاد الحاد بين عفوية ضربات الفرشاة التي تمثل حرية الروح، وجفاف الحروف المطبوعة التي تمثل جمود القوانين والحدود التي تحاول تأطير المنفي وتحجيمه.

بصرياً، تمتاز الشخوص عند كريم سعدون بالرؤوس الضخمة المثقلة بالأفكار أو المحاصرة بخطوط عشوائية توحي بالتشوش الذهني، بينما يجسد توزيع الكتل البشرية وازدحامها دون تواصل بصري حالة من “العزلة الجماعية” والانتظار الأبدي. وتكتسب الألوان في أعماله دلالات درامية محورياً؛ فبينما يسيطر البياض والرمادي كفضاءات “عدمية”، تقتحم بقع الأحمر والأزرق السطح كصرخات احتجاجية ونبض حياة يقاوم التلاشي. إن استخدام كلمات تعبيرية كشظايا لغوية مبتورة يشير إلى قصص النزوح غير المكتملة، ويمنح الألم شكلاً مادياً ملموساً يتجاوز حدود الرسم التقليدي.

إن فن كريم سعدون في هذه المجموعة هو تسجيل لموقف أخلاقي وإنساني ينحاز للمهمشين، حيث يغدو الجسد مسرحاً للاحتجاج ومساحة لمحاكمة الذاكرة والمنفى، ليثبت في النهاية أن الإنسان –رغم كل محاولات المحو والتحويل إلى مجرد بيانات– يظل أثراً حياً لا يمكن طمسه بالكامل.

وأعترف، من هذا الموقع، أن هذا التحديق لا يتيح حرية تأويل مريحة، بل يفرض ما يشبه الإكراه الأخلاقي؛ فالنظر ذاته يتحول إلى فعل مساءلة، وإلى اختبار للضمير الجمالي الذي طالما سعى، كما حذّر أدورنو، إلى المصالحة السريعة مع ما لا يمكن التصالح معه. بهذا المعنى، لا تكتفي أعمال كريم سعدون بتمثيل المأساة أو أرشفتها، بل تُبقي الجرح مفتوحًا، وتصرّ على أن وظيفة الفن، في زمن الخراب، ليست التخفيف من وطأته، بل منع تحوّله إلى مشهد مألوف.

في أعمال كريم سعدون، لا يظهر الجسد كصورة يمكن الاكتفاء بتأملها، بل كحضور إنساني يضعنا أمام هشاشتنا المشتركة. هذه الأجساد لا تسرد حكايات مكتملة، ولا تطلب تعاطفًا مباشرًا، بل تترك أثرًا يشبه الندبة؛ أثرًا يذكّر بأن ما مرّ على الإنسان لا يختفي بمجرد مرور الزمن. فاللوحة هنا لا تحاول تهدئة الألم أو تحويله إلى مشهد جمالي مطمئن، بل تُبقيه قريبًا من نبض الحياة، حاضرًا في تفاصيل اللون والخط والملمس، كذاكرة لا تريد أن تُنسى.

إن تجربة سعدون لا تدفعنا إلى مشاهدة المأساة من مسافة آمنة، بل تقرّبنا منها ببطء، وتجعل النظر نفسه فعل مشاركة وجدانية ومسؤولية إنسانية. فهذه الوجوه، التي تبدو بلا أسماء واضحة، تذكّرنا بأن المعاناة ليست قصة فرد واحد، بل تجربة يمكن أن تطال أي إنسان حين يفقد مكانه أو صوته أو تاريخه. وهنا، يصبح الجسد لغة صامتة، لكنه قادر على قول ما تعجز الكلمات عن حمله، لغة تترك للقارئ أو المشاهد مساحة للتأمل في معنى أن يكون الإنسان قابلًا للكسر، لكنه يظل قادرًا على البقاء.

ضمن هذا الأفق، لا يقدّم هذا الفن عزاءً سهلًا ولا وعدًا بالخلاص، لكنه يمنح شيئًا أكثر صدقًا: يذكّرنا بأن الذاكرة، مهما كانت مؤلمة، هي جزء من إنسانيتنا، وأن النظر إلى آثار الألم قد يكون شكلًا من أشكال الاعتراف بالآخر وبحقه في أن يُرى ويُتذكَّر. وهكذا، تتحول أعمال كريم سعدون إلى مساحة إنسانية مشتركة، حيث لا يصبح الفن مجرد تعبير جمالي، بل محاولة هادئة للدفاع عن قيمة الإنسان، حتى في أكثر لحظاته هشاشة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى