تشكيل

أكرم ناجي… شاعر الخزف العراقي

 رحيم يوسف

بينما تسقط الكثير من العروض الخزفية في فخ التسطيح والتكرار، تبقى التجارب الراسخة التي تدور في آفاق التجديد والحداثة، أدائياً وأسلوبياً، لتقف في مصاف التجارب العالمية في هذا الفن الصعب، لأسباب كثيرة يعرفها الجميع. من هنا، فإن أي تجربة جديدة ومتميزة تُطرح للتلقي تمثل إضافة نوعية وجمالية للوسط التشكيلي العراقي، وتمثل علامة فارقة فيه، ودلالة على عافية هذا الفن الذي امتلك مميزات تفوقه وصولاً باتجاه العالمية. ونحن هنا نتحدث عن التجارب التي يتم عرضها في الداخل العراقي، بعيداً عما يتم الحديث عنه من مقارنات بين فنون الداخل والخارج العراقي.

وإذا كان ثمة هرم افتراضي لواقع الخزف العراقي المعاصر، فإن الفنان الكبير أكرم ناجي يقف على موقع القمة منه. و تجربته تتميز بالدقة والجدية التي يعمد إليها في التعامل مع تكويناته المحملة بالجمال الفني، والتي يبثها في تجاربه التي يطرحها للمتلقي، لا سيما أنه من الأسماء القليلة التي تركت بصمتها في عالم التشكيل العراقي المعاصر، بحضورها النوعي الذي أُشير إليه في فن الخزف. وهو من المؤسسين الدائبين على تجاربهم الفنية منذ زمن ليس بالقصير، وفرض حضوره النوعي في الأوساط العراقية والعربية.

أكرم، المولود في بغداد عام 1945، والحاصل على درجة البكالوريوس في فن الخزف عبر تخرجه من كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد عام 1973، أكد حضوره في الوسط التشكيلي منذ تخرجه، و شارك في عدد كبير من المعارض المشتركة، بالإضافة إلى معارضه الفردية التي يعرض آخر ابتكاراته اللونية.

وأخبرني مرة بأنه لا يعمد إلى إقامة معرض دون أن يكون قد ابتكر لوناً أو مجموعة من الألوان المبتكرة كلياً، وهذا ما يتضح في معارضه الشخصية. وبإمكاننا القول أنه من القلائل الذين تجرأوا على العرض مع أساتذته في المعارض الجماعية، وأثبت حضوره بين هؤلاء. وسبق أن حصل على جائزة الدولة رغم الكثير من الاعتراضات على ذلك، ونفذ العديد من الجداريات التي ستبقى ماثلة على مر الزمن باعتبارها تشكل جزءاً من الإرث الفني العراقي المعاصر، وما زال يواظب على العمل في مشروعه الفني الجمالي في محترفه الخاص، بدافع شغفه وعشقه للفن، على الرغم من تقاعده الوظيفي منذ سنوات ليست بالقصيرة.

ثمة وشائج بين الشعر واللون، سواء أكانت تلك الوشائج ظاهرة أم خفية، لنستطيع تلمس الشعر باللون، والعكس صحيح، وذلك لاعتبارهما لغة متبادلة تمتلك سطوتها على المبدع في الحالتين معاً. لكن المبدع، وبإمكاناته الأدائية التي تستند إلى سعة الخيال، يتمكن من تطويعها عبر اشتغالاته، وبإمكاننا أن نعدهما عنصرين حاسمين في عملية التكوين التي يبثها الفنان، واللغة التي يبثها الشاعر، لنستطيع في المحصلة النهائية الإمساك باللون من خلال الشعر، وبالعكس. لعل هذا كان انطباعي الأول وأنا أتأمل «تكوينات» أكرم ناجي المعروضة على قاعة «أيقون» في شارع حيفا ببغداد، ولربما لا آتي بجديد حين أقول ابتداءً بأن أكرم ناجي هو ساحر اللون ومبتكره الأبهر في الخزف العراقي المعاصر. من هنا، فإن الأعمال المعروضة امتلكت فرادة المعالجات اللونية، مضافاً لها سطوة الشعر، في توليفة لا يمكن الإمساك بها إلا عبر تأمل دقيق يساهم في تفكيك شفراتها الجمالية اللافتة.

دائماً ما تحيلنا تكوينات الفنان باتجاه القبض على ما وراء الشكل التكويني المطروح للتلقي، لأنها أعمال ليست مكتفية بوجودها الشكلي إطلاقاً. هذه الإحالة تجعلنا نغوص في المزيد من القيم الجمالية التي أخفيت بمهارته المعهودة، من الرمزيات المبثوثة التي تحيل لها إشارات قد تكون بسيطة لكنها ذات دلالات يمكن تلمسها عبر التأمل، والتي قد تكون انعطافات تكوينية أو كلمات أو مجموعة من الحروف المنفردة… إلخ، وهي تشكل إضافات ابتكارية يعمل عليها بدقة شديدة، ولذا فهي بحاجة إلى ذات الدقة أثناء عملية التلقي، وهذا ما لاحظته شخصياً عبر أكثر من تجربة عرضها الفنان للتلقي.

ناجي، الذي جاءت أعماله لتشكل جسراً بين ضفتين تمتلكان تميزهما كما هو معروف، وهما إرث حضاري بقي حضوره مستمر التأثير تاريخياً، وحاضر يعج بعدد كبير من التجارب الخزفية المهمة، مع التنويه بأن الضفتين لم تكونا منفصلتين بالمعنى الحرفي للكلمة، وبذلك فإن عمله يشكل امتداداً للعمق الحضاري الذي يشكل إرثاً له، وهو امتداد مدهش لذلك العمق الجمالي الذي أنتجته الحضارات المتعاقبة في وادي الرافدين. فهو يتعامل مع الطين لا باعتباره مادة الخلق الأولى فحسب، بل باعتباره وسيطاً حياً وحاملاً لأفكاره الجمالية التي يبثها بشغفه المتواصل به، فجاءت تكويناته وكأنها مخلوقات حية تتنفس وتتحاور فيما بينها عبر تجاورات مدروسة، وبدت وكأنها تحاور الآخر بلغة جمالية صامتة، لكنها شديدة التعبير.

أكرم ناجي، الذي عمد إلى عرض مجموعة من التكوينات الخزفية في مجاميع تتناغم فيما بينها على صعيدي الشكل واللون، غير أنها تمتلك إمكانيات جمالية واضحة لو تم عرضها بشكل منفرد، وتلك ميزة لافتة لا يمكن الإتيان بها إلا من خلال دربة طويلة وعمل متواصل على التجربة التي امتلكت أسرار تفوقها في الوسط التشكيلي العراقي المعاصر، وذلك مؤشر معروف لديه منذ تخرجه من أكاديمية الفنون الجميلة عام 1973 وحتى يومنا هذا، سواء من خلال سيل المعارض الفردية التي أقامها داخل العراق وخارجه، أو في المعارض الجماعية التي أقيمت وشهدت له بكونه رقماً صعباً في الخزف العراقي المعاصر.

ينصب عمل الخزاف ابتداءً على تجاوز القيم النفعية للخزف، وإن وجدت بدرجة أو بأخرى في المحصلة النهائية، وهذا أمر مفروغ منه، غير أن النفعية لم تكن هي المرتكز الأساسي لعمله، ولذلك فإن ما يعمل عليه قد لا يشكل إغراءً في عملية الاقتناء التي تشكل معيناً لا بد منه في عمل الخزاف مهما كانت إمكانياته المادية. ونحن إذن أمام التجربة الجمالية، قبل كل شيء، والتي جاءت محملة بلغة تضج بأبعاد رمزية وشعرية كما نوهنا، وهي بمعظمها تشكل مجموعة من القطع الخزفية التي تتآلف فيما بينها مشكلة وحدة ذات أبعاد جمالية واضحة، مع أن تلك القطع تمتلك استقلاليتها على صعيدي الشكل والموضوع كما أشرت.

ومع عدم انتظام الحواف واختلاف مواقع القطع التي تم ترتيبها بذكاء عبر آلية عرض مدروسة، إلا أن البناء العام للأعمال، إضافة إلى آلية العرض، منحها نوعاً من الاستقرار الذي ينعكس نفسياً على المتلقي، التي هي من أولى أولويات وقصديات العرض التي يعمد إليها الفنان، لتبدو بعضها وكأنها تحمل تراكمات زمنية تمتد في عمق التاريخ، وهو ما عنيناه بكون التجربة تشكل جسراً… إلخ. كما أن الفواصل أو الفراغات الموجودة بين القطع لم تكن سوى نوع من الوشائج التي تربط بينها، ولم تكن فراغات بالمعنى الحرفي للكلمة، مع أنها تبدو كذلك عند النظر إليها، وهي بذلك تشارك في البناء العام للتكوينات المبثوثة التي اختلفت عددياً من تكوين لآخر، وذلك خاضع لرؤية الفنان. كما امتلكت المعالجات اللونية قدرتها على المغايرة، سواء من خلال أحادية اللون وتدرجاته، أو من خلال التنويعات داخل تلك الكتل لتشكل إضافات جمالية يعمد إليها.

بقي أن نقول أن العروض التشكيلية يجب أن تخضع في عرضها لآليات تختلف من معرض لآخر، لأن تلك الآليات تساهم في إبراز القيم الجمالية في الأعمال المشاركة،  فضلاً عن أن آلية العرض غير المدروسة قد تؤدي إلى طمس العديد من معالم الجمال إذا لم يتم عرضها وفق آليات منضبطة. كما لا يفوتنا أن نذكر أن طريقة العرض  ساهمت في إبراز اللوحات المشاركة بشكل أكثر وضوحاً، وهذه تُحسب لخبرات الصديق الفنان سمير ميرزا، مدير قاعة “أيقون” التي احتضنت أعمال المعرض.

كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى