ضحايا الخطأ القضائي

فواز عويد خليل

يُقال إنَّ خلف أسوار السجون حكاياتٍ لا تُروى، وأنينا لا يسمعه أحد. ولسنا هنا نفتح ملف سجناء الفكر والرأي، فذلك وجعٌ آخر، بل نسلّط الضوء على أولئك الأبرياء من عامة الناس، الذين خانتهم اللحظة، ووضعتهم الأقدار في المكان الخطأ، في الزمن الخطأ. كانوا شهودَ صدفة، فتحوّلوا إلى متهمين، وأُلقيت على أكتافهم خطايا لم يقترفوها، فدفعوا أعمارهم ثمناً لخطأ لم يصنعوه.
ومن عتمة دهاليز العدالة، نُخرج هذه القصة المثقلة بالدمع؛ زوجٌ قُتل بدمٍ بارد بعد أن سُرقت أمواله، فسُلبت حياته قبل أن يُنصفه أحد، وزوجةٌ كُتب عليها أن تمكث أكثر من عامٍ ونصف خلف القضبان، لا لأنها أذنبت، بل لأن الحقيقة تأخرت، والظلم كان أسرع وصولاً.
في بداية الثمانينات من القرن العشرين المنصرم حدثتْ جريمةٌ مروّعةٌ في مدينة الرقّة ذهب ضحيتها رجلٌ، ولكن ظُلمتْ زوجتُه وقضتْ سنةً ونصفاً في السجن على ذمّة التحقيق ظلماً، بسبب خطأ ارتكبه بعضُ القضاة جهلاً، حتى ظهرتْ الحقيقةُ صدفةً بعد القبض على المجرم الحقيقي. ومن ثمّ أُعلنتْ براءتُها وأُخلي سبيلُها بعد معاناة السجن المريرة والإساءة لسمعتها عند معارفها…
والحادثة على النحو التالي:
عندما كان سوقُ الهال للخضار والفواكه موجوداً في وسط مدينة الرقّة، في حارة السخاني سابقاً، كان هناك لصٌّ مجرمٌ محترفٌ يتردّد على هذا السوق ويراقبُ الباعةَ الذين يقبضون المال من زبائنهم لكي يصطادَهم ويسرقَ مالهم. وقد شاهد يوماً أحدَهم وهو يضع رزمةً ضخمةً من المال في جيب (جاكيته) الداخلي، فظلّ يُراقبه حتى انصرف الرجلُ إلى بيته في حارة السور، وتبعه إلى هناك وشاهد البيت وراقبه جيداً. وكان بيتاً عربياً بسيطاً له حوش، ويحيط به جدارٌ طيني منخفض الارتفاع.
وفي منتصف ليل ذلك اليوم حضر اللصُّ المجرمُ وتسوّر الجدارَ الطيني وأصبح في ساحة الحوش. وباعتبار الوقت كان صيفاً، شاهد فراشين متجاورين لشخصين نائمين: أحدهما ينام فيه الرجل البائع المقصود، والثاني تنام فيه زوجته. فاقترب من فراش الرجل ومدّ يده بهدوء تحت مخدّة رأس الرجل النائم لكي يسحب (الجاكيت) الموجود تحت المخدّة، والذي يوجد في جيبه المال المقصود. وفي تلك اللحظة استيقظ الرجلُ النائم، والتقت عيناه بعيني اللصّ المجرم الذي كان يحمل مسدساً بيمينه، وفوهته موجّهة مباشرةً إلى وجه الرجل البائس. فما كان من الرجل الخائف من المسدس إلا أن طمر رأسَه كلّه تحت اللّحاف، وكأنه يقول لذلك اللصّ: خذ ما تريد ولا تؤذِني. ولكن اللصّ المجرم، الذي نزع اللهُ من قلبه كلَّ رحمة أو شفقة أو إنسانية، وضع فوهة المسدس على اللّحاف فوق رأس الرجل البائس وأطلق الرصاص عليه فقتله.
عندها صدر صوتُ الطلقة مكتوماً، لكنه أيقظ الزوجةَ النائمة بجوار زوجها. وما إن رفعت رأسها حتى التقت عيناها بعيني ذلك اللصّ المجرم، وفي يده مسدسه وفوهته مصوّبة نحوها. فارتعبت وشعرت بذعرٍ شديد كتم أنفاسَها وحبس صوتَها في صدرها، ولم تتمكّن من الصياح والصراخ لهول المفاجأة. فاقترب منها اللصّ وهي بهذه الحالة من الرعب الشديد والتيبّس وعدم القدرة على النطق، وسلبها عقدها وخاتمها وإسورةً ذهبيةً في يدها، وأخذ المال الموجود في جيب جاكيت الرجل القتيل، وغادر البيت مسرعاً… وكأنّ شيئاً لم يكن.
بعد انقضاء عدّة دقائق على الجريمة المروّعة تلك، استطاعت الزوجةُ المكلومة استرداد أنفاسها وصوتها بعد لأْي، فصاحت وصرخت بأعلى صوتها: حرامي… حرامي… فهرع إليها بعضُ الجوار، وروتْ لهم ما حدث، وشاهدوا جثّةَ زوجها وهي تنزف دماً، واتصلوا فوراً بالشرطة والنيابة العامة. وتمّ التحقيقُ بواقعة الجريمة الشنعاء، وكتابة الضبوط، وأخذ البصمات، وما شابه ذلك من إجراءات شكليّة وقانونيّة.
ولكن المفاجأة المدهشة أنّ النيابة العامة وجّهت التهمةَ للزوجة المكلومة، واعتبرتها شريكةً في الجرم، لأنّ المجرم لا بدّ أن يكون صاحبَها، وأنها تستّرتْ عليه حتى أنهى جريمتَه وهرب. ولذلك تراخت في الصراخ والصياح حتى هرب وغادر موقع الجريمة، وبعد ذلك بدأت بالصراخ والصياح واستنجدت بجيرانها.
وبناءً على ذلك تمّ توقيفها وإيداعها السجن على ذمّة التحقيق، رغم أنّ أهلَ الزوج وأهلَها اعترضوا على اتهامها بهذا الجرم الشنيع أمام النيابة العامة، لأن ابنتهم شريفة وعفيفة ولا تشوبها أي شائبة ممّا نسبته النيابة العامة لها من مشاركة في هذا الجرم دون أيّ دليل يُذكر يؤيّد هذا الاتهام المزعوم.
ولكن، ورغم ذلك، استمرّت النيابةُ العامة والقضاء في ظلم تلك المرأة المكلومة بقتل زوجها، وتلطيخ سمعتها وشرفها بجرمٍ لم ترتكبه أبداً، وتمّ حبسُها سنةً ونصفَ السنة على ذمّة التحقيق انتظاراً للقبض على اللصّ المجرم الحقيقي الذي قتل الزوج وسرق المال.
والأدهى والأغرب من ذلك أنّ الزوجة البائسة المكلومة دخلت السجن وهي حامل وفي أشهرها الأخيرة من حملها، ووضعت مولودَها طفلاً رضيعاً في السجن. وهنا حدثت مشكلةٌ قضائية جديدة، وتساؤلٌ جديد: كيف يُترك الطفلُ الوليد في السجن، وبأيّ صفة قانونية؟؟
لأنّ السجن وُجد أصلاً للموقوفين والسجناء والمحكوم عليهم بأحكام قطعية فقط، ولا يجوز قانوناً أن يبقى فيه غيرهم وغير السجّانين فقط. والطفل الوليد ليس مجرماً ولا موقوفاً، ولا يجوز بقاؤه في السجن بحالٍ من الأحوال. وهنا حدث جدلٌ طويلٌ وخلافٌ حادٌّ بين القضاة: بين تطبيق حرفيّة القانون ونزع الطفل من حضن والدته وإخراجه من السجن وتسليمه لأحد أقربائها، وهذا جرمٌ إنسانيٌّ جديدٌ ومقيت يُرتكب بحق الأم وطفلها، وبين تجاهل هذا القانون الجائر للمصلحة العامة وللضرورة الإنسانية، والرحمة والشفقة بهذه الأم المكلومة وبوليدها. وأخيراً انتصرت المصلحةُ العامة والشفقة والرحمة على جور بعض القوانين أحياناً، وتُرك الطفلُ في حضن أمّه في السجن رغم مخالفة ذلك للقانون.
وتشاء الأقدارُ أن يرتكب المجرمُ نفسه جرماً آخر في مدينة الحسكة، حيث كان يراقب محلَّ صائغٍ لبيع الذهب. وفي نهاية دوامه تبع صاحبَه خفيةً إلى منزله، وبعد أن تعرّف على مواصفات المنزل ومداخله ومخارجه داهمه ليلاً وأهله نيام. واستطاع العثور على مفاتيح محلّ الصياغة المعلّقة بطرف بنطال صاحبه، فسرقها وغادر المنزل بسرعة فائقة كعادته، واتجه فوراً إلى محل الصياغة، وفتحه وسرق كميةً ضخمةً من المصوغات الذهبية، وغادر مدينة الحسكة ليلاً باتجاه مدينة الرقة على متن سيارة تاكسي استأجرها خصيصاً له. وبوصوله مدينة الرقة غادرها أيضاً متجهاً إلى مدينة حلب، وأثناء مرور الحافلة التي تقلّه إلى حلب فوق جسر الرقة ألقى مفاتيح محلّ الصياغة الذي سرقه في الحسكة من نافذة الحافلة إلى نهر الفرات.
وعند وصوله إلى حلب وانتظاره عدّة أيامٍ يتسكّع فيها، ذهب إلى أحد محلات الصاغة المنتشرة في مدينة حلب التجارية، وعرض على صاحبها بعض المصوغات التي سرقها بقصد بيعها له. فسأله الصائغ صاحب المحل عن فاتورتها، فأجابه أنه قد أضاعها. ومن خلال تصرّفاته وإلحاحه في بيعها لصاحب المحل بأيّ ثمن، شكّ به صاحبُ المحل وقال له: اجلس هنا وانتظر بضعة دقائق لكي أتصل بأخي هاتفياً، ومحلّه قريب من محلّي، ليجلب لي تكملة المبلغ الذي تطلبه، لأن المبلغ الموجود لديّ حالياً لا يفي بالغرض. ولكن البائع خدع اللصّ واتصل خفيةً بمفرزة من عناصر الأمن الجنائي مخصّصة للتعاون مع الصاغة للقبض على اللصوص الذين يحضرون إليهم لبيع المصوغات الذهبية المسروقة ويُشكّ بهم، مثل هذا اللصّ المجرم.
وما هي إلا بضعة دقائق حتى حضرت مفرزةُ الأمن الجنائي المطلوبة، وألقت القبض على هذا المجرم العتيد، وبدأ التحقيق معه عن كلّ ما ارتكبه من جرائم. وهكذا بدأ بتمثيل جرائمه الواحدة تلو الأخرى، ومنها جريمته الشنعاء التي قتل فيها زوج هذه المرأة المسكينة والمظلومة والمكلومة بمقتل زوجها أمامها، والتي تشوّهت سمعتها ولاكتها الألسن الحادّة دون ذنب جنته، بسبب خطأ بعض القضاة.
وكان عزاؤها الوحيد بعد أن ظهرت براءتها وأُطلق سراحها مقولة:
الحمد لله على سلامتك، لو لم يُقبض على اللصّ القاتل لقضيتِ خمسة عشر عاماً في السجن على الأقل…
بينما لو كانت في دولة أجنبية أوروبية أو أمريكية لحكمت لها الدولة بمبلغٍ ماليٍّ مرقوم تعويضاً لها عن آلامها ومعاناتها في السجن طيلة سنة ونصف ظلماً وبهتاناً…
ولكن شتّان ما بين الثرى والثريّا…
ولو أنّ المال، على كثرته، لا يمحو ولا يجبر معاناة ساعةٍ واحدة من القهر والظلم والافتراء وحجز الحرية.
محام وفنان تشكيلي سوري

