هل فقد النجم عرش السينما؟
علاء المفرجي

كان النجم السينمائي، قبل نحو نصف قرن، أكثر من ممثل يقف أمام الكاميرا. كان مؤسسة قائمة بذاتها، واسماً قادراً على تحريك الجمهور إلى شباك التذاكر قبل أن يعرف المشاهد شيئاً عن الفيلم سوى أن فلاناً أو فلانة هو بطله. كان اسمه يُكتب بحروف كبيرة على الملصق، وتُبنى حوله الحملات الدعائية، وتُقاس قيمة الفيلم أحياناً بمقدار حضوره فيه. أما المخرج والكاتب والمنتج، فعلى الرغم من أهميتهم، فقد ظلوا في كثير من الأحيان خلف ذلك الضوء الساطع الذي يحيط بالنجم.
في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كان للنجم سطوة حقيقية على صناعة الفيلم. لم يكن مجرد عنصر من عناصر الإنتاج، بل كان جزءاً من القرار الإنتاجي والتجاري، وربما الفني أيضاً. كانت شركات الإنتاج في هوليوود وغيرها تعرف أن اسمًا مثل مارلون براندو أو بول نيومان أو ستيف ماكوين أو كلينت إيستوود يمكن أن يكون ضمانة أولى لإقبال الجمهور. وفي العالم العربي، كانت أسماء مثل عمر الشريف، فاتن حمامة، رشدي أباظة، سعاد حسني، أحمد مظهر وغيرهم قادرة على تحويل الفيلم إلى حدث جماهيري بمجرد الإعلان عنه.
كان الجمهور، في ذلك الزمن، يذهب إلى السينما ليرى «النجم» بقدر ما يذهب لمشاهدة الفيلم. لقد تشكلت علاقة عاطفية بين المتفرج والشخصية السينمائية التي يجسدها الممثل. كان النجم يحمل معه صورة ذهنية كاملة: الرجل القوي، العاشق، المغامر، الشرير الساحر، المرأة الجميلة، الأم، الفتاة الحالمة أو الشخصية المتمردة. وكان الجمهور ينتظر منه أن يكرر، بدرجات مختلفة، تلك الصورة التي أحبّها.
لكن هذه السلطة أخذت تتراجع تدريجياً. وليس من الدقة القول إن النجوم اختفوا؛ فالسينما المعاصرة لا تزال تنتج أسماء لامعة قادرة على جذب الجمهور. غير أن مفهوم «النجم» نفسه تغير بصورة عميقة. فقد انتقلنا من زمن كان فيه النجم هو مركز الفيلم إلى زمن أصبح فيه الفيلم، أو الشخصية، أو العالم الذي يصنعه الفيلم، أكثر أهمية من اسم الممثل أحياناً.
أحد أسباب هذا التحول هو تغير الصناعة ذاتها. فقد أصبحت السينما أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا والمؤثرات البصرية والعوالم الرقمية، بحيث لم يعد الممثل وحده هو الذي يصنع فرادة الفيلم. في أفلام ضخمة كثيرة، قد تكون الشخصية الخيالية أو العالم البصري أو العلامة التجارية للفيلم أقوى من اسم الممثل نفسه. المتفرج يذهب لمشاهدة عالم «مارفل»، أو «ستار وورز» أو سلسلة ناجحة، وليس بالضرورة لمشاهدة ممثل بعينه.
وهنا حدث انقلاب مهم: الشخصية أصبحت نجمة. بات الجمهور يعرف الرجل الوطواط، والرجل العنكبوت، وجيمس بوند، وإنديانا جونز، وغيرهم، وربما يعرف أسماء الشخصيات أكثر مما يعرف أسماء الممثلين الذين تناوبوا على أدائها. وهذا أمر لم يكن مألوفاً بالدرجة نفسها في العصر الذهبي للنجم السينمائي. لقد أصبحت الشخصية قابلة للاستمرار حتى بعد رحيل الممثل عنها، بينما كان النجم القديم هو الذي يمنح الشخصية جزءًا كبيرًا من وجودها.
ثم جاءت التلفزيونات المتعددة، والفيديو، وأقراص الأفلام، ثم الإنترنت ومنصات البث، لتضرب فكرة «الموعد السينمائي» في الصميم. في الماضي كان الجمهور ينتظر الفيلم، وربما أسابيع أو أشهر، كي يراه في قاعة السينما. وكان حضور النجم في الفيلم حدثًا جماعياً تتناقله الصحف والمجلات والإذاعات. أما اليوم، فالممثل يعيش وسط ملايين الصور والمقاطع والأخبار والمنشورات. لم تعد صورته نادرة، والنادر في عالم الصورة يكتسب عادةً قيمة أكبر.
لقد كان النجم القديم يعيش في حالة من «الندرة». نراه في فيلم، ثم ننتظر فيلمه التالي. أما نجم اليوم فيظهر في المقابلات والإعلانات والمهرجانات ومواقع التواصل والمقاطع القصيرة والصور اليومية. إن الإفراط في الحضور قد يبدد شيئاً من السحر الذي كان يحيط بالنجم في الماضي.
ناقد سينمائي عراقي



