وجوه

حكّاء الشوايا في زمن الخراب .. محمد الحاج صالح كاتب يداوي الجسدين

عبد الكريم البليخ

في أقصى الشمال الشرقي من سوريا، هناك حيث ينفلت نهر الفرات من أسر الجغرافيا ويتشعّب في قلب الجزيرة السورية، وُلد عام 1953 في ريف الرّقة الشمالي طفلٌ كان قدَرُه أن يُصبح لاحقاً راوٍياً لجراحنا ومؤرّخاً لزمننا. ذلك الطفل هو محمد الحاج صالح، ابن أرض الشوايا، وسليل الريف والمدينة، ابنُ زمن الهزائم الكبرى والآمال المجروحة، وصاحب الحكايات الطافحة بالسخرية، والمرارة، والحنين، والحبّ، والموت.

من ريفٍ كانت الحياة فيه تجري على إيقاع الماشية، وزخّات المطر، وأغاني الرعاة، انتقل محمد مع أهله إلى مدينة الرّقة، تلك المدينة التي كانت حينها هامشاً نائياً من هوامش البلاد، لكنها كانت تنبض بالحياة والاختلاف. هناك، في زواياها، وتحت ظلال أشجارها، وبين أزقتها وأسواقها ومقاهيها، نشأ محمد، وتفتّحت عيناه على عالمٍ سيصبح لاحقاً منبع أدبه ومصدر إلهامه.

في الرّقة، تدرّج محمد في المدارس حتى أنهى تعليمه الثانوي، وانتقل بعدها إلى حلب ليدرس الطب. تخرّج طبيباً عاماً عام 1978، لكنه لم يكن طبيباً فحسب، بل كان يُصغي لعروق الحكايات، ويدوّن نبض الناس، ويستشعر الحزن والفرح والجنون في نظراتهم وسكناتهم. بدأ يعمل في تل أبيض ثم في الرّقة، وبعدها في السعودية، قبل أن يُهاجر إلى النرويج عام 2004، ويستقرّ هناك، في برد الشمال البعيد، حاملاً دفء الفرات في عينيه.

حميمية السرد الجارح

ما يميز تجربة محمد الحاج صالح الأدبية هو أنها مشغولةٌ بحميميةٍ فريدة، حميمية تشبه “ضحكة قروية تُطلق في عزاء”، تُربك وتؤلم وتُفرح في آن. لم تكن كتاباته مجرد أدب؛ كانت شهادات حياة. كانت صرخات، وابتسامات، ونكزات ساخرة في الخاصرة السورية النازفة.

رواية شهادة حمارة

في مجموعاته القصصية مثل «قمر على بابل»، و«دفقة أخيرة»، و«عصا اللافتة»، نلمس خيطاً من الهزل المرّ، ذلك النوع من السخرية التي لا تُقصد للضحك بل تُقصد للنجاة، كما في كتابته عن “آخر ما حرّر”، وهي العبارة التي تحوّلت إلى مفتاح لغوي سحري في الحكاية السورية، وإلى رمزٍ لحالة الكذب الصادق، والنكتة التي تغطي العار والخوف. في هذه المجموعة بالذات، يتجلّى وعي الحاج صالح بلغته، بعمقها الشعبي، وسذاجتها الحكيمة، ولهجتها الفراتية، وكأنها مكتوبة بلسان الأرض.

وفي كتاب الأخير «البئر الأعمى: قصص طبية وحكايات أخرى»، ينسج الكاتب عالماً سردياً يتكئ على تخوم التجربة الإنسانية، حيث لا يعود الطبّ مهنةً فحسب، بل نافذةً على هشاشة الوجود وتعقيداته. من عمق الممارسة اليومية، ينبثق صوتٌ روائيّ متأمّل، يرى في كلّ عرضٍ مرضيّ حكاية، وفي كلّ لقاءٍ عابر مرآةً لأسئلةٍ أعمق تتجاوز الجسد إلى ما يسكنه من قلقٍ وأمل.

تتنقّل القصص بين قرى الشمال السوري ومدنه، بين فضاءاتٍ متواضعة وأخرى مكتظّة، لتلتقط نبض الإنسان في لحظاته العارية. هناك، حيث تتجاور العيادة مع الحياة بكلّ فوضاها، تتشكّل الحكايات على هيئة مشاهد إنسانية تتداخل فيها السخرية مع الألم، والدهشة مع الاعتياد. وبأسلوبٍ يجمع بين خفّة المفارقة وعمق الرؤية، يرسم الكاتب ملامح مجتمعٍ تتقاطع فيه التناقضات: براءةٌ تلامس الجهل، ورحمةٌ تتجاور مع الفساد، ويوميٌّ ينفتح على ما يشبه العجائبي.

غير أنّ هذه النصوص لا تستقرّ عند حدود “القصّة الطبية”، بل تتجاوزها إلى تأمّلٍ هادئ في مصير الإنسان، في ضعفه أمام المرض، وفي محاولته الدائمة لإضفاء معنى على الألم. يكتبها طبيبٌ يدرك أنّ الجسد ليس سوى مدخل، وأنّ خلف كلّ وجعٍ سرديّةً خفيّة، وخلف كلّ شفاءٍ ما يشبه المعجزة الصغيرة.

إنها مجموعة تنحاز إلى الحياة، حتى في أقسى تجلّياتها، وتعيد الاعتبار للحكاية بوصفها فعلاً من أفعال النجاة؛ إذ تغدو الكتابة، كما الطبّ، محاولةً مستمرة لانتشال الإنسان من عتمته، ومنحه بصيرةً في مواجهة العمى.

وقد صنع من طفولةٍ محاصَرة بالحرمان والمرض والحصار، حكايات ضاحكة مبكية، تضيء ملامح جيله وأرضه. كتب عن الأطفال الذين كانوا “يُطلقون النار” من فكّ خروف ميت في لعبة تكساسية، وكتب عن “حكاية المجنونة”، و”كهربا في الراس”، و”مطر في البئر”، كلّها قصص تسير على حافة الجنون، لكنها لا تسقط فيه، بل تجعله أداة معرفة، وسلاحاً ضد القمع والعتمة.

صدى الفرات الحزين

ليس من السهل أن تكتب وأنت طبيب. جسدان عليك أن تعالجهما: جسد المريض، وجسد اللغة. وقد نجح محمد الحاج صالح في كليهما. في غرفته الصغيرة بالنرويج، حيث يعيش منذ عقدين، لا يزال يمسك بيديه خيوطاً تمتدّ حتى وادي الفرات، وتظلّ كتاباته تخرج من نفس الينبوع الذي خرجت منه طفولته الأولى.

لكنه، أيضاً، ابنُ السياسة. فقد شبّ في زمن “صلاح جديد”، وهوس الأيديولوجيات، حيث كانت الصراعات بين الإيمان والإلحاد، بين البعث والشيوعية، بين الدولة والأهالي، على أشدّها. وكان الحاج صالح ـ كما تصفه النصوص ـ أحد أعلام ذلك الصراع، وأحد الناجين من سُعاره. كما أن لعائلته سجلاً حافلاً في معارضة نظام الأسد، فكان نصيبهم من الفجائع كبيراً، فتكفّل الألمُ بتشكيل مخيّلته.

آخر ما حرر .. قصص وحكايات

وبعد أن أُغلقت الأبواب، وابتلع الظلام البلاد، كان لا بدّ من الرحيل. هاجر إلى النرويج، لكنّه لم يهاجر عن حكاياته. ظلّ يكتب، كمن ينقّب في جثة الوطن عن قلبٍ نابض. فصدر له في المنفى رواية «شهادة حمارة»، حيث السخرية السوداء تبلغ ذروتها، وتتحول الحمير إلى رموز للحرية، وللبؤس أيضاً، بينما رجال الأمن المدججين يطلقون النار على صبي أخرس لأنه يذكّرهم بخوفهم العميق.

ما يميّز كتابات الحاج صالح أنها ليست تمارين لغوية، بل نحتٌ في لحم الواقع. يكتب وكأنه يبني بيتاً بالطين، ويُدخِل فيه الورق القديم، شهاداته، هوياته، أوراق جنسيته النرويجية، ليجعل منها حشوةً في الجدار. وهكذا، تتحوّل الذكريات إلى إسمنت، والماضي إلى جصّ يصلب على الجدران.

يكتب بلغة معمارية، فيها أصوات الراديو الصغير الملتصق بأذن “عيسى” بطل آخر ما حرّر، وفيها صدى أغاني وديع الصافي وهو “يدندن” في حديقة فندق فنيسيا بالرّقة. وفيها عبق بولٍ مختلط بالدم يسقط من فوهة بئر قديم. في عالمه لا حواجز بين القبح والجمال، بين العنف والضحك، بين الجنون والحكمة. كل شيء مختلط كأرض الجزيرة، كالسجائر الملفوفة بعد مشاجرة في ساحة الجورة.

في سرده لحكاية “المقام”، يتجلّى محمد الحاج صالح كراوٍ شعبيّ حكيم، يحوّل المجازر التي ارتُكبت في سجن داعش، إلى قصة تُروى على لسان شيخ هرم مريض بالباركنسون، يحدّث المعتقلين عن “مقام الجحش”، رمزاً للدين المغشوش، والسلطة المغفّلة، والعبث المقدّس. وفي هذه القصة بالذات، تتقاطع حكاياته مع حكايات ألف ليلة، لكنها بلا سحر، بل بسكاكين وقذائف وصواريخ سكود.

وها هو في “المجنونة”، يروي لنا عن طبيب شاب يقف عاجزاً أمام فتاة تصرخ “طالعوني من الصورة”، لتصبح الصورة رمزاً للسجن، للصمت القاتل، للاضطهاد النفسي، للجنون الاجتماعي المغلّف بالشرف والقمع والعرف. لكنه، في لحظة من الزمن، وبعد عشرين عاماً، يعود ليرى الفتاة وقد شُفيت، وتزوجت من حبيبها، وتبتسم له وقد تحكّمت بعينيها؛ وكأنها تحكمت بمصيرها أخيراً.

شهادة الصمت الثقيل

   في روايته «شهادة حمارة»، يواصل محمد الحاج صالح تشييد عالمه السردي القائم على تفكيك عبث الواقع السوري، حيث لا يعود اللامعقول استثناءً، بل يصبح القاعدة التي تُبنى عليها الحكاية. في هذا الفضاء المقلوب، تنهض الحمير ـ بتواضعها وصبرها ـ لتكون الشاهدة الوحيدة التي لم تُفسدها السلطة ولا شوّهتها الأيديولوجيا. ترى ما لا يُقال، وتحتفظ بما يُطمس، كأنها ذاكرة صامتة لبلاد أنهكها الصراخ.

البئر الأعمى.. قصص طبية وحكايات أخرى

تتوالى الشخصيات كظلال باهتة على جدار متداعٍ: رجال الأمن بوجوههم المتحجّرة، الأمهات اللواتي يُخبئن الخوف في أطراف أثوابهن، الجيران الذين يراقبون بعضهم بقلقٍ مكتوم، العاهرات اللواتي يتحولن إلى مرايا لانكسار الجماعة، الأطفال المرضى الذين يكبرون قبل أوانهم، والحفّارون الذين يُبتلعون أحياءً في الحفر التي صنعوها بأيديهم. جميعهم يتحركون داخل دائرة مغلقة من العجز، أبطالٌ بلا بطولة، وضحايا بلا خلاص، كأن المأساة فقدت حتى قدرتها على تسمية نفسها.

لم يكن محمد الحاج صالح مجرد كاتب يسرد الألم، بل كان أشبه بمرآةٍ تنقل ارتجاف الهامش إلى قلب اللغة. يشبه، في حضوره وكتابته، الرّقة؛ تلك المدينة التي عاشت طويلاً خارج خرائط الاهتمام، حتى غدت رمزاً للصمت المُهمَل. جاء من تخوم الفقر، حاملاً ذاكرة مثقلة بالتفاصيل الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد، ثم أعاد صياغتها في نصوص تمنحها معنى البقاء.

كان وديعاً كليلٍ رقّاويٍّ ينسدل على البيوت المنسية، ومرّاً كقهوةٍ تُرتشف في مجالسٍ تُخفي أكثر مما تقول، وساخراً كطفولةٍ تعرف أن اللعب قد يتحول في أية لحظة إلى نجاةٍ مؤقتة. وفي هذا التوتر بين الرهافة والقسوة، بين السخرية والألم، تتجلى قوة صوته: صوتٌ لا يصرخ، لكنه يترك صداه عالقاً في أعماق من يقرؤه.

تُعاش كتاباته كأنها بيتٌ فراتيّ قديم؛ قد يبدو مهدّماً من الخارج، لكنك إن دخلته، وجدت الدفء، والحبّ، والجنون، والفقد، والشرف، والأمل… كلّها في غرفة واحدة.

تراه إلى جانب البسطاء، يساندهم ويقدّم لهم المساعدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى