رواية “موعد مع الشمس”.. هجرة العقول ونهب الكفاءات
رشيد محمد الحميد

نالت رواية «موعد مع الشمس» للأديب الرقّي محمد أحمد الطاهر جائزة «حنا مينا» لعام ٢٠٢١م، وقد كانت في ٢٣٥ صفحة من القطع المتوسط، ومن إصدار وزارة الثقافة/ الهيئة العامة السورية للكتاب.
بطل الرواية جرجس الذيب، ابن حي باب توما بدمشق، والوحيد لوالديه، طالب علوم الكيمياء بجامعة دمشق، المولَّه بحب أماني، الفتاة الدمشقية الجميلة. يُحلّق بها بكلمات الشعر والغزل على أجنحة الحب كلما التقى بها في منزل صديقه وابن خالته بطرس، ابن مدينة السويداء/ طالب الآثار بجامعة دمشق/ ذي الميول الشيوعية، ومصدر القلق لوالد جرجس مخافة التأثّر بأفكار ابن خالته التي لا يأتي منها سوى وجع الرأس.
يتخرج جرجس من الجامعة، وبدل أن يبحث عن وظيفة أو عمل في دمشق، يقرّر السفر بحثاً عن ذاته المفقودة: / سأسافر يا أماني إلى بيروت. أحاول البحث عن ذاتي المفقودة في تلك البلاد، ص. ١٣/. في بيروت الغربية يحلُّ ضيفاً على عمّه طوني، الذي لم يكرمه الله بنعمة الإنجاب، ولكن أكرمه بجمال الروح وطيب المعشر. وقد تولّته زوجة عمه نادين عوض، سليلة الأسرة البيروتية العريقة، بالرعاية والاهتمام، ورغبت في أن يقيم جرجس عندهما ويعتبراه ولدهما. ولكن طموح جرجس إلى السفر يتعدى بيروت إلى أوروبا. وبعد لأيٍ، يوافق عمّه طوني على مساعدته، ويلبي له رغبته في السفر، ويؤمّن له مقعداً على السفينة “لافينوس” المملوكة لصديقه اليوناني الأصل/ القبطان جوس/. كانت أوروبا هذه نيّته منذ البداية، ص. ٢٤/. ويبحر جرجس مع القبطان جوس على السفينة فينوس نحو هولندا، ويدفع عنه عمه طوني نفقات السفر، ويعطيه بطاقة توصية وهاتف صديقه اللبناني فيليب مطانوس، ويزوده بمبلغ من المال موصياً إيّاه: /كُن حذراً، لا تُبِحْ بسرّك لأحد، وهذا المبلغ أخفِه في جيب سروالك الداخلي مع جواز سفرك البحري، ص. ٢٦/.
وفي مدينة روتردام الهولندية، يلتقي جرجس بفيليب مطانوس، الذي يقيم في هولندا منذ ثلاثين عاماً، ويحمل جنسيتها، ولديه شركةٌ للاستيراد والتصدير. يقيم في مدينة أمستردام مع ابنته الوحيدة بربارة، التي تدرس هندسة مدارج الطيران، بعد انفصاله عن زوجته منذ سبع سنوات.
كانت بربارة خارجةً من قصة حب فاشلة مع شاب هولندي، وقد وجدت في جرجس زوج المستقبل واليد اليمنى لوالدها في العمل: /لن تتفاجأ إذا طلب منك والدي الارتباط بي، وأن تكون ذراعه اليمنى في العمل، ص. ٤١/. ولكن جرجس يتملص منها بعد قبوله في جامعة ميونيخ بألمانيا، ويرحل فجراً بالقطار، تاركاً رسالة شكر للعم فيليب وابنته بربارة على ضيافتهما، واعداً إياهما بزيارة قريبة، ص. ٤٣/.
وبمساعدة المهندس السوري أبو علي الديري، صاحب مركز التعاملات المالية وتحويل الأموال، وزوجته الأردنية السيدة ابتهال، التي تحضّر الدكتوراه في هندسة الحاسوب، يتم تسجيله في جامعة ميونيخ، ويكون اللقاء الأول مع السيدة بوفاري، مندوبة الجامعة، التي تسلّمه مكان إقامته، وتستكمل له أوراق التسجيل وبطاقة الائتمان. ويتعرّف في الجامعة إلى صديقه محمد الأشقر، من مدينة حماة، الملتزم دينياً، ويشاركان معاً في تقديم بحث متقدم في العلوم البيولوجية، يفتح الباب لإيجاد لقاحات ضد الكثير من الأمراض، ويحصلان على درجة الدكتوراه من خلاله.

الروائي محمد أحمد الطاهر
ويكون جرجس، خلال هذه الفترة، قد تعمقت وتوثقت علاقته مع طالبته وحبيبته التونسية نزيهة، ذات البشرة الحنطية، والقامة المعتدلة، والشعر الأسود، والثقافة الواسعة، والرومانسية الجميلة: /أذهلته بثقافتها الواسعة وأنوثتها الصاخبة، ص. ٥٥/. وعندما يودّع جرجس حبيبته نزيهة، لأنه مسافر للعمل في جامعة هارفارد الأمريكية، تهمس نزيهة في أذنه بغبطة وفرح أنه زرع في أحشائها جنيناً: /هات يدك يا حبيبي، هنا يرقد ابنك، ص. ٥٨/.
في جامعة هارفارد، يتعرّف إلى الآنسة ماغي، مساعدة الدكتورة صوفيا التي صدّرت له كتاب الموافقة، والتي رافقته إلى السكن المخصص له من قبل الجامعة. وفي مكتب الآنسة جاكلين، رئيسة القسم، يتعرّف جرجس إلى طبيعة عمله مع باحثين من تونس والعراق وباكستان، في بناء خارج المدينة، معزّز بحماية أمنية، لا يُسمح بالخروج منه إلا يومين في نهاية كل شهر.
وبعد عدّة أبحاث، يصبح الدكتور جرجس بروفيسوراً، ويتزوج من الدكتورة صوفيا، التي تصبح رئيسةً لقسم الأبحاث، ويتم اختيار جرجس، بترشيح من زوجته، لمهمةٍ سرية تلبيةً لمطالب الجيش الأمريكي في أفغانستان. وعندما يعود جرجس من أفغانستان سريعاً لعيادة زوجته المريضة، تتوفى قبل وصوله بساعات: / فيشعر جرجس بضيق يكاد يخنقه في هذا البيت الذي كان عالقاً بذكريات صوفيا، ص. ٧٧/.
فيقرر السفر إلى دمشق لزيارة أهله، وفي مطار نابولي الإيطالي يلتقي جرجس بصديقه محمد الأشقر، وكلاهما عائد إلى وطنه: / قررت العودة إلى بلادنا، فهي أحق بإنجازاتنا. أليس كذلك يا أشقر؟، ص. ٨٨/.
وفي مطار بيروت، كانت تولين، ابنة عمّه طوني، التي أنجبها بالرحم المستعار، بانتظاره. وعندما يصل إلى بيت عمه طوني، تخاطبه زوجة عمه: /لقد كبرت كثيراً يا جرجس، ص. ٩٥/. وقد حاولت ابنة عمه تولين إغراءه بالبقاء في بيروت، ووجدت فيه عريس المستقبل: /كانت ترتعش وهي تقول له: أنت حلمي الذي أريد، ص. ١٠٥/.
وعندما يعود إلى دمشق عن طريق بيروت، يتم توقيفه عند أول حاجز للأمن السوري؛ لأنه لم يؤدِّ خدمة العلم. وعندما يخبرهم أنه معفى لأنه وحيد لأمه: /عفواً، سيادة النقيب، أنا معفى من الخدمة العسكرية، ووحيد لوالدي، ص. ١١٣/.
ويخرج جرجس صباح اليوم التالي، بعد نشر قنوات المعارضة الخبر، وسماع الوزير به، واتصاله بإدارة الحواجز، حيث نال النقيب سيلاً من الشتائم من قادته لتوقيفه عالماً سورياً يحمل الجنسية الأمريكية.
ولا يهنأ جرجس بلقاء أهله في دمشق، فيتم اعتقاله بعد عدة أيام من قبل رجلين ملتحيين يرتديان زيّاً عسكرياً: /نأسف لإزعاجك في هذا الوقت المتأخر، المعلم يريدك لأمر مهم، وسوف نقوم بإعادتك فوراً، ص. ١٢٥/. ويخبران سيدهما، بالإشارة المتفق عليها، /بأن صقر الجزيرة قد أصبح في العش، ص. ١٢٧/.
وقد تبيّن له أن من اعتقلوه يريدون منه التعاون لصنع سلاح من ضمن اختصاصه العلمي: / ما يهمنا اختصاصك في مجال البيولوجيا والكيمياء، ص. ١٣١/. وفي المختبر الخاص بالعمل، يُفاجأ جرجس بوجود صديقه محمد الأشقر.
وعندما تتم محاصرة المكان الذي يعمل فيه جرجس وصديقه من قبل دبابات الجيش، بعد اكتشافه عن طريق الأقمار الصناعية للدول الحليفة، يتم نقلهما على وجه السرعة إلى شمال البلاد، ولكن رشوة الدورية عطفت بهما إلى الشرق، حيث الرّقة/ عاصمة دولة الخلافة/.
وفيما كان الأشقر غارقاً في ملكوت الابتهال والأدعية، يكتشف جرجس أن أبا عزيزة التونسي، الذي يحقق معهما، هو ابنه من حبيبته وطالبته نزيهة التونسية: /أنا ذيب جرجس الذيب، والدتي نزيهة، طالبتك في جامعة ميونيخ. ألا أستحق أن تعانقني يا أبي؟، ص. ١٦٦/.
ويقوم ابنه ذيب بنقله مع صديقه الأشقر إلى الضفة اليمنى للفرات، وبمساعدة الشيخ ظاهر وأولاده يتم ترحيلهما في تريلا جرّار بين الأغنام حتى آخر حاجز: /تريلا فيها أكثر من خمسين نعجةً، تخفّوا بين أرجلها، ص. ١٧٦/، ليصلا إلى دمشق في اليوم نفسه، ويكون وصوله مادة إخبارية دسمة تتسابق قنوات الإعلام في بثها، ص. ١٨٣/.
وقد نال ما حصل لجرجس من تفكيره وأعصابه، وقد ضبطته أمه يهذي لنفسه، فنبهته قائلةً: /خير يا ولدي، كنت تتحدث بكلمات مبهمة مع نفسك، ص. ١٨٥/. وتحاول أمه تزويجه من المهندسة المعمارية مارلين، ابنة خاله جوزيف، التي نالت جائزة أفضل تصميم في الهندسة المعمارية لشركة سيارات إيطالية، وتصميم منشأة رياضية عملاقة في الخليج.
ويلتقي جرجس مرةً أخرى بحبيبته أماني، التي تزوجت بعده، وتعرض زوجها لحادث سير، وأصبح مقعداً في البيت، وأصبحت هي المعيلة لأسرتها، فافتتحت محلاً لبيع الألبسة النسائية في الحي الذي تسكنه.
وعندما رتّلت الكنائس لحن وداع أم جرجس، توشحت حياته بالسواد، وكأنه وقّع مع القدر عقداً بالحزن والألم، ليكون اللقاء الأخير لجرجس مع حبيبته السابقة أماني في مكتب المحامي أنس الظاهر، ابن الشيخ الذي ساهم، مع أولاده، في تهريبهما في تريلا الأغنام حتى آخر حاجز للجماعات المسلحة.
وبعد وفاة والدته، يقرر جرجس العودة إلى أمريكا، ويرحل إلى بيروت، ويرتب الأمر مع السفارة الأمريكية، ويحلّ ضيفاً في بيت عمه طوني مرة أخرى، وتأتيه زوجة عمّه وابنة عمّه. وأثناء مراجعته للسفارة الأمريكية، يضعون له مخدراً في فنجان القهوة، وعندما يفيق من غفوته تكون الطائرة تمخر به عباب الجو نحو الولايات المتحدة الأمريكية: /اهدأ يا بروفيسور جرجس، ولا تقلق، نحن الآن في طريقنا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ص. ٢٢٠/.
ليعود مجدداً للعمل في مختبرات جامعة هارفارد، ويهمس في أذنه كبير الخبراء الأمريكيين: /عليك أن تدرك، يا جرجس، أن مركز الأبحاث لعلوم البيولوجيا والكيمياء متميّز في عمله للأمن القومي الأمريكي، ولا يُسمح لأي عامل فيه أن يطير ويحلق متى شاء، ص. ٢٢٨/…
الرواية، على الصعيد الفني، صورة مؤلمة، مبحوحة الصوت، تؤرخ لظاهرة التيه والضياع التي تعاني منها شريحة الشباب في الوطن، واللجوء إلى الهجرة كحل أمام الوضع المأساوي للبلد. وهي إيحاء بأن الغرب القوي مستمر في نهب ثروات الشرق الفقير، وسرقة الكفاءات العلمية، وجيل الشباب أحد مظاهر هذا النهب.
وقد استعمل الكاتب لغةً سلسة التعابير ضمن حبكةٍ روائيةٍ استحوذت على اهتمام القارئ، وشدّته إلى متابعة قراءة فصولها. وقد نجح الكاتب في تبيان زيف ادعاء أمريكا الحرية والعدل، حيث قام موظف السفارة بتخدير بطل الرواية، وإيحاء مدير الأبحاث في هارفارد بأنهم لا يسمحون بتعريض أمنهم القومي للخطر، ولو تطلب الأمر أدنى سلوك في الإجرام.
كما أوصل الكاتب رسالةً مفادها أن العلم حالة تراكمية تُفضي إلى صنع الحضارة، وتشترك فيه كل الأمم؛ فقد عمل العالم جرجس السوري مع العالم التونسي والعراقي والباكستاني. كما أن الإرهاب لا يُعرف بمذهب أو طائفة. ألم يُعتقل جرجس المسيحي مع محمد المسلم؟
وأشار الكاتب إلى المناقب الأصيلة التي يتحلى بها الفقراء من أبناء الوطن، واستعدادهم للمخاطرة في سبيل فعل الخير. ألم يخاطر أبناء الشيخ ظاهر بأرواحهم لإيصال العلماء إلى بر الأمان؟
لقد أراد الكاتب أن يقول إن سوريا الوطن هي الملاذ الآمن لكافة أبنائها، وإن ضريبة الدماء كانت كبيرة على بلد التآخي والتسامح، وإن هذه الأرض تستقي مقومات ألقها من نهر القيم التي زيّنت التنوع الاجتماعي والعمق التاريخي له.
وكأني بالأديب محمد الطاهر يريد أن يقول: إن ظل الغرب، مهما استمر في نهب ثروات الشرق، فإن انتماء المواطنة سينشر ظلاله الرائعة فوق سماء الوطن.
قاص سوري




