آراء و مقالات

السلطة الرابعة وليس التابعة..!

 يونس خلف

لعل كل من يعرفني يستطيع أن يؤكد أنني رفضت، وعلى مدى عقود خلال عملي في صاحبة الجلالة، اتباع سياسة النفاق والتملّق والتسلّق، وقاومت كل أنواع المكاسب والمنافع. ولا يحتاج الأمر إلى مؤشرات كثيرة لتأكيد ذلك، لأن وقائع عمري المهني في الصحافة، والمقالات التي نشرتها، والمضايقات والملاحقة التي كنتُ أتعرض لها بعد كل مقال يتناول الفساد والفاسدين، كل ذلك يؤكد أنّني كنتُ وفياً وصادقاً وأميناً لصاحبة الجلالة.

ظروف العمل الصعبة، والحياة المعيشية الأصعب، ومستوى الانحدار الذي وصل إليه المناخ الصحفي، لم تؤثر على استمراري في الكتابة وعشقي للصحافة، وأكثر من ذلك، لم تُضعف إرادتي أيضاً أمام أصحاب الشأن والقرار الذين أخلّوا بالتزاماتهم وبواجباتهم تجاه الصحافة والصحفيين.

كنتُ أعمل طيلة عمري المهني، وحتى بلغت التقاعد قبل عامين، على قاعدة أن الصحفي يسير وسط حقول ألغام، وهو اختار بنفسه معاداة الفاسدين من المسؤولين وأصحاب القرار، ولذلك على الصحفي أن يتوقع، في كل لحظة، إنهاء مَهمّته ووظيفته، أو كحد أدنى عدم نشر معظم ما يكتب، وعليك كصحفي أن تكون مستعداً باستمرار للمضايقات والمشاحنات وإلحاق الأذى بك وبأسرتك وأهلك.

ولذلك، أن تعمل صحفياً يعني أنك لن تجد مسؤولاً يدافع عنك، وأصحاب القرار لن يقفوا إلى جانبك، لأنهم يرون أنك اخترت رؤية نصف الكأس الفارغ، وحتى لو كتبت عن القسم الملآن في الكأس، فإن ذلك لن يغفر لك، لأنهم يريدون أن تكتب ما يرونه، لا ما تراه أنت، وقد تجد من يتهمك بأنك تحرض الناس ضد الحكومة. وطبعاً، الحكومة تضع نفسها موضع الدولة، وبالتالي فأنت ضد الدولة والنظام في الدولة، والمشكلة الأكبر أن الوزير يعتبر نفسه الدولة، ومدير المؤسسة، وكل مسؤول وكل موظف، يمكن أن تشير إلى خطأ ارتكبه أو فساد مارسه، فأنت بذلك تمس هيبة الدولة.

أن تكتب يعني أن تكون تحت الضوء، وتكون مستعداً للملاحظات القاسية وأحياناً المُحبطة، وكي تنجو عليك أن تتسلح بالصدق، فهو مركب الأمان الوحيد.

في مراحل متعددة من عملي الإعلامي، لطالما سألت نفسي، في حوار صامت مع الذات: ما جدوى ما نكتب؟ ولماذا نستمر في الكتابة؟ ولماذا نتمسّك، يوماً بعد يوم، بالمصداقية والنزاهة والأمانة، ما دام الأمر لا يختلف بين من يكتب ومن لا يكتب، من يقرأ ومن لا يقرأ؟ وبالتالي، ما جدوى الكتابة؟

الأمر الآخر، عندما نكتب عن فلان، فيقولون: لماذا لا تكتب عن علّان؟ نكتب عن الإيجابيات، يقولون: لماذا لا تكتب عن السلبيات؟

نكتب عن الخير، يقولون: لماذا لا تكتب عن الشر؟ نكتب عن الإصلاح، يقولون: لماذا لا تكتب عن الفساد؟ وعندما لا نكتب، يقولون: لماذا لا تكتبون؟ أين صوتكم وأين دوركم؟ وعندما نكتب ولا يعجبهم ما نكتبه، يحرفون مسار الهدف من الكتابة، ويمكن أن نتحول إلى ذريعة للتسديد والقصف والتلفيق، وصولاً إلى أننا نمس هيبة صفاتهم ومسؤولياتهم الحكومية، وأقرب وأسهل طريق للعقاب والانتقام هو طريق الجريمة الإلكترونية.

ولذلك، كان أهلي وبعض أصدقائي يخافون عليّ من كتاباتي، لأنهم يرون أنني أحمل السلم بالعرض، ولماذا أبحث عن الغلط لتعريته وعن الخلل لكشفه، ويطالبونني بأن أكون مثل كثيرين غيري ممن يتسابقون لإرضاء أي مسؤول في السلطة، وأكثر ما كانوا يُذكرونني به أنني أدفع الثمن منذ سنوات ولا أرتدع.

ثمّة إلحاح وضغوط طيلة عمري المهني بالصمت، وبأن أسمع وأشاهد عن بُعد فقط، وغالباً ما يكون ذلك، وفقاً لبعض من يعبرون عن حرصهم عليك: «ريّح راسك»، واختيار الجلوس في مقعد المتفرج، والاكتفاء بحديث داخلي بين النفس والنفس، لأن الصمت لا يعني الموافقة أو الرضى التام، لكنه يبعدنا عن الخوض في نقاشات بلا جدوى، وعن وسط ملوث بأفكار سلبية يستمدها البعض من وسائل التواصل الاجتماعي، التي تعكس بشكل سلبي التفاعل مع ترويج الرداءة والتفاهة أكثر فأكثر.

إن مثل هذا المناخ الموبوء يجبرك أحياناً على الصمت وعدم التعبير، خوفاً من محاولة إدخالك في دائرتهم الضيقة، والأمر الآخر هو البحث عن بديل للصمت، كي لا تصبح منعزلاً عن المجتمع، ويكون لك حضورك وتأثيرك، وهذا يحتاج إلى قرار صائب.

القاعدة الذهبية في الصحافة أن قيمة الإعلامي الحقيقي تكمن في قول الحق، ولو كان على حساب مصلحته، لأن الإعلام رسالة ومبدأ وموقف، ولمهنة الصحافة خصوصية كبيرة تختلف عن باقي المهن الأخرى، كونها تخاطب العقول بمختلف مستوياتها، إضافةً إلى ما تشكله الصحافة من خطورة على المجتمع عند ابتعاد من يمارسها عن أخلاقيات المهنة الصحفية والواجبات المهمة والكبيرة. لذلك، للصحفي الحقيقي مسطرة كبيرة من القيود الأخلاقية والمعرفية، يحيط بها نفسه ويطبقها تحت الرقابة الذاتية. لكن حقيقة الأمر أن فوضى الممارسة الإعلامية حولت العمل الإعلامي إلى حقل للاستنساخ غير المشروع، كما أن الابتزاز والتشهير من أجل الكسب والربح أفقد هذا الصنف من مصداقيته واستقلاليته ونزاهته، لا سيما بعد دخول شبكات وسائل التواصل الاجتماعي على الخط، حيث تغير المشهد كلياً، وأصبح كل شخص يمتلك موبايل أو كاميرا وإنترنت يمكنه نقل كل ما يشاهده وتقديمه مباشرة للجمهور، الذي تعددت الخيارات أمامه، وأصبح يشاهد ويسمع كل شيء مباشرة وبتقنيات عالية.

ما أكثر الصعوبات والمنغصات والعوائق التي رافقت الإعلامي السوري، خاصةً أن عامل الكفاءة لا يقع على رأس الأولويات في التكليف بالمهام والمسؤوليات الإعلامية، بل يعود ذلك لعوامل المحسوبية والنفاق والتزلّف، فنادراً ما يوضع الرجل المناسب في المكان المناسب.

والمعروف أنه لم تكن الصحافة سلطة رابعة، انطلاقاً من كونها امتداداً للسلطات الأخرى، تعمل معها بناءً على أهداف ورؤى متطابقة، وتلتزم بمسار يمكن أن يغلب عليه الجانب الوظيفي، أقرب منه إلى الجانب الإبداعي الحر.

وأعتقد أن نقطة قوة السلطة الرابعة ونجاحها في أن تكون الأقرب إلى الناس هي في مصداقية الكلمة، وفي نقل الواقع على حقيقته، والأهم من ذلك أيضاً ألا تتنفس الهواء من خارج الجسم الإعلامي.

ولذلك، المشكلة تكون عندما تتحول من سلطة رابعة إلى تابعة.

كاتب وصحافي سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى