هاشم حنون.. مثقلٌ بحرارة الذكرى عند عتبات المدن

جمال العتّابي

كتب الناقد ياسين النصير عن تجربة الفنان العراقي هاشم حنون: “يا للعالم الذي تبنيه وكأنه يخرج للتو من العدم كي يتشكل متجسداً على الأرض… الفنان يصنع مدنه وأمكنته لا العكس”. ليس من المبالغة القول إن هذه العبارة تضع يدها على المفتاح الأكثر دقة لقراءة عالم حنون، ذلك أن المكان في لوحاته لا يظهر بوصفه جغرافيا جاهزة يجري نقلها إلى السطح التصويري، وإنما بوصفه كياناً ينمو داخل اللوحة، ويتشكل تدريجياً من اللون والذاكرة والإيقاع.
هاشم حنون، المولود في البصرة عام 1957، درس في معهد الفنون الجميلة في بغداد، ثم حصل على البكالوريوس في النحت من كلية الفنون الجميلة، قبل أن تقوده التحولات السياسية والحروب إلى الإقامة في الأردن ثم الهجرة إلى كندا عام 2009. وتذكر المصادر الفنية التي قدّمت تجربته أن موضوع المدينة أصبح، منذ استقراره في كندا، أحد المحاور المركزية في أعماله، دون أن يعني ذلك قطيعة مع ذاكرته العراقية، فقد ظل يزاوج بين مشاهد الحاضر وبين ذاكرة الطفولة والمكان القديم. يحمل معه أشياءه: ذاكرة الأمكنة، رائحة البيوت الأولى، الوجوه البعيدة، ضوء الشوارع القديمة، وحتى الخوف الذي علق في العين من سنوات لا يريد أن ينتهي.. يعيد تشكيله، يبدّل ملامحه، يضعه في مواجهة عالم جديد، ثم يبحث لنفسه عن لغة يستطيع بها أن يتكيف مع هذا الواقع.
المدينة عند حنون ليست “موضوعاً” بالمعنى التقليدي، أو خارطة لشارع بعينه أو ساحة أو حي محدد. المدينة تتحول في اللوحة إلى وحدات صغيرة: مربعات، مستطيلات، أقواس، نقاط، أشجار مقتضبة، نوافذ وأبواب لا تفضي بالضرورة إلى مكان معلوم. ومن مجموع هذه العناصر الصغيرة يولد إحساس بمكان أوسع من الجغرافيا، مكان ينتمي إلى الذاكرة أكثر مما ينتمي إلى الخرائط.
هنا تكمن واحدة من أهم خصائص تجربة هاشم: تفكيك المرئي ثم إعادة بنائه وفق منطق شعوري.

الفنان العراقي هاشم حنون
لا يبدو حنون معنياً بمحاكاة الواقع، بل بإعادة إنتاج أثره في النفس. وهذا الفرق هو ما يجعل لوحاته، حتى حين تتضمن معالم مختلفة، تظل واقفة على الحدود الفاصلة بين التشخيص والتجريد. وقد وُصفت تجربته بالفعل بأنها تتحرك في مساحة وسطى بين الواقعية والتعبيرية التجريدية، حيث لا يختفي الشكل كلياً ولا يستسلم اللون لوظيفة الوصف.
إن العنصر الأكثر حضوراً في عالمه هو اللون. بل يمكن القول إن اللون عنده لا يملأ الشكل، وإنما يخلق الشكل. هنا تصبح المفارقة أساسية في قراءة تجربة حنون: كيف يستطيع فنان عاش زمناً عراقياً مثقلاً بالحرب أن يرسم كل هذا الضوء؟
الجواب، في تقديري، ليس في نسيان الماضي، وإنما في مقاومته. فاللون المشرق في لوحاته لا يبدو نقيضاً للذاكرة العراقية، بل نتيجة لها. كأن الفنان يقول، من غير مباشرة: لقد عرفت العتمة، لذلك أريد أن أرى الضوء بكل قوته. وهذه ليست مسألة نفسية فقط، بل اختيار جمالي أيضاً:
الأصفر يتحول إلى فضاء نفسي كامل، والأحمر يشكّل بؤرة حرارية داخل اللوحة، أما الأزرق، فيتحول إلى حقل تأملي يخفف كثافة الكتل الأخرى ويمنح السطح إيقاعاً من السكون.
هذه الاستقلالية التي يتمتع بها اللون تجعل تجربة حنون قابلة للمقارنة مع بعض تجارب الحداثة الأوروبية، إلا أن المقارنة ينبغي أن تُفهم بوصفها مقاربة بصرية وفكرية لا حكماً بالتبعية أو التقليد.
وفي سياق البحث عن المقاربات الجمالية، لا عن مصادر المحاكاة، تقترب بعض أعمال هاشم حنون من عالم “بول كلي”، ولا سيما في اختزال المدينة إلى علامات وكتل ومربعات صغيرة، وفي تحويل العمارة من واقع منظور إلى إيقاع بصري. غير أن هذه المقاربة تتوقف عند حدود اللغة التشكيلية العامة، فمدينة “كلي تنتمي إلى مخيلة حداثية تبحث في أبجدية الشكل، بينما تظل مدينة حنون مثقلة بحرارة الذاكرة العراقية، حتى عندما يرسم مكاناً بعيداً عنها. إنه يستفيد من الحرية التي منحتها الحداثة للون والشكل، لكنه يعيد توطينها في خبرة ذاتية تخصه.
ثمة صلة أخرى، من زاوية مختلفة، مع “كاندينسكي” في تحرير اللون من مرجعيته الطبيعية. فاللون لا يقول هنا: هذا جدار أو هذه شجرة، وإنما يقترح حالة داخلية. غير أن هاشم حنون يظل أكثر التصاقاً بالمكان من كاندينسكي، إذ إن التجريد لديه لا يقطع الصلة بالعالم، بل يُبقي آثاراً منه كي تعمل مثل شظايا الذاكرة.
لا يستقر حنون عند التجريد الخالص، مثلما لا يعود إلى التشخيص بمعناه التقليدي، فهو يترك للواقع بعض إشاراته الضرورية لتصبح وحدات في بناء لوني مستقل.
في عملية الانشاء، تبدو لدى حنون أكثر ليونة ومرحاً، وكأنها وحدات حية قابلة للحركة. وفي بعض اللوحات، يتحول الجسد إلى مساحة رمزية. الفنان لا يذهب باتجاه السريالية؛ فالشخصية لديه تظل متصلة بذاكرة المكان وبخبرة الحياة اليومية.
إذ يكشف البناء التشكيلي لأعماله عن تناقض ظاهري جميل: اللوحة تبدو عفوية في النظرة الأولى، لكنها في حقيقتها شديدة التنظيم. ثمة شبكة خفية تضبط توزيع الكتل، وتوازن المساحات الصامتة مع المناطق المكتظة. الفراغ ليس بقية لم تُنجز، بل عنصر إنشائي ضروري، ولذلك تحتفظ بعض الأعمال بمساحات واسعة رمادية أو بيضاء تعمل كحقل تنفّس، في مقابل تجمعات لونية مشحونة. إن دراسة حنون لفن النحت في أكاديمية الفنون، ربما يساعد على تفسير هذا الحس البنائي.
تجربة هاشم حنون لا تحتاج دائماً إلى رمز مباشر. كي يشير إلى انتمائه إلى الوطن لا ضرورة للنخلة أو القبة أو الزقاق كي نقول إن المكان عراقي. ثمة حرارة لونية، وتلاصق معماري، واحتشاد للوحدات، واستدعاء للأصفر الترابي والأحمر والبرتقالي، تجعل بعض لوحاته تستبطن ذاكرة مدن الجنوب حتى عندما يكون موضوعها مدينة كندية. إن المنفى، بهذه الصورة، لا يلغي المكان الأول وإنما يعيد تنظيمه.
لهذا يمكن القول إن التجربة تتجاوز ثنائية “الوطن والمنفى”. فهو لا يرسم الوطن بوصفه حنيناً مباشراً، ولا يرسم المنفى بوصفه قطيعة. إنه يصنع مكاناً ثالثاً، مكاناً جمالياً لا وجود له خارج اللوحة. وهنا تحديداً تتضح قيمة تجربته. فهو ليس معنياً بأن يثبت لنا أن العالم جميل. العالم، في تجربته، ليس جميلاً دائماً. لكنه يصر على أن الجمال ممكن.
إن هاشم حنون، في المحصلة، لا يرسم المدن بقدر ما يرسم فكرة السكن في العالم. ومن اللون يقيم بيوته، ومن الذاكرة يشق طرقه، ومن التجريد يمنح المكان حريته. لذلك تبدو لوحاته كأنها تقول إن المدن التي نفقدها في الواقع يمكن أن نستعيدها في الفن، لا كما كانت، بل كما حفظتها الروح.
كاتب وناقد وصحافي عراقي


من أعمال الفنان هاشم حنون




