نبض الشارع

عن عائلة ابتلعها الظلام!

عبد الكريم البليخ

بعد ثلاثة عشر عاماً من الغياب القسري، لم يعد خبر عائلة الدكتورة رانيا العباسي مجرّد تفصيلٍ عابر في سجلّ طويل من الفقد السوري، ولا واقعة يمكن أن تُدرج في هامش الأخبار ثم تمضي كما تمضي الحوادث اليومية. لقد تحوّل هذا الغياب إلى وجعٍ مكثّف يختصر مأساة بلدٍ بأكمله، ويعيد إلى الذاكرة سؤالاً ثقيلاً ظلّ معلّقاً فوق قلوب آلاف العائلات: أين ذهب الذين ابتلعتهم المعتقلات؟ من يملك القدرة على إعادة الأبناء إلى أمهاتهم، أو الأسماء إلى أصحابها؟

إنّ مأساة رانيا العباسي وأطفالها ليست مجرد حكاية عائلة اختفت في زمن القهر، بل هي واحدة من أكثر الصور إيلاماً في الذاكرة السورية الحديثة. عائلة كاملة اقتُلعت من بيتها، أمّ وأطفال وزوج، كأنّ الحياة كلها أُطفئت في لحظة واحدة. لم يكن الأمر اعتقالاً لفردٍ أو تغييباً لشخصٍ واحد، بل محواً منظّماً لمعنى الأسرة، واعتداءً مباشراً على أكثر ما في الإنسان هشاشة ودفئاً: البيت، الطفولة، الأمان، والحق في الحياة.

لقد أعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين، وفق ما ورد في بيانها، توصلها إلى نتائج موثوقة ومتقاطعة تسمح بالاستنتاج بدرجة عالية من اليقين المهني بوفاة أطفال الدكتورة رانيا العباسي. لم يكن الإعلان عادياً، ولا يمكن لأي قلب أن يتلقّاه كخبرٍ بارد. فحين يتعلّق الأمر بأطفالٍ اختفوا في ظلام القهر، وبأمٍّ خُطفت من منزلها مع صغارها، فإنّ اللغة نفسها تتراجع، وتفقد الكلمات شيئاً من قدرتها على الاحتمال. يصبح الخبر أشبه بسكينٍ باردة تعبر القلب من جديد، وتعيد فتح جرحٍ لم يلتئم أصلاً.

إنّ معرفة المصير، مهما كانت موجعة، تظلّ أقلّ قسوة من المجهول. فالمجهول لا ينهي الحزن، بل يجعله مفتوحاً كل يوم على احتمال جديد. في كل بابٍ يُطرق، وفي كل صورةٍ عابرة، وفي كل خبرٍ يتسرّب، تولد لدى العائلات المكلومة إمكانية مؤلمة: لعلّهم أحياء، لعلّهم في مكان ما، لعلّ اسماً تغيّر، أو وجهاً كبر بعيداً عن أهله. هكذا يتحوّل الانتظار إلى عذابٍ يومي، لا يمنح صاحبه حق البكاء الكامل، ولا حق السكينة الكاملة.

تعود الحكاية إلى آذار عام 2013، حين اعتُقلت الدكتورة رانيا العباسي على يد أجهزة أمن النظام السابق، إلى جانب أطفالها الستة: ديما، انتصار، نجاح، آلاء، أحمد، وليان التي كانت رضيعة. وكان زوجها عبد الرحمن الياسين قد اعتُقل قبلها من منزل العائلة في مشروع دمّر بدمشق. ومنذ تلك اللحظة، دخلت العائلة في نفقٍ طويل من الاختفاء، كأنّ بيتاً كاملاً أُغلق عليه باب العتمة، ولم يبقَ منه سوى أسماء تتردد على ألسنة الأحبة، وصور تتشبث بها الذاكرة، وأسئلة تتوارثها الأيام.

وفي موازاة هذا الألم، برزت مطالبات حسان العباسي، شقيق الطبيبة رانيا، لمنظمة «قرى الأطفال – SOS» بالكشف عن اسم فتاة ظهرت في إعلان للمنظمة، ويعتقد أنها قد تكون ابنة أخته. هذه المطالبة لا يمكن فصلها عن سياقٍ أوسع وأكثر رعباً، يتصل بمصير أطفال المعتقلين والمغيّبين قسراً، وبالخشية من تغيير الهويات، وطمس الأنساب، وتحويل الأطفال إلى كائنات بلا ذاكرة رسمية. فالمأساة هنا لا تقف عند خطف الأجساد، بل تمتد إلى خطف الاسم، والوجه، والانتماء، والسلالة العائلية.

إنّ الطفل حين يُنتزع من حضن عائلته لا يفقد مكاناً فقط، بل يفقد جذره الأول. يفقد الحكاية التي تقول له من هو، والصوت الذي يناديه باسمه، واليد التي تربت على كتفه حين يخاف. لذلك فإنّ كل طفلٍ اختفى أو غُيّر اسمه أو حُرم من معرفة أهله هو جريمة كاملة بحق الذاكرة، لا بحق العائلة وحدها. فالطفولة ليست رقماً في ملف، ولا حالة في سجلّ إداري، بل كرامة إنسانية لا يجوز أن تُمحى تحت أي ذريعة.

إنّ مأساة رانيا العباسي ليست وحيدة، وإن بدت في قسوتها استثنائية. إنها مرآة لملف سوري فادح التعقيد، تتقاطع فيه المعتقلات مع دور الرعاية، والخوف مع الصمت، والسلطة مع محاولات طمس الحقيقة. خلف هذه الحكاية تقف مئات العائلات التي ما زالت تبحث عن أبنائها، وتفتش في الوجوه، وفي الأسماء، وفي الذاكرة الممزقة، عن خيطٍ يقودها إلى الحقيقة.

إنّ الكشف عن مصير أطفال رانيا العباسي، مهما بدا متأخراً وموجعاً، يفتح الباب أمام سؤال العدالة في معناها الأعمق. فالعدالة لا تنتهي بإعلان الوفاة، ولا تكتمل بمجرد معرفة المصير، بل تبدأ من هناك: من حق العائلة في الحقيقة، ومن حق الضحايا في الكرامة، ومن حق المجتمع في معرفة ما جرى، ومن واجب المؤسسات أن تلاحق الخيوط حتى نهايتها.

رحم الله الأطفال الذين غابوا قبل أن تكتمل أعمارهم، ورحم كل من ابتلعته العتمة السورية الطويلة. أما الباقون، من عائلات المفقودين وذوي الضحايا، فلا يطلبون المستحيل؛ إنهم يريدون فقط أن يعرفوا. يريدون قبراً يدلّهم على الغياب، واسماً يردّ إليهم بعض السكينة، وحقيقة تضع حداً لهذا النزيف الطويل.

ففي بلادٍ أنهكها الفقد، لا شيء أقسى من الانتظار، ولا شيء أنبل من البحث عن الحقيقة، ولا شيء أوجب من أن تبقى كرامة الضحايا فوق كل اعتبار.

كاتب وصحافي سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى