يوميات

هدر الوقت يقتل العمر

د. تمام كيلاني

قرأت اليوم مقالاً طويلاً على وسائل التواصل الاجتماعي لشخص سوري أو عربي يتحدث فيه عن ألمانيا، عن المدن والقرى، عن صخب الحياة الحديثة وهدوء الأرياف، وعن الإنسان الذي يركض طوال اليوم كأنه داخل سباق لا يعرف متى بدأ ولا أين سينتهي.

لكن أثناء القراءة شعرت أن القضية أعمق بكثير من مجرد مقارنة بين مدينة وريف، أو بين الشرق والغرب.

القضية الحقيقية هي: كيف ينظر الإنسان إلى الزمن؟

هناك شعوب تعتبر الوقت مادة الحياة نفسها، وشعوب أخرى تتعامل معه وكأنه شيء فائض يمكن التخلص منه.

في أوروبا عموماً، تشعر أن الزمن حاضر في كل شيء. في المواصلات، في المواعيد، في العمل، في احترام الدور، وحتى في العلاقات الاجتماعية.

الناس هناك لا يتحركون بسرعة لأنهم يحبّون الركض فقط، بل لأنهم تعلموا منذ الصغر أن الدقيقة جزء من العمر، وأن العمر رأس مال الإنسان الوحيد. ولهذا بنوا حضارتهم على فكرة بسيطة لكنها عميقة:

أن الوقت ليس مجرد ساعات تمر… بل حياة تُستهلك. أما نحن، في عالمنا العربي، فلدينا علاقة مختلفة تماماً مع الزمن. وللأسف، كثيرون منا لا يشعرون بقيمة الوقت إلا بعد ضياعه.

نحن لا نقول: «كيف نستثمر الوقت؟»، بل نقول: «كيف نُمضي الوقت؟».

أو الأسوأ: «تعال نقتل الوقت». وكأن الوقت عدو يجب التخلص منه، لا نعمة يجب الحفاظ عليها.

تجلس ساعات طويلة في المقاهي، أحاديث مكرّرة، وشكاوى لا تنتهي، وأركيلة تمتد حتى الفجر، وضحكات مؤقتة تخفي خلفها فراغاً كبيراً.

ثم يعود الإنسان إلى بيته مرهقاً، لا لأنه أنجز شيئاً، بل لأنه استنزف يوماً كاملاً من عمره دون أن يشعر. وهنا تكمن المأساة الحقيقية. فالوقت لا يضيع مرة واحدة، بل يضيع بالتقسيط.

ساعة هنا، وسهرة هناك، وتأجيل مستمر لكل شيء: للحلم، وللتغيير، وللتعلم، وللبداية.

حتى تصبح السنوات نفسها مجرد دخان يتصاعد بهدوء… مثل دخان الأركيلة التي ظن صاحبها يوماً أنها وسيلة للراحة، فإذا بها تتحول إلى عادة لقتل العمر ببطء. ولذلك قال العرب قديماً:

الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك. وهي ليست مجرد حكمة، بل قانون حياة.

فالزمن لا يرحم أحدًا. لا ينتظر الكسالى، ولا يشفق على المؤجلين، ولا يعود أبداً لمن أهمله.

ويقول الإمام الشافعي رحمه الله:

دقاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ لهُ .. إنَّ الحياةَ دقائقٌ وثوانِ

ما أعمق هذا البيت. فنحن لا نعيش بالسنوات كما نظن، بل نعيش بعدد اللحظات التي نستثمرها حقاً.

ويقول الحسن البصري:

يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك.

أي إن اليوم ليس شيئاً خارجنا… اليوم قطعة منا نحن.

وحين يضيع يوم بلا معنى، فإن جزءاً من أعمارنا يختفي إلى الأبد.

ومع ذلك، لا أعتقد أن المشكلة في العربي كإنسان، ولا أن الأوروبي مخلوق أكثر ذكاءً أو قيمة.

المشكلة في الثقافة التي تشكل نظرتنا للحياة. فنحن نملك ما يفتقده كثير من الغربيين: الدفء الإنساني، وصلة العائلة، وروح المشاركة، والقدرة على الفرح رغم التعب.

لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه النعم إلى أسلوب هروب من الحياة، لا وسيلة لعيشها.

حين تصبح الجلسات الطويلة بديلًا عن العمل، والسهر بديلاً عن الإنجاز، والأحلام مجرد كلام يُقال كل ليلة ثم يُنسى مع شروق الشمس.

في أوروبا قد تجد إنساناً وحيداً… لكنه يتحرك نحو هدف. وعندنا قد تجد إنساناً محاطاً بعشرات الناس… لكنه واقف في مكانه منذ سنوات.

وهذا هو الفرق المؤلم.

الأوروبي يخاف أن يضيع وقته، أما نحن فأحياناً نخاف من الفراغ، فنملأه بأي شيء… حتى لو كان استنزافاً للعمر.

ولهذا تبقى الأمم المتقدمة متقدمة، ليس لأنها تعمل أكثر فقط، بل لأنها تفهم معنى الزمن. تفهم أن الحضارات لا تُبنى بالشعارات، بل بالساعات الصغيرة التي لا يراها أحد:

ساعة قراءة، ساعة تعلم، ساعة عمل، ساعة التزام. أما الأمم التي تعتاد قتل الوقت، فإنها تقتل معها أحلامها ومستقبلها دون أن تشعر.

يظل الوقت ليس مالًا فقط. المال قد يعود، أما الوقت فلا يعود أبداً.

كل دقيقة تمر من حياتنا تُكتب مرة واحدة فقط، ثم تختفي إلى الأبد. ولهذا ربما كان أخطر ما يمكن أن يقوله الإنسان: «أنا فقط أقتل الوقت». لأن الحقيقة المؤلمة هي: أن الوقت هو الذي يقتلنا بصمت… بينما نحن منشغلون بالسهر حتى الصباح.

رئيس الجمعية الطبية الأوروبية العربية ـ فيينا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى