آراء و مقالات

«مصلوبٌ على باب الرّقة» لـ أحمد رشاد.. قصائد تستعيد ذاكرة مدينة من الركام

عبد الكريم البليخ

صدر حديثاً عن دار سامح للنشر في السويد ديوان الشاعر السوري أحمد رشاد بعنوان «مصلوبٌ على باب الرّقة»، في 88 صفحة من القطع المتوسط، ليقدّم تجربة شعرية تستعيد مدينة الرّقة من بين طبقات الحرب والخراب، وتعيد تشكيل ذاكرتها عبر قصائد التفعيلة، حيث يمتزج التاريخ بالمكان، والحنين بالفقد، والذاكرة الفردية بجرح جماعي ما يزال مفتوحاً.

ليس هذا الديوان مجرد مرثية لمدينة أصابها الدمار، ولا استعادة عاطفية لماضٍ غابر، بقدر ما هو محاولة لإنقاذ صورة المكان من أن تختزل في الحرب وحدها. فالرّقة عند أحمد رشاد ليست جغرافيا صامتة، بل كائن حيّ يتألم ويتذكر ويحتج، ومدينة تحمل في جسدها آثار من مرّوا بها، وتبدو في القصائد كأنها معلقة بين صورتين: واحدة تسكن الذاكرة بما فيها من نهر وأسواق ومساجد وطفولة وحكايات، وأخرى خرجت من سنوات العنف محمّلة بالركام والغياب والأسئلة.

ذاكرة تواجه الخراب

ومنذ المفارقة الصادمة: «في بلدتي مات من عاش، وعاش من مات»، يفتح الشاعر باباً على عالم انقلبت فيه المعايير، حتى غدا الموت جزءاً من الحياة، وأصبح الناجون أنفسهم يحملون شيئاً من موت الذين رحلوا. إنها عبارة تختصر الحالة النفسية لمجتمع لم يفقد بيوته وأحبته فحسب، بل فقد أيضاً شعوره القديم بالأمان، واضطر إلى إعادة تعريف علاقته بالمكان والذاكرة والنجاة.

تتجلى الرّقة في نصوص الديوان بوصفها بؤرة للتراجيديا، لكنها ليست ضحية صامتة. إنها المدينة التي «تُشنق الطفولة» فيها، بينما ينام الوقت مقلوباً، وتتجاور القداسة والسمسرة، والبراءة والقسوة، والخبز والدم. ومن خلال هذه التناقضات يبني رشاد عالمه الشعري، كاشفاً أن الخراب الحقيقي لا يتوقف عند سقوط الجدران، وإنما يمتد إلى القيم والعلاقات والوعي الجمعي، حين يصبح الإنسان غريباً في مدينته، ويبحث تحت الركام عن ملامحه كما يبحث عن وجوه الذين غابوا.

ويستعيد الشاعر تفاصيل البيئة الرقّاوية والفراتية بوصفها ذاكرة مقاومة للنسيان. يحضر نهر الفرات، والبليخ، والسوق الطويل، والمسجد الحميدي، وشارع الوادي، وحارة البدو، وخبز الصاج، والحرمل، والتوت، والقهوة، لا بوصفها زخارف مكانية، بل علامات على حياة كاملة كانت هنا. فكل اسم مكان يبدو كأنه شاهد يحاول الشعر استنطاقه قبل أن تطمسه التحولات أو تمحوه ذاكرة الحرب.

وفي مقابل الحاضر الجريح، يستدعي رشاد التاريخ، فيحضر هارون الرشيد وجعفر البرمكي وغيرهما من رموز الذاكرة الحضارية، ليضع ماضي الرّقة في مواجهة حاضرها. ولا يأتي هذا الاستدعاء بدافع الحنين المجرد إلى زمن مزدهر، وإنما بوصفه أداة نقدية تسائل المسافة الهائلة بين ما كانت عليه المدينة وما آلت إليه. كأن القصيدة تسأل، من دون خطاب مباشر: كيف لمدينة حملت كل هذا التاريخ أن تصبح مسرحاً لكل هذا الفقد؟

وتتعمّق هذه المفارقة في صورة «الرقتين»: رقّة شيّعها الرشيد وبكى عليها، وأخرى «تبحث عن صورتها وسط اللهب». وبين المدينتين يقف طفل بلا ذراعين، يجمع أشلاءه عبثاً كي تنهض «سيدة البلاد» من تحت الرماد. هنا يبلغ الرمز ذروته، إذ يتحول الطفل إلى صورة عن جيل كامل دفع ثمن صراعات لم يخترها، فيما تصبح محاولة جمع الأشلاء استعارة عن مجتمع يحاول ترميم ذاته وذاكرته بعد أن مزقتها الحروب والانقسامات وتعدد الانتماءات.

الشاعر أحمد رشاد

لغة الديوان كثيفة بالمجاز والصور والإشارات التراثية، وتتحرك بين الرثاء والاحتجاج والسخرية السوداء. وتتكرر مفردات الماء والنهر والرماد والخبز والدم والطفولة، لتصنع شبكة رمزية يتصارع داخلها الموت مع رغبة دفينة في البقاء.

ويستفيد رشاد من إيقاع قصيدة التفعيلة ومن التكرار والنداء والاستفهام، مانحاً نصوصه توتراً نفسياً ينسجم مع عالم يكتب من داخله، لا من موقع المتفرج عليه.

ولعل القيمة الأعمق في «مصلوبٌ على باب الرّقة» تكمن في انحيازه إلى الذاكرة باعتبارها شكلاً من أشكال المقاومة. فحين تُدمَّر المدن لا تكون الخسارة في الحجر وحده، بل في القصص والأسماء والوجوه والعادات الصغيرة التي صنعت روح المكان. ومن هنا تبدو الكتابة محاولة لحماية الرّقة من موت آخر؛ موتها في الذاكرة، أو اختزالها في صورة الحرب والخراب التي التصقت بها طويلاً.

الشعر يهزم النسيان

أحمد رشاد شاعر وكاتب سوري من مواليد عام 1965 في قرية أعيوج بريف الرّقة، تخرّج في قسم اللغة الإنكليزية بكلية الآداب، وعمل مدرساً للغة الإنكليزية، كما خاض تجربة صحفية امتدت نحو عشر سنوات. يكتب الشعر بالفصحى وباللهجة الفراتية، وتشغل الرّقة وبيئتها وذاكرتها مساحة مركزية في تجربته.

صدر له «وادي الفيض» في الشعر الشعبي عام 1999، و«الذبيح يسير حياً» في الشعر الفصيح عام 2002، إضافة إلى مجموعات إلكترونية منها «السراب»، «هباري»، و«انكسار اللون».

وفي «مصلوبٌ على باب الرّقة» تبدو تجربته أكثر التصاقاً بسؤال المدينة والذاكرة، إذ لا يكتب أحمد رشاد عن الرّقة بوصفها مكان ولادة فحسب، بل بوصفها جزءاً من تكوينه النفسي واللغوي. ولهذا تتداخل الأمكنة والأسماء والتاريخ والطفولة والمنفى والخراب داخل نصوصه، حتى تصبح المدينة بطلة الديوان الخفية والحاضرة في آن واحد.

إنه لا يكتب عن مدينة انتهت، بل عن مدينة ترفض أن تنتهي. مدينة قد تكون جريحة ومعلّقة على أبواب ذاكرتها، لكنها لا تزال تبحث، عبر الشعر، عن صورتها الأولى. وبين الفرات الذي «كان عذباً»، والسوق الطويل، والمسجد الحميدي، والطفل الذي يجمع أشلاءه، والرقتين اللتين تفصل بينهما قرون من التاريخ وطبقات من النار، يحاول أحمد رشاد أن يبني من الكلمات ما عجز الحجر عن الاحتفاظ به.

وربما لا يستطيع الشعر أن يعيد بيتاً تهدّم، أو ذراع طفل بُترت، أو وجهاً غاب إلى الأبد، لكنه يستطيع أن يقاوم محو الذاكرة.

يستطيع أن يحفظ أسماء الشوارع، وروائح خبز الصاج، وصوت الماء، وظلال التوت، وفناجين القهوة، وحكايات السوق، ولهجة الناس، وأسماء الذين مرّوا من هنا.

ويستطيع، قبل كل شيء، أن يقول للأجيال القادمة إن وراء صورة الركام التي ملأت الشاشات مدينة أخرى؛ مدينة كانت تضجّ بالحياة، لها نهرها وأسواقها ومثقفوها وحكاياتها وذاكرتها.

ولعل هذا ما يجعل «مصلوبٌ على باب الرّقة» يتجاوز حدود الرثاء إلى فعل مقاومة بالكلمة؛ فالرّقة، مدينة العجيلي، الأديب الراحل التي خلدها في كثير من في أعماله، «تبحث عن صورتها وسط اللهب» لا تزال، في قصائد أحمد رشاد، قادرة على النهوض من الرماد، ولو في الذاكرة.

ذلك أن المدن لا تموت تماماً ما دام هناك من يتذكرها ويكتب أسماءها. والشعر، وإن لم يكن قادراً على هزيمة الخراب في الواقع، فإنه قادر على هزيمة النسيان.

كاتب وصحافي سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى