متى تكون العزلة «دواءً»؟

آسيا الصقري
ما بين شخص ناقم على الآخرين، وكاره لواقعه الذي يعيش فيه، يرى البعض أن «العزلة» هي ذلك الدواء الشافي للخلاص من الضغوط والأحمال الثقيلة التي تُغرق القلب في بحر من الأشجان.
في السياق نفسه، هناك شخص متقلب المزاج، حادّ الطبع، متذمّر من بعض الظروف التي تلاحقه، يجد نفسه مكبلاً بأغلال الأفكار السوداء، ويرى أنه لم يعد يستطيع الصمود أمام كمٍّ من المسؤوليات المتراكمة على ظهره، ويجد أن في «العزلة» سلاماً يرتقي به نحو بلوغ مراتب الهدوء النفسي، على أقل تقدير، وانعزالاً تاماً عن كل مؤثر يمكن أن يزيد من ألمه.
وسط كل ذلك، نسأل أنفسنا: هل العزلة عقاب للذات أم استراحة محارب؟ يرى جمع من الناس أن «العزلة» في بعض الأحيان تصبح ضرورية من وقت إلى آخر، ومبعث هذه النظرة ليس الاستشفاء من العلل التي يجلبها لنا الآخرون، ولكن، بحسب ما سمعناه من الغير، التقاط الأنفاس، وإعادة ترتيب الأفكار التي يبعثرها الآخرون من حولنا، وأصبحت أكثر تأثيرًا في مجريات حياتنا!
وسواء أكنت ممن يحبون «العزلة» أم من الذين يكرهونها، فإنك، في كلتا الحالتين، وفي بعض الأوقات، تكون مجبراً على تقبّلها، خاصة عندما لا تجد منفذاً آخر يعيد إلى نفسك الهدوء النفسي الذي تبحث عنه، أو من أجل شحن طاقتك بنوع من الإيجابية بعدما شعرت باختلال واضح في معنوياتك ومدى تقبّلك للحياة، وسط جملة من الضغوط والإحباطات التي تأتيك من الأشخاص الذين يحيطون بك أو يؤثرون فيك، سواء في العمل أو في الحياة العامة.
أمر «العزلة» لم يكن بعيداً عن تناول الناس، فالأدبان العربي والغربي كانا يعجّان بالكثير من الأعمال التي تحدثت عن العزلة على مدى التاريخ الطويل. فقد تعرّض فوج من الكتّاب والأدباء لحتمية «العزلة» بنظرات متباينة؛ بعضهم اعتقد أن «العزلة» هي سلاح يعيد إلى الإنسان القوة، ويبعده عن الضغوط، ويجعله أكثر صمودًا في مرحلة أخرى من الواقع.
حاولت أن أفتش عن نظرة الأدباء والمفكرين إلى «العزلة»، فوجدت الكثير من العبارات التي لا أجزم بأنها تحمل أسماء أصحابها، ولكن، بحسب ما تم توثيقه، وجدت أن للفيلسوف والناقد الثقافي والشاعر الألماني فريدريك نيتشه رأيًا في العزلة، إذ يقول: «أنتِ وطني، أيتها العزلة، لقد طال اغترابي في بلاد المتوحشين، فها أنا ذا أعود إليك، أيها الوطن».
أما فيلسوف التشاؤم، أرتور شوبنهاور، فيقول: «المرء لا يكون على حريته الكاملة إلا عندما يكون وحيدًا». وهناك قول أجمل قاله الشاعر والكاتب والمترجم البرتغالي فرناندو بيسوا: «الحرية هي امتلاك العزلة؛ حرٌّ أنت إن استطعت الابتعاد عن الناس دون أن تُجبر على اللجوء إليهم».
وأخيراً، نكتفي بقول الروائي الأميركي تشارلز بوكوفسكي: «لكي يسترجع الإنسان عافية مزاجه، لا بد له من إجازة يعتزل فيها البشر».
هذا الاقتباس التاريخي المتعمد، في نظري، إن صدق ما نُشر، ما هو إلا تأكيد على أن العزلة ليست اختيارًا في بعض الأحيان، وإنما هي ضرورة حتمية يلجأ إليها الإنسان طواعيةً، لكي يخلّص أعضاء جسده كافةً من براثن الواقع الصعب، ولكي يستشفي من أمراض الآخرين، وما ينفثونه من سموم تصيب العقول وتؤثر في الأعصاب.
البعض يعتقد أن عزلتنا عن الآخرين هي مرض نفسي نعاني منه، والحقيقة أن العزلة، في حد ذاتها، ليست مرضاً عضالاً، من وجهة نظر شخصية، وهي وجهة نظر تطابق نظرة الأغلبية من الناس الذين يرون أنها مجرد «حالة طبيعية مؤقتة»، مبعثها ومقصدها هما البحث عن الراحة النفسية لفترة محدودة، وإعادة برمجة الأمور وفق مسارها الصحيح، ليعود الشخص ليكمل مشوار الحياة بهدوء، وبقدرة أكبر على امتصاص الصدمات، وتحمّل الضغوط، ومعالجة الأمور.
وهنا يقودنا الحديث نحو التفريق بين «عزلة الصغار» وعزلة الكبار؛ فكل مرحلة عمرية لها إطارها الخاص، ويجب علينا ألا نخلط الأوراق بعضها ببعض حتى لا نقع في الخطأ.
في مراحل عمرية مبكرة، تُصنّف «العزلة» على أنها مرض يجب إخضاع الطفل لعلاج نفسي حتى لا يصاب بأمراض التوحد وغيرها، أما في مرحلة متقدمة من العمر، فالإنسان الناضج، المتزن عقليًا ونفسيًا، لا يحتاج كثيرًا إلى دعم طبي بقدر ما يحتاج إلى دعم اجتماعي؛ فكلما كان الإنسان متآلفًا مع واقعه وطريقة عيشه، ومتفاعلًا مع الناس، كان شخصًا أكثر تقبّلًا للحياة، من دون الحاجة إلى الخضوع لعلاج نفسي.
سلطنة عمان



