إناسة

فرنسا وحمد

عبد السلام العجيلي

المكان: غرفة خاصة في الطابق الثاني من مطعم يقع في نهاية شارع راسين، بالقرب من صالة اللوكسمبورغ لمسرح الكوميدي فرانسيز.

الزمان: ظهر يوم من أيام أيلول 1952.

الدكتور كارل: بالعكس يا صديقي، أنا الذي يجدر به شكرك. مضى علينا عام كامل منذ افترقنا. لقد تناولنا الغداء يومئذٍ في مونمارتر. أحببت أن أذيقك هناك بعض أنواع المحار التي اشتهر بها ذلك المطعم.

هل تذكر اللوحات التي كانت تزيّن جدرانه؟ كانت إحداها تمثّل لفيفًا من الأدباء كثيري التردّد على المطعم، على ساحل البحر، وبينهم مارسيل بانيول، كما أذكر.

ولكنني أعتقد أنك لم تستطع أكل المحار يومها. إن لتناول المحّار قواعد وتقاليد؛ أولها أن تشرب معه النبيذ الأبيض، ولكنك لا تشرب النبيذ مطلقًا، فكيف تستطيع تناول المحار إذاً؟

شرب الخمر بالنسبة إلينا، نحن الفرنسيين، واجب وطني. لو أضرب الفرنسيون ثلاثة أيام عن شرب الخمر، لنشبت ثورة لا تُبقي ولا تذر. إن مقاطعاتٍ بأسرها في وطننا تعيش من وراء الكرمة وعصيرها وخميرها، فكيف تريدنا أن نهدم اقتصادنا بأيدينا؟ سأشرب عنك كأس باكوس.

هذا مطعم ممتاز، ولا شك، وأنا أتناول طعامي فيه دائماً حين أجيء إلى الضفة اليسرى هنا. ماذا تأكل؟ سأختار لك، أو فلنترك الأمر لرئيس الطهاة.

أيها الرئيس، نحن ضيوفك، فبماذا تشير علينا؟… ورك الأرنب على طريقة الرئيس؟ حسناً، ماذا تقول يا صديقي؟… كُلْ ورك الأرنب كما أكلتَ المحار في العام الفائت، لمجرد العلم بالشيء، ثم انتخب ما تشاء بعد ذلك.

إن رئيس الطهاة لبق، كما ترى، وسأقدّم إليك بعد قليل صاحب المطعم. هو زميل لي في الدراسة، وقد كاد يكون زميلاً لي ولك في المهنة، إلا أنه ترك دراسة الطب في السنة الأولى، وافتتح هذا المطعم. ولقد أحسن فيما فعل، وسترى علائم نجاحه ظاهرة على جسمه، مثلما هي ظاهرة على مطعمه.

إنه ذلك الفتى المورَّد الخدين، العظيم الكرش، وقد شبع من «البفتيك» حين كنا أيام الاحتلال الألماني نسلّط ميكروسكوباتنا على حصصنا من شرائح اللحم، لنستطيع رؤيتها بأعيننا.

تسألني أين كنت أيام الحرب؟ لقد رمت بي الحرب في كل مكان. كنت طبيباً لفرقة من المحاربين الجبليين، فأنا في الأصل من منطقة السافوا، والثلوج والانزلاق عليها في دمائي. كنت أنا وفرقتي في النرويج عندما حوصرت نارفيك. وفي العودة أُصبت بالتهاب الزائدة الدودية، وأُجريت لي العملية في أدمبورغ.

لقد رويتَ لي في العام الفائت جزيل شكرك للدكتور «بانيل» الذي كنت تعمل في شعبته في مستشفى…

«تينون». إن هذا تقليد من أعرق تقاليدنا في فرنسا: أن نخلط طلاب العلم بأنفسنا، وألّا نميّز بينهم وبيننا، سواء أكانوا من سنغافورة أم من نيجيريا أم من قلب باريس.

ماذا كان اسم زميلك المكسيكي؟ فيلاسكيز؟ حسنًا، كان فيلاسكيز هذا، وهو طالب من المكسيك، يُجري العمليات في أجسام الفرنسيين، ويتحكّم في أرواحهم بملء ثقة أساتذته. أمّا في إنجلترا فلن تجد من هذا شيئاً، صدّقني.

حين أُصبت بالتهاب الزائدة، طلبت أن يُجري لي عمليتها زميلٌ لي، جرّاح في الفرقة، كنت أثق به وبمقدرته، ولكن الإنجليز لم يقبلوا. لم يقبلوا أن يتولّى الجراحة في مستشفى إنجليزي جرّاح غير إنجليزي، ولو كان ذلك بإلحاح المريض. وكان الجرّاح المقترح جرّاحاً عالميّاً يحمل أرقى الدرجات العلمية.

إنها أنانية الإنجليز التي يدثّرونها بألف دثار من اللطف والنعومة، ولكنها لا بدّ أن تفضح نفسها. هل ترى أن غيريّتنا قد لقيت من يقدّرها؟ أتراك ستروي لمواطنيك كيف أن العلم لدينا كالماء لديكم، مباحٌ لمن يشربه، مبذولٌ لمن يطلبه؟ أم أنك ستنضم إلى مجموعة الساخطين على فرنسا؟ ما أكثرهم، يا صاحبي، في كل العالم، وفي فرنسا نفسها!

أبناء فرنسا المحسوبون عليها هم أول خائنيها والمتآمرين عليها، ولأضرب لك مثلاً باليهود، يهود فرنسا.

ما تقوله صحيح. لا يمكن يهوديّاً أن يكون وطنيّاً. وقد زاد الطين بلّة…

منذ خُلقت هذه الدولة، إسرائيل. لقد بيّت اليهود مؤامرة عميقة الجذور لفرنسا، فهم يعملون جهدهم لإفلاسها. إنهم يسيطرون على اقتصاديات البلاد سيطرة تتيح لهم دحرجتها إلى الخراب، وهم لا يألون في ذلك جهداً. فهم جادّون منذ سنين في تهريب رؤوس أموالهم إلى خارج فرنسا، وقد استطاعوا أن يسنّوا قوانين تبيح لهم التحايل على الدولة وإفقارها، ولا سيما حين تولّى «إدغار فور» رئاسة الوزارة. نعم، إن «إدغار فور» و«ماير» يهوديان، وماير الآخر يهودي.

ألست تقرأ في الصحف بين حين وآخر أخباراً عن تخفيض منتظر في سعر الفرنك الفرنسي؟ إن هذه الأخبار من صنع اليهود الذين نسجوا مؤامرة يربحون بها مليارات المليارات، إذا ما خُفّض الفرنك الفرنسي. ولكن «إدغار فور» قد طار وجاء هذا الرجل، «أنطوان بيني». لقد ردّ كيدهم إلى نحورهم، فتراهم يحاربونه سرّاً دون أن يستطيعوا التظاهر.

إن عمي ـ والد زوجي ـ هو الصديق الصدوق لبيني، ويكاد يكون مستشاره. هذا الذي أقوله لك لا يعلمه إلا القليل من الفرنسيين. هل قرأت ما صرّح به «منديس ـ فرانس» في مؤتمر النقد الدولي في مكسيكو؟ لقد اضطر منديس ـ فرانس، وهو مندوبنا في ذلك المؤتمر، إلى القول بأن الحكومة عازمة أبداً على أن تثبّت سعر الفرنك الفرنسي. أقول «اضطر» لأنه يهوديٌّ مُعرَّق في اليهودية، وقد قال ذلك لأن بيني قد أجبره على أن يقول ذلك. إذا ما رأيت كلمة «فرنس» مضافة إلى اسم علم فاعرف أن صاحبه يهودي. وكذلك كل شركة تحمل صفة «الفرنسية» في اسمها هي يهودية. تعلّم هذا من ألاعيب اليهود.

نحن وأنتم في بُغض اليهود سواء، فما قولك في مشكلاتنا في أفريقية الشمالية، في حوادث تونس مثلاً؟ أزعجنا هذا الباي. أزعجنا جداً. ليس من تعبير في الفرنسية يعبّر عما يفعله معنا إلا تعبير واحد، ولكنه تعبير بذيء… ماذا يريد منا؟ الإصلاحات؟ إننا نقدّم إليه المشروعات، ولكنه لا يتنازل حتى إلى التطلّع إليها. إن «هوتكلوك» يعمل كل ما في وسعه! ما أوسع صدره وما أطيب قلبه! كيف؟ هل تعرفونه أنتم، تعرفون «هوتكلوك» في سوريا؟ غريب ما ترويه لي. معاهدة صدّقتموها أنتم في مجلسكم، ولم يصدّقها مجلس فرنسا النيابي؟ ثم خرجنا بعدئذ من عندكم مطرودين!… حقّاً إن هذا مؤسف، جدّ مؤسف. ولكن الأمر في تونس يختلف عنه عندكم يا عزيزي. إن لنا هنا مؤسسات ورؤوس أموال وخدمات وتقاليد، كيف تريدنا أن نتركها، هذا لمجرد أن «الباي» يريد أن يستقل؟ أما توافقني على أن هذا مطلب عسير؟!… لم أسمع بحكاية «حمد» قبل الآن. من هو «حمد»؟

ثانياً: حمد هذا بدويٌّ من بدو بلادي، دعاه الجابي إلى مضرب رئيس العشيرة، وطالبه بالضريبة المتحققة عليه. ولكن حمد اعتذر بأن ليس لديه ما يدفعه للجابي. ولما فشلت كل وسائل الإقناع والمطالبة السلمية بتحصيل الضريبة، أشار الجابي إلى رجل الشرطة المرافق له بأن يبطح حمداً ويكيل العصا في أنحاء جسمه. فانهال الشرطي على حمد ضرباً، وهو يستغيث ولا مغيث. ولما لم يعد لحمد صوت في حنجرته، ولا مكان من جسمه لم تنضجه العصا، ولما كلَّ الشرطي من الضرب؛ مدَّ حمد يده إلى تحت إبطه، وأخرج صرّة كان فيها مقدار الضريبة المتحققة من المال، لا ينقص ولا يزيد. حينئذ سأل الجابي «حمد»:

لِمَ احتمل كل هذا الضرب وهو يملك المال، ويعلم أن لا بد من دفعه؟

فقال حمد:

إني أعرف حقاً أن لا بد من دفع الضريبة. ولكن يا سيدي هذا مالي الذي شقيت في جمعه سنين، فكيف تريدني أن أعطيك إيّاه بمجرد طلبك ودون أن أحرك ساكناً؟ إني أتنازل عنه الآن، وأنا مثلج الصدر أنني لم أخرجه من حوزتي إلا بعد أن لقيت من البلاء ما يتناسب وقدره عندي!

هذه حكاية حمد، بل هذه فلسفته. وأنا أرى أن الدنيا لم تخلُ من معتنقين لفلسفته الطريفة هذه، وأول هؤلاء المعتنقين دولتكم المعظمة!

الدكتور كارل (يحمل سكين الطعام ويسددها إلى قلبه)

أتريدين أن أغمد هذه السكين في صدري؟!

ضحكات مرتفعة، وقرقعة صحون، وانحناءة من رئيس الطهاة….

حكايات من الرحلات/ 1954

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى