مذكرات نجيب محفوظ التي لم تُنشر
محمود منير
لم تنشر هدى ابنة نجيب محفوظ (المعروفة بأم كلثوم) مذكرات أبيها كما صرّحت قبل أربعة أعوام، ومن المفترض أن تضمّ يومياته وتأمّلاته التي اعتاد كتابتها بخطّ يده منذ ثلاثينيات القرن الماضي وصولاً إلى سنة 1995، حيث كتب آخر عبارة فيها عقب نجاته من محاولة اغتياله.
وأوضحت أن كتابها المنتظر من شأنه أن يرفع الظلم عن الروائي المصري وأسرته التي طاولها التشويه من المقربين وغيرهم الذين ادعوا قربهم منه.
عشرات الاحتفاليات تنظّمها هيئات مصرية هذه الأيام، بمناسبة مرور عشرين عاماً على رحيل صاحب “بداية ونهاية”، وجميعها لا تبتعد عن الطابع الاستذكاري. وربما ينطبق الأمر نفسه على عدد الكتب التي صدرت منذ كتاب “صفحات من مذكرات نجيب محفوظ وأضواء جديدة على أدبه وحياته” (1998) لرجاء النقاش، وتبعته مؤلّفات لجمال الغيطاني ومحمد سلماوي ومحمد شعير وإبراهيم عبد العزيز وآخرين، أضاءت جوانب من سيرته وفق حدود رسمها هو بنفسه، وأثثها بالمحطّات الرئيسة بدءاً من أحاديث الطفولة والوظيفة وآرائه في السياسة والفن والمجتمع وفي معظم شؤون الحياة، وفوزه بنوبل وطقوس الكتابة؛ تفاصيل ومواقف ظريفة وأسرار قليلة لا تقترب من المحرمات التي تتعلّق بمسارين أساسيين: خصوصيات شخصية وعائلية، وأفكار جريئة كتبها بمنتهى الصراحة حول شخصيات عايشها ووقائع معينة مرّت في حياته.
وترتبط هذه المنطقة المحرّمة بكرّاس المذكرات وقصائد كتبها بث فيها جوانياته، مفضلاً إبعاد الفضوليين عنها بطريقته الخاصة، وهو ما يثبته إبراهيم عبد العزيز في تقديم كتابه “أنا نجيب محفوظ.. سيرة حياة كاملة” (2006)، حين ألحّ على نجيب محفوظ لكشف مصير المذكرات والشعر، فجاء جوابه بعصبية: “حرقتها”، ليتبين بعد عقود أنه لم يتخلص منها أو من مسودات جزء من رواياته، بحسب تأكيداته المتكررة في أكثر من لقاء، موحياً لمحاوريه أنه يستفيد من هذه الذكريات المكتوبة في كتابة عدد من أعماله فقط.
لكن الصدفة قادت ابنة محفوظ للعثور على “كشكول ضخم” يحتوي أصدق ما كتبه والدها وأخفاه عن أعين الناس، وإن توقع متابعوه تقييمه لكثير من الوقائع والبشر، بحكم معرفتهم المسبقة بطبيعة تفكيره، وكذلك تصالحه مع الذات الذي يجعله يصمت عن أمر ما، في أبعد تقدير، دون أن ينزلق إلى مديح ما يكره أو تقريظ من يمقت.
لا أخبار جديدة عن مذكرات صاحب “دنيا الله”، إلا أن جريدة الأهرام في حوارها مع هدى محفوظ الجمعة الفائت وجهت إليها السؤال التالي: هل فكرت في عمل كتاب يحوي كل ما يخص نجيب محفوظ؟ وكان جوابها “نعم، وأتمنى أن يعينني الله فهو الموفق”. ثم أكملت حديثها بالنزاعات حول إرثه مع ما أسمتهم بـ”أصحاب المصالح” من المنتجين الذين يسعون إلى تحويل رواياته إلى أعمال درامية ومع ورثة أختها للحصول على حصة أكبر من المال.
لن تُنشر مذكرات نجيب محفوظ كاملةً كما خطّها، إذ أشارت ابنته سابقاً إلى أنها ستحجب بعض الأسماء والمعلومات عند صدورها الذي لا يبدو مطروحاً في المدى المنظور. مساحة آمنة يتوافق عليها الورثة والكتّاب وأصحاب المصالح، وحتى محفوظ نفسه بحسب ما أوصى.
مات الرجل الذي درس الفلسفة وطرح أسئلتها في كتاباته، دون أن يفصح بكل أسراره لأسباب متعدّدة تتصل بمجتمعٍ وثقافة عرفهما جيداً، وتمنى أن يعتدل حالهما بالعلم والإدارة الكفؤة.




