سير

عبد السلام العجيلي.. فارس الكلمة وطبيب الفقراء

مؤيد العجيلي

رحل في الخامس من نيسان من السّنة السّادسة من القرن الواحد والعشرين، مغلقاً أول عيادة لطبيب من أبناء الرّقة، ومخلفاً إرثاً أدبياً كبيراً وصل إلى أربعة وأربعين مؤلفاً في القصة القصيرة والرّواية والذّكريات وأدب الرّحلات وفن المقامات، وديوان شعرٍ يتيم.

عبد السّلام العجيلي.. المولود في الرّقة لعائلة حملت لواء العلم والثقافة والسياسة، فكان الابن البكر لأسرة انتظرت طويلاً ولادته التي شكلت علامةً فارقة في الرّقة، إذ غدا عنوانها وجسرها إلى العالم. نال الشهادة الثانوية فكان الأول على سوريا، ليدرس الطب في جامعة دمشق، فكان طبيب الرّقة الأول وأديبها ونائبها وسفيرها وبوصلتها وحامل هموم أهلها ومبعث فخرهم.

افتتح عيادته فيها عام 1945، ثم انتخبه أهلها نائباً عنها في البرلمان السّوري عام 1947، فكان أصغر النواب حينها، ثم قطع الدور النيابي لحاجة جيش الإنقاذ لطبيب، لكنه وجد حاجة الجيش للبنادق والرجال فكان مناضلاً مع كوكبة من أهلها في صفوف جيش الإنقاذ عام 1948، ثم وزيراً لثلاث حقائب وزاريّة بآن واحد هي: الإعلام أصالةً، والخارجية والثقافة بالوكالة عام 1962.

قضى الدكتور عبد السّلام العجيلي حياته حاملاً هموم مجتمعه، من خلال دور ريادي للتعريف ببلده والحفاظ على آثاره وقيمه وتمكين أبنائه علماً وثقافةً، فكان الدّاعم الأول في أي مَحفل ثقافي أو نادٍ رياضي أو فعالية مجتمعية حضارية. كتب المسرحيات للهواة من أبناء الرقة لخلق بيئة مسرحية، وساند فرقة الرّقة للفنون الشّعبية في مجتمع محافظ كان فيه من المحال قبول فتاة تعتلي مسرحاً، كما أسهم في إيصال السينما إلى الرّقة، ولا تزال “سينما غرناطة” التي بناها قائمة. وحزنه على آثار الرّقة المنهوبة حدا به لإقامة النّدوة العلمية داعياً إليها كوكبة من الآثاريين العالميين للتعريف بآثار الرّقة عام 1981، ولعل كل ذلك وغيره كان السّبب في تعريف الرّقة بأنها “بلد يسكنه عبد السّلام”.

خرج من أسرة اقترن اسمها بالقلم والعلم، وتربى تربية إسبارطية في بيت يخفي المشاعر التي توحي بالضّعف. نشأ طفلاً يمتطي صهوات خيل أهله العربية، فشبّ حاملاً أخلاق الفرسان، تزيّنه المهابة وبهاء الطّلعة وطول القامة وعرض المنكبين وقسوة الملامح العربية. فإن تحدث فغير متعجّل، بصوت أجش ولهجة ثابتة لا تجديد عليها ولا تبديل. كما كان باسم المحيا، بهيج الوجه، يُقهقه إذا ضحك. يحمل قسوة الصّحراء وحدة بردها؛ صادق عفوي، يحمل سمات مجتمعه ويلبس عباءته. يصرّ على جميل صفاته، ويحارب الباليات من عاداته. لم تغره حضارة المدن الكبرى، فظلّ حريصاً على الرّقة داراً، رجالها عزوة له، ونساؤها أمهات وأخوات؛ فما وجد المرأة الرّقاوية إلا كذلك حتى في كتبه. ظل لبلده محبّاً مخلصاً، وتفانى من أجل مجتمعه، فنال منه رفعة واحتراماً وقدراً ومحبّةً عزَّ نظيرها، فغدا القدوة والنّبراس.

عاش حياته بأسلوب يجمع بين القبلية والمدنية، يطرب بأنغام الرّبابة، ويتذوق الشّعر الشّعبي، ويصغي لكلمات مقام ينشده مدّاح صوفي. كما يأكل الثّريد بيده، ولا يغلق باب بيته أمام مريض قصده آخر اللّيل، ولا يتقاضى في عيادته أجراً من قريب أو نسيب أو جار أو صديق، وكتب على بطاقة عيادته في شارع العابد بدمشق تخصيص يوم الجمعة مجاناً لفقراء الحال.

التزم بقضايا الوطن، لم يصب بحمى السّجادة الحمراء، وقطع الدّور النّيابي إذ ترك مقعده في البرلمان والتحق بجيش الإنقاذ في فلسطين التزم القضايا القومية رغم أنه وطني بامتياز. لديه وازع ديني، وعرف عنه الالتزام. كان متمسكاً بثوابته لا يساوم عليها: الرّقة بلداً، والعشيرة نسباً، والشام هوىً، وفلسطين القضية.. والأدب هواية، والطّب واجب لخدمة مجتمعٍ أحبه.

كان جمّاع النقائض في شخصيته؛ فهو المتواضعُ والخجول، وهو المحب لذاته، ينأى بنفسه عن الأضواء، ويحب الخلوة والتّأمل، لا سيما على شاطئ الفرات. وعلى وجه آخر كان الشّخصية العفوية من دون تكلّف، والحاضر في المجتمع والمساهم فيه، لا يتخلف عن مكانه في المضافة إذا حلّ المساء.

وصفه بعض النقّاد بـ “البدوي البرجوازي”، أو “البرجوازي النّبيل”، في حين يراه كثير من النّاس بعيداً عن هذا الوصف، إذ كان ينهي سنته الدّراسية بكلية الطّب بدمشق ليلتحق بالعمل في عطلة الصّيف بالرّقة.

قال عنه الشّاعر الكبير نزار قباني: “أروع بدوي عرفته المدينة، وأروع حضري عرفته البادية”.

أما سليمان العيسى فرسم صورة للمنطقة التي خرج منها العجيلي ببيت شعر:

صمتَتْ دهراً.. فلما صهلت خيلها ** والفجر يحبو في الخيام

قذفته فارساً.. جاء على صهوة الحرف ** اسمه عبد السلام

ويظل الحس الوطني بادياً في وجدان عبد السّلام العجيلي من خلال عمله في الطب وما قدمه في هذا المجال، فكان رائد حملة التّطعيم ضد شلل الأطفال، كما كان هذا الحس الوطني يتجلى في أعماله الأدبية: “نحن السوريون ربما كان علينا واجب أن نعود إلى أنفسنا لنلتمس فيها الغنى والقوة والصمود”.

كان آخر ما قاله شعراً قبل وفاته بشهر واحد بتاريخ 5 / 3 / 2006:

غمّض جفونك عن عيون النرجس

           منك استحيت لأن أقبّل مؤنس

نام الحبيب توردت وجناته

            وعيونكن شواخصٌ لم تنعسِ

فأجبنني منهن باقة نرجسٍ

             يا مغرماً بهوى العيونِ النُعّسِ

قبّل حبيبك ما استطعت فإننا

            من شأننا كتمان سر المجلس

ولد في الرّقة، وعاش على أرضها، وأحب مجتمعها، وارتقى بها، واقترن اسمه معها، فكان ابنها البار بها إلى أن واراه ثراها.

إعلامي من الرّقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى