يونايتد… هل أصبح المجد عبئاً؟
عبد الكريم البليخ

في «أولد ترافورد»، حيث اعتادت الجماهير أن تقيس الزمن بالبطولات، بات الانتظار أثقل من قدرة المدرجات على الاحتمال. لم تكن خسارة مانشستر يونايتد أمام بورنموث بثلاثة أهداف نظيفة مجرد تعثّر جديد في الدوري الإنكليزي؛ كانت مشهداً مؤلماً لفريق يبحث عن صورته فلا يجدُ سوى ظلالها. وحين يفقد النادي الكبير ثقته بنفسه، تصبح المسافة إلى مرمى المنافس أطول، ويغدو القميص، بكل ما يحمله من تاريخ، حملاً على أكتاف لاعبيه.uf+
جاءت الهزيمة بعد سقوط قاسٍ أمام كومو الإيطالي بأربعة أهداف مقابل هدف واحد في دوري أبطال أوروبا، فازدادت وطأة الأسئلة المحيطة بالمدرب مايكل كاريك.
سبعة أهداف استقبلتها الشباك في مباراتين، وثماني مواجهات متتالية بلا انتصار؛ أرقام تكشف اتساع الأزمة، لكنها لا تروي وحدها حكاية فريق يتراجع كلما بدا أنّه اقترب من استعادة توازنه.
الأهداف المسجلة في مرمى يونايتد أظهرت عجزه عن بناء رد مقنع، وفي سهولة تحوّل أخطائه إلى فرص للمنافس. وكان بورنموث أكثر وضوحاً في مقصده، وأقدر على تحويل ثقته إلى فعل داخل الملعب.
ومع ذلك، فإن اختزال المشهد في أخطاء الدفاع أو قرارات المدرب يمنح المتابع تفسيراً سريعاً، ويترك أصل المشكلة بعيداً. فالفرق التي تتعثر مراراً قد تدخل دائرة نفسية مغلقة: الخوف من الهزيمة يُضيّق مساحة المبادرة، والتردّد يمنح الخصم شجاعة إضافية، ثم تأتي النتيجة لتؤكد المخاوف القديمة. هكذا يمكن للاعب الموهوب أن يفقد بساطته، وأن تصبح التمريرة الآمنة تعبيراً عن القلق أكثر مما تكون اختياراً فنياً.
في هذا المناخ، اكتسبت مطالبة برونو فرنانديش بمزيد من الجرأة دلالة تتجاوز الخلاف حول الأسلوب. وبقاؤه على مقاعد البدلاء أمام بورنموث فتح الباب أمام التأويل، من دون أن يكفي وحده لإثبات طبيعة العلاقة بينه وبين مدربه. لكن الفريق المحتاج إلى استعادة صوته لا يحتمل طويلاً التباس الرسائل بين غرفة الملابس ومقاعد القيادة؛ فالثقة تنمو حين يفهم الجميع أدوارهم، وحين تتسع المسؤولية للنقد والمراجعة.
أما كاريك، فيقف أمام امتحان قاسٍ؛ إذ تتراجع في الذاكرة العامة قيمة ما أنجزه سابقاً كلما اتسعت خيبات الحاضر. وهذه إحدى مفارقات المهنة: يطالب الجمهور المدرب ببناء مشروع يحتاج إلى الوقت، ثم تدفعه النتائج إلى مساءلته عن كل أسبوع يمر. غير أن صعوبة الموقع لا تعفي صاحبه من تقديم إجابات عملية؛ فالهدوء يفقد أثره حين يعجز الناس عن رؤية الطريق الذي يقود إليه.
وللجماهير في هذه الحكاية نصيب يتجاوز الغضب العابر. فالنادي جزء من ذاكرة البيوت، ومن أحاديث الآباء والأبناء، ومن طقوس أسبوعية تمنح الحياة ألفة واستمراراً. لذلك تبدو الهزيمة أحياناً خيبة شخصية، ويبدو تراجع الفريق كأنه تصدّع في شيء مألوف يستند إليه المشجع وسط تحولات يومه. ومن هنا تنشأ قسوة العتاب؛ فالحب الطويل يرفع سقف الانتظار، ويجعل الصمت في المدرجات أكثر إيلاماً من الصخب.
لكن الوفاء للماضي قد يتحول أيضاً إلى ضغط يُعوق الحاضر. لا يستطيع اللاعب أن يستعير شجاعة أسلافه بمجرد ارتداء قمصانهم، ولا يستطيع المدرب أن يستدعي زمناً ذهبياً بخطاب حماسي. يحتاج يونايتد إلى عمل تتضح فيه الخيارات، وإلى عدالة في المحاسبة تشمل اللاعبين والجهاز الفني والإدارة، وإلى شجاعة تعترف بأن السمعة تمنح أصحابها مسؤولية إضافية، ولا تمنحهم حصانة من التراجع.
قد يصبح تغيير المدرب قراراً مطروحاً بقوة، لكن قيمته تتوقف على وضوح ما سيأتي بعده. فالمؤسسات التي تكرر البدايات من دون مراجعة أسباب التعثّر تستهلك الأسماء وتُبقي الأسئلة معلقة.
يونايتد، أمام هذه الخسارة، يحتاج إلى أن ينظر إلى نفسه بصدق: ماذا يريد أن يبني؟ وكيف يستعيد الصلة بين قدراته وأدائه؟ هناك تبدأ العودة الممكنة، حين يتحوّل ألم الهزيمة إلى معرفة، وتصبح الذاكرة دافعاً للعمل، ويسترد الفريق حقه في الأمل بما يقدمه على العشب.
كاتب وصحافي سوري مقيم في النمسا




