سير

الجواهري.. حضور لا يغيب

عبد الكريم البليخ

في مثل هذه الأيام، قبل تسعة وعشرين عاماً، وتحديداً في السابع والعشرين من تموز عام 1997، ارتحل الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري في أحد مشافي دمشق، بعد حياة مديدة ناهزت القرن، أمضاها بين الشعر والموقف، وبين الوطن والمنفى، وبين الصدام مع السلطات والانحياز إلى قضايا الإنسان والحرية والكرامة.

وهكذا أطبق «الموت اللئيم» على ذلك المتفرّد الذي شغل القرن العشرين شعراً وإبداعاً ومواقف، وملأ الدنيا بصوته الجهوري وقصائده التي بقيت شاهدة على أحداث عصره وتحولاته الكبرى. رحل الجواهري جسداً، لكن خبر رحيله لم يكن نهاية لسيرته، بل كان بداية لحضور جديد؛ إذ راحت الأحاديث والكتابات والذكريات تتوالى، مستعيدة عظمة الشاعر ومجده، ومتوقفة عند تجربة أدبية وإنسانية قلّ أن تتكرر في تاريخ الشعر العربي الحديث.

لم يكن الجواهري شاعراً عادياً يكتب القصيدة ثم يمضي، بل كان تاريخاً يمشي على قدمين، وذاكرة حية للعراق والعرب خلال قرن كامل. عاش تقلبات السياسة، وصخب الثورات، وقسوة المنافي، وخيبات الأوطان، وحمل ذلك كله في شعره، حتى تحولت قصيدته إلى وثيقة أدبية ونفسية واجتماعية، تُقرأ فيها أحوال الإنسان العربي بآماله وانكساراته، بثورته وحنينه، وبحثه الدائم عن وطن يليق بأحلامه.

كان الجواهري شديد الاعتداد بنفسه وبشعره، لا يساوم على كرامته، ولا يتنازل عن موقفه بسهولة. وقد دفع ثمن مواقفه غربةً وتنقلاً وألماً، لكنه ظل محتفظاً بصوته الخاص، ذلك الصوت الذي لا يلتبس بغيره، والقادر على الجمع بين جزالة اللغة وحرارة العاطفة، وبين قوة التراث ونبض العصر. فقصيدته لم تكن معزولة عن الناس، بل خرجت من قلب الشارع، ومن وجع الفقراء والمهمّشين، ومن أحزان المدن التي أنهكتها الصراعات والانقلابات.

وكان الجواهري قد لخّص معنى الخلود الإنساني في بيت شعري بالغ الدلالة، فقال:

يموتُ الخالدونَ بكلِّ فجٍّ …   ويستعصي على الموتِ الخلودُ

                   يحمل هذا البيت مفارقة عميقة بين موت الإنسان وخلود أثره. فالعظماء، مهما بلغت مكانتهم، يموتون جسدياً شأنهم شأن سائر البشر، وفي مختلف الأمكنة والبلدان؛ لكن ما يتركونه من إبداع ومواقف وأفكار يظل عصياً على الفناء.

يستطيع الموت أن يوقف نبض القلب، لكنه لا يستطيع أن يمحو أثراً استقر في ذاكرة الناس، ولا أن يُسكت صوتاً أصبح جزءاً من وجدان أمة كاملة.

والمقصود بـ«الخالدين» هنا ليس أنهم لا يموتون بالمعنى الجسدي، بل أنهم يواصلون حياتهم في الذاكرة الإنسانية بما قدّموه من أعمال عظيمة.

أما كلمة «الفجّ» فتعني الطريق الواسع بين جبلين، وتُستعمل للدلالة على الطرق والجهات والأماكن البعيدة. وكأن الجواهري يقول إن أصحاب المجد قد يسقطون في أي مكان، وفي أي طريق من طرق الحياة، لكن الخلود ذاته يظل ممتنعاً على الموت، لا يستطيع بلوغه أو القضاء عليه.

وقد بُني البيت على مقابلة واضحة بين حقيقتين: الأولى أن موت الإنسان قدر محتوم لا يستثني عظيماً ولا مغموراً، والثانية أن الأثر الصادق يستطيع أن يتجاوز حدود العمر والزمن. ومن هنا يبدو البيت وكأنه نبوءة قالها الجواهري عن نفسه قبل رحيله؛ فقد مات الشاعر، لكن شعره بقي حياً، تتناقله الأجيال، وتستعيده المنابر، وتردّده الحناجر كلما احتاج الناس إلى كلمة تعبّر عن الثورة أو الحزن أو الكبرياء.

وفي ذكرى رحيله التاسعة والعشرين، يكتسب البيت معنى أكثر عمقاً؛ فالجواهري الذي غادر الحياة في دمشق لم يغادر وجدان قرائه. ما تزال قصائده حاضرة، وما يزال صوته يتردّد في الذاكرة العربية، شاهداً على زمن كامل، وعلى شاعر لم يكن يكتب للزينة أو الترف، بل كان يكتب لأنه يرى في الشعر موقفاً ومسؤولية ووسيلة لمقاومة النسيان.

لقد استطاع الموت أن يأخذ الجسد، لكنه عجز عن أخذ القصيدة. استطاع أن يُسكت الصوت البشري، لكنه لم يستطع أن يسكت صداه. وهكذا يبقى الجواهري واحداً من أولئك الذين رحلوا عن العالم، لكنهم لم يغادروا الحياة؛ لأن الخلود الحقيقي ليس في طول العمر وحده، بل في الأثر الذي يتركه الإنسان وراءه، وفي الكلمات التي تظل قادرة على النبض، حتى بعد أن يتوقف قلب قائلها.

كاتب وصحافي سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى