سير

رجاء النقّاش … طوق نجاة للمبدعين

  عبد الكريم البليخ

لم يكن رجاء النقّاش ناقداً عابراً في تاريخ الأدب العربي، ولا اسماً يمرّ في الهامش بين دفّتي كتاب أو في حاشية سيرة، بل كان حالة إنسانية وفكرية نادرة، تجسّدت في شخصٍ عاش الكتابة كما يُعاش المصير، ومارس النقد كما يُمارس الحبّ، وواجه العالم بأسئلته الكبرى كما يواجه العارف قدره: بصمتٍ نبيل، وبحزنٍ شفيف، وبإيمانٍ عميق بأن العدالة والجمال لا يموتان مهما اشتدّ طغيان القسوة.

كان النقّاش، في حياته كما في كتابته، منشغلاً بذلك السؤال الأزلي: كيف يمكن للإنسان أن يكون سعيداً في عالمٍ مختلّ الميزان، حيث تتراكم القوة في يد القلّة، وتتوزّع الهشاشة على وجوه الضعفاء؟ كيف يمكن للروح أن تحافظ على صفائها وسط هذا الضجيج من الظلم والتفاوت؟ ولو أن أحداً التفت إلى تدوين كلماته العابرة، وهمساته اليومية، وتعليقاته التي كان يطلقها في لحظات التأمل، لخرج بكنزٍ من الحكمة الممزوجة بألمٍ نبيل، وبوعيٍ يرى الخلل في بنية العالم، دون أن يستسلم له.

كانت صحبته متعة فكرية وإنسانية نادرة. لم يكن يجالس الآخرين من علٍ، ولا يتحدّث من برجٍ نقديّ مغلق، بل كان يجلس إلى جوارك كما يجلس صديق قديم، يفتح قلبه قبل عقله، ويمنحك شعوراً خفياً بأنك مهمّ، وبأن صوتك يستحق أن يُسمع. كان الحوار معه رحلة داخل الذات، ومساحة آمنة للبوح، ومختبراً للأسئلة الكبرى.

أما مدرسته النقدية، فلم تُبنَ على التعالي ولا على المصطلحات المتحجّرة، بل على المحبّة والفَهم والإنصات العميق للنص. كان يرى أن النقد الحقيقي ليس تفكيكاً بارداً، ولا استعراضاً لغوياً، ولا متاهة من الرموز المعقّدة، بل فعل إضاءة، وكشف، ومرافقة للنص في رحلته نحو القارئ. كان ينفُر من تحويل النقد إلى ألغاز تُقصي المبدع والمتلقي معاً، ويؤمن بأن الناقد خُلِق ليقرّب، لا ليعقّد، وليفتح الأبواب لا ليغلقها.

قرأ الأعمال بروح عاشق، لا بروح قاضٍ. كان يبحث دائماً عن النبض الإنساني المختبئ بين السطور، عن الألم الصامت، عن الرجفة الخفية، عن السؤال المؤجل، عن الحلم الكسير. وحين يعثر عليها، كان يسلّط الضوء عليها برفق، كمن يزيح الغبار عن كنزٍ لا يريد أن يؤذيه.

وأدخل رجاء النقّاش إلى الأدب العربي شكلاً خاصاً من السيرة، مزج فيه بين مسار الحياة ومسار الفكر، بين التجربة الشخصية والتحليل الثقافي، بين الذاكرة والنص. لم تكن سيره مجرّد توثيقٍ لحيوات الكتّاب، بل كانت إعادة خلق لهم في ضوء إنسانيتهم، وأحلامهم، وانكساراتهم. كتب عنهم كما لو كان يكتب عن نفسه، وعن أسئلته، وعن مصيره.

لم يكن النقد عنده مهنة، بل رسالة. ولم يكن المبدع موضوع دراسة، بل شريك رحلة. لذلك تحوّلت علاقته بالمبدعين إلى علاقة حبّ حقيقي، لا يشوبها استعلاء ولا وصاية. لم يكن ناقداً يقف فوق المنصّة، بل رفيق درب يسير إلى جانبهم، يشجّع، ويحمي، ويدافع، ويؤمن.

كان بحقّ “طوق نجاة” في زمنٍ قاسٍ على المواهب. حين كانت الأصوات الجديدة تتعثّر في بداياتها، كان هو اليد التي تمتدّ إليها، والقلب الذي يصدقها، والعقل الذي يمنحها الثقة. كان يرى في كل موهبة مشروع حياة، لا مجرّد نص عابر.

يكفي أن نستعيد دوره في اكتشاف محمود درويش، حين كان صوتاً فلسطينياً ناشئاً يبحث عن نافذة. أو تقديمه المبكر للطيّب صالح، حين لم يكن العالم قد أدرك بعد عمق ذلك الصوت السوداني القادم من الهامش. أو دفاعه عن ناهد طه عبد البر، التي انطفأت مبكراً، قبل أن تنال ما تستحق من حضور. وغيرهم كثيرون، حملهم النقّاش على كتفيه المعنويتين، ورافق صعودهم بإخلاص نادر.

كان يشعر بسعادة حقيقية حين ينجح الآخرون. لم يعرف الغيرة، ولا الحسابات الضيّقة. نجاح المبدع عنده كان انتصاراً للجمال، وانتصار الجمال هو انتصاره الشخصي.

آمن بأن النقد إبداع مضاعف، لأنه لا يكتفي بتحليل النص، بل يعيد خلقه في وعي القارئ. الناقد الحقيقي، في نظره، هو من يستطيع أن يُغوي القارئ بالفكرة، وأن يفتح أمامه نوافذ جديدة للفهم، وأن يقنعه بأن في النص ما يستحق التأمل الطويل. وهذا لا يتحقق إلا إذا كان الناقد نفسه مبدعاً.

وقف رجاء النقّاش بإجلال أمام النماذج الإنسانية الكبرى في الثقافة. انحنى أمام طه حسين، ذلك الطفل الضرير الفقير الذي صنع من العتمة نوراً. واحترم العقاد، الذي صنع من الحرمان جبلاً من الإرادة. وتأمل مأساة عبد الحميد الديب، الشاعر الموهوب الذي سحقته الحياة. وتأثر بتولستوي، الذي جمع بين العبقرية والألم الوجودي العميق.

كان يرى في كل سيرة إنسانية درساً، وفي كل تجربة مرآةً للروح البشرية.

رجاء النقّاش خُلق ليحبّ ويكتب. ليحمي المعنى من التلاشي. لينتصر للعدل في عالمٍ يميل للظلم، وللجمال في زمن القبح، وللحرية في زمن القمع. كان يؤمن أن الحبّ هو مفتاح المعرفة، وأن من لا يحبّ لا يفهم، ومن لا يفهم لا يبدع.

لهذا بقي حضوره حيّاً، رغم الغياب. بقي كصوتٍ دافئ في ذاكرة الثقافة العربية، وكضميرٍ نقيّ في زمن الارتباك، وكدليلٍ على أن النقد يمكن أن يكون إنسانياً، وأن الفكر يمكن أن يكون رحيماً، وأن العظمة الحقيقية لا تصرخ، بل تضيء بصمت.

كاتب وصحاقي سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى