آراء و مقالات

مكتبات أميركا على حافة الانهيار

حميد عقبي

في الأول من سبتمبر 2026، أصدرت جمعية القلم الأميركية تقريراً يحمل إنذاراً ثقافياً مفجعاً يتجاوز مسألة منع كتاب هنا أو سحبه من مكتبة هناك. يقول التقرير إن المكتبات العامة الأميركية تقترب من «نقطة الانهيار»، بعد اتساع الضغوط السياسية والرقابية، وتهديد أمناء المكتبات، والتدخل في برامجها ومعارض كتبها وحتى طريقة إدارتها وتمويلها.

المكتبة في أميركا قامت فكرتها على أن يدخل إليها المواطن ويبحث بنفسه عمّا يريد معرفته، لكن يبدو أن كل شيء سوف يتغير وأصبح الموضوع في بعض الولايات ساحة صراع حول من يقرر ما ينبغي أن يصل إلى القارئ وما هي الكتب التي ينبغي أن تسحب وتختفي ويتم حظرها بدعوى حماية الهوية الوطنية.

رقابة تثير المخاوف

تكشف أرقام اتحاد المكتبات الأميركية حجم هذه التحولات. فقد تعرض 4235 عنواناً للاعتراض خلال عام 2025، وهو ثاني أعلى رقم يسجله الاتحاد في تاريخه، وكان 1671 عنواناً منها مرتبطاً بتجارب الملونين والمثليين وغيرهم من الفئات التي عانت طويلًا من التهميش. الأخطر أن معظم هذه الاعتراضات لم تأتِ من آباء قلقين على ما يقرأه أطفالهم؛ فقد جاءت 92 في المئة منها من جماعات ضغط ومسؤولين وأصحاب قرار، بينما لم تتجاوز اعتراضات الآباء منفردين ثلاثة في المئة.

إذن، هذه الأرقام تضعنا أمام خوف يتجاوز الرقابة التقليدية. توجد خشية من إعادة تشكيل المجال الثقافي الأميركي نفسه، ومن تضييق مساحة حرية التعبير التي احتاج المجتمع قرونًا لتوسيعها حتى تدخل إليها أصوات السود والملونين والنساء والأقليات، وتصبح العبودية والعنصرية والإقصاء جزءًا من التاريخ الذي يمكن مساءلته، وليس صفحات ينبغي إخفاؤها من أجل أن تبدو صورة الأمة أكثر صفاء.

عرفت أميركا في تاريخها موجات رقابة وقمع فكري، وكانت المكارثية واحدة من أشدها، لكن ما يثير القلق اليوم هو اتساع الأدوات وتشابكها، فوصلت إلى الكتاب، والمكتبة، وأمينها، والتمويل، ومجالس الإدارة، والجامعة، والمتحف، وها هي الآن تمس طريقة سرد وكتابة التاريخ. وهنا، فالخوف من خسارة التمويل أو الوظيفة يصبح سببًا يدفع المؤسسة الثقافية إلى مراقبة نفسها قبل أن تتدخل السلطة لتغلقها؛ تطورت الرقابة من قرار بحذف كتاب إلى مناخ كامل من الرعب.

بعض المفكرين يرون أن الخطر هنا هو أن تتحول الثقافة من فضاء تتجاور وتتحاور في داخله الذاكرات والأفكار المتعارضة إلى صوت واحد يوجهه المركز الأعلى ثم يتكرر في المؤسسات الأدنى. وعندها، فالمجتمع لن يخسر كتابًا فقط، وإنما سوف تتعاظم خسائره ويفقد حقه في أن يرى نفسه بكل تناقضاتها وجراحها وأصواتها المختلفة. ومن هنا، فالسؤال يكون أكثر إلحاحًا: عندما يكون التاريخ مؤلمًا، هل يجب أن نحمي القارئ من الكتاب، أم نحمي أنفسنا من الذاكرة؟

«المحبوبة».. شهادة على قسوة التاريخ

يمكن أن نتوقف عند رواية «المحبوبة» للكاتبة السوداء توني موريسون كنموذجٍ يكشف عمق المشكلة. الرواية سبق أن فازت بجائزة بوليتزر عام 1988، وحكايتها فيها شيء متخيّل، لكنها لم تأتِ منفصلة عن التاريخ الأميركي، فلقد انطلقت من واقعة مارغريت غارنر، المرأة المستعبدة التي هربت مع أطفالها من كنتاكي عام 1856، وعندما أصبحت مهددة بالوقوع مجددًا في قبضة مالكها قتلت ابنتها الصغيرة خوفًا من أن تعود طفلتها إلى العبودية.

والأكثر قسوة أن ذلك النظام القانوني الذي نزع عن الإنسان المستعبد إنسانيته تعامل مع الجريمة بأنها كانت إتلافًا لـ«ملكية» صاحبها. هذه الواقعة ظلت في ذاكرة موريسون إلى أن أعيد بناؤها أدبيًا بعد أكثر من قرن.

عندما نقرأ الرواية أو المراجعات النقدية حولها، سوف نفهم أن موريسون لم تكتب تاريخ العبودية من خارجه. فهي أدخلت القارئ إلى ما يبقى منها داخل الإنسان بعد زوال القيد. تبدأ الرواية من بيت تسكنه روح طفلة ميتة، لكن الشبح لم يكن لعبة غرائبية؛ إنه ذلك الماضي الذي يرفض المغادرة إلى الأبد. الأم سيثي خرجت من العبودية جسديًا، بينما بقي جسدها وذاكرتها وأمومتها مقيدة في داخلها. بهذا المعنى نفهم أن الماضي أصبح حاضرًا، والبيت نفسه ظل ذاكرة لا يستطيع سكانه إغلاق بابها.

لهذا يصعب فصل عنف رواية «المحبوبة» عن موضوعها الأساسي. نعم، سوف نجد فيها قتلًا واغتصابًا وإذلالًا واستغلالًا جنسيًا وعنفًا جسديًا ونفسيًا، وكل هذه العناصر نفسها بين الأسباب التي تستغلها الاعتراضات المتكررة على الرواية، ولقد سجل اتحاد المكتبات الأميركية أن الاعتراض عليها كان بسبب المحتوى الجنسي والعنف والمنظور الديني.

ومنذ بداية موجة الحظر الحالية عام 2021، مُنعت «المحبوبة» في المدارس العامة الأميركية 77 مرة بحسب إحصاء جمعية القلم الأميركية. وفي مقاطعة رذرفورد بولاية تينيسي، كانت ضمن أكثر من 145 عنوانًا أزيلت أو تم تجميد تداولها استنادًا إلى سياسة تستهدف الكتب المصنفة «صريحة جنسياً».

وهنا تنقلب الحجة على نفسها: كيف يمكن كتابة العبودية من دون تصوير ذلك العنف الحقيقي؟ وكيف يمكن رواية تاريخ كانت المرأة السوداء فيه تُباع ويُشترى جسدها، ويُباع أطفالها ويُعتدى عليها، ثم نطالب الأدب بأن يقدم هذه التجربة بعد تنظيفها مما يقال بأنه يصدم القارئ؟

لا يعني ذلك أن كل كتاب ملائم لكل عمر. يمكن للمدرسة أن تناقش السن التي تسمح بقراءة عمل يحتوي مشاهد قاسية، ويمكن للأب أن يختار ما يراه مناسبًا لأطفاله. المشكلة تبدأ عندما نظن أن الصدمة التي أحدثها التاريخ تكفي سببًا لإبعاد الرواية التي تكشفها وتصور مشاهدها وفصولها.

وتزداد المفارقة لأن «المحبوبة» ليست عملًا هامشيًا يبحث عن إثارة. لجنة بوليتزر، يوم منحتها الجائزة، رأت فيها عملًا أدبيًا بالغ التميز، وأصبحت من أهم الروايات الأميركية المعاصرة. موريسون نفسها لم تكن روائية فقط؛ فقبل ذلك عملت محررة وأسهمت في إدخال أصوات سوداء كانت مهمشة إلى قلب النشر الأميركي، ثم حصلت على نوبل للآداب. إن وضع روايتها تحت الاشتباه بعد عقود من دخولها صميم الثقافة الأميركية يجعل هذه القضية أكبر من خلاف حول بعض المشاهد.

إن حذف الألم من «المحبوبة» يعني عمليًا وبكل بساطة ضرورة تغيير طبيعة الذاكرة التي تحملها. فالعبودية في الرواية ليست تاريخًا مخترعًا أو بعيدًا من القوانين والتواريخ والأرقام، وإنما قضيتها أم تخاف أن يكون الموت أرحم لطفلتها من العودة إلى حياة العبودية.

هنا نشعر أن موريسون بلغت المنطقة التي يصعب على الكتاب التاريخي الوصول إليها، فالتاريخ لم يبحث في أفعال نظام العبودية كلها، ونادرًا ما تجده يركز على ربطه وتأثيره على فكرة الأمومة، وكيف يمكن لإنسان أن يصل إلى لحظة يرى فيها قتل من يحب فعلًا من أفعال الإنقاذ والرحمة الصادقة؟

لذلك لا يعود السؤال في القول: لماذا كتبت موريسون مشاهد قاسية؟ كون السؤال الأشد إزعاجًا هو: أي رواية عن العبودية ستكون صادقة وحقيقية إذا حذفنا منها ما فعلته العبودية بالإنسان؟

حق الأجيال الجديدة

يمكن للسلطة والرقابة أن تحمي قارئاً صغيراً بتأجيل قراءة كتاب إلى سن مناسبة، لكن حماية المجتمع من مواجهة ذاكرته أمر مختلف تماماً. فهنا تصبح قسوة حقائق التاريخ حجة لإبعاد العمل الذي يكتشفها، وبهذا فنحن لا نخفّف الصدمة التي صنعها الأدب؛ نحن مع سياسة بدأت في تخفيف التاريخ نفسه وتريد تاريخًا لا يجرح أي شيء أبيض.

الخوف الأكبر في تقديرات المعارضين للرقابة ليس أن تختفي رواية مثل «المحبوبة» أو غيرها. فالروايات ستظل موجودة، وستطبع وتقرأ وتدرس. لكن الخوف من أن يتغير المكان الذي تستقبل فيه؛ وأن يخاف المعلم تدريسها، وأن يخشى أمين المكتبة عرضها، وأن يصل الواقع إلى أن تطبق المؤسسة الثقافية مسبقًا ممارسة رقابة ذاتية قاسية، وتتعلم منافقة السلطة فتستبعد وتُقصي بصمت أي شيء قد يغضب الرقيب.

وربما هنا تكمن خلاصة فهمنا لما يجري في أميركا اليوم، فالمعركة ليست على حق توني موريسون في أن تكتب الماضي، فقد كتبته وانتهى الأمر، ولكن على حق الأجيال الجديدة في أن تصل إلى الماضي كما كان، بقسوته وتناقضاته وأصوات ضحاياه. فالأمة لا تحمي نفسها بتخفيف الصفحات المؤلمة من تاريخها؛ إنها بذلك سوف تفقد جزءًا من قدرتها على فهم نفسها.

كاتب ومخرج سينمائي يمني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى