يوميات الشوق إلى الحياة
د. منير الحايك

لماذا نكتب السيرة؟ قد تكون الإجابة سهلة عندما يجيب الكاتب، ولكن لو سألت لماذا نقرأ السيرة؟ أعتقد أن الإجابة تصبح أكثر إشكالية. فالكاتب يظن أن أحداثاً ومواقف وإنجازات حصلت، يريد مشاركتها مع الآخر، المتلقي الذي قد، باعتقاد الكاتب، يستفيد منها، ولكن أن أقرأ السيرة في زمن الثورات الرقمية والذكاء الاصطناعي وسهولة امتلاك المعلومات وسرعتها، وأن أستمرّ بقراءة كتاب اكتشفت أنه سيرة عن طريق الصدفة، لهو أمر يدعو إلى التأمل.
في العادة لا أحب قراءة السيرة، وتحديداً تلك التي يصنفها الكاتب أو الناشر بأنها سيرة روائية أو رواية سيرية، أو غيرها من التصنيفات التي يلجأ إليها الكاتب ليجنّب نفسه مساءلة ما أو تحييداً ما لأحداث أو مواقف لا يريد ذكرها، ولأسباب كثيرة قد لا تكون حاضرة في ذهني، ولكن أن تقرأ نصّاً، لكاتبة تعرف أسلوبها والتزامها ومواقفها والفنية الجميلة التي تحكم نصوصها، ظنّاً منك عندما قرأت العنوان “المساكنة الملعونة” (منشورات الربيع 2026) بأنه قد يكون مجموعة قصصية، فتكتشف أنّه سيرة، أو يوميات لمرحلة قريبة من حياة الكاتبة سوسن جميل حسن، تقول “لقد وقعنا في الفخّ”، ولكن الأمر مختلفٌ بشكل آسِر.
هي “يوميات الشوق إلى الحياة” بعنوانها الفرعي، والفكرة منها لن تكون كما ظنّها المتلقي. هي يوميات سوسن جميل حسن، الطبيبة السورية المستقرة في ألمانيا بعد سنوات قليلة من بدء الأحداث في سوريا عام 2011، يومياتها مع مرض السرطان الفعلي الذي عاشت معه تسعة أشهر مع بداية العام 2025، وأجرت بسببه عمليتين في رأسها خلال أيام قليلة، تقرر الكتابة عن هذه الأشهر، وتستعيد الكثير خلالها من ذكريات وأحداث، فتكون يوميات السرطان والتعافي والإرادة وحب الحياة، وأبدأ حيث انتهت هذه اليوميات بما قالته الكاتبة “أعرف شيئاً واحداً فحسب، أن الحياة غاوية وجميلة، هذه قوتها في تحدّي الموت. أيتها الحياة، أشتاق إليكِ، فهل تشتاقين إليّ؟”.
ما يشدّ المتلقي إلى هذه اليوميات، أنها لم تكن بكائية المريض في صراعه مع المرض، ولا عنجهة القويّ الذي يُصارع المرض وينتصر، ولا صوت الطبيب الذي يوصّف ويعطي النصائح، بل كانت يوميات الأديب المثقّف، ابن البلاد التي كان يرى سرطانها متزامناً مع سرطانه، في الوقت الذي ظنّ فيها هذا المثقّف، بأنّ البلاد ستستعيد عافيتها وحياتها بعد سقوط نظامٍ، ولكنه يفاجأ بأن السرطان الجديد كان مستعدّاً وجاهزاً لتبدأ معه البلاد رحلةً كرحلة الكاتبة.
النص بما فيه من أسى وحزن، من خلال الاسترجاعات والذكريات، ومن خلال التداعي والبوح، كان نصّاً متفائلاً برأيي، وإصرار الكاتبة على النشر، (وللملاحظة قد حصل النشر بشكل سريع، فقد انتهت الكاتبة في 21 ديسمبر 2025 من الكتابة وتمّ نشر الكتابة خلال معرض القاهرة نهاية يناير 2026)، لهو خير دليل على الهمّ الذي رافق مرضها بصفتها المثقفة المسؤولة والحاملة لهمّ البلاد، ولكن ما المهمّ بالنسبة إلى البلاد في كتاب توثّق فيه كاتبته لرحلتها مع السرطان؟ أقول إنّ همّ الكاتبة الأول كان هذا الهمّ، وهنا تكمن قوة النصّ وأهميته.
من يعرف الكاتبة قد يحبّ القراءة ليشاركها المعاناة ورحلة التعافي، وقد يشاركها، تأييداً أو تعارضاً، أفكاراً ومواقف سياسية واجتماعية، وهذا أمر طبيعي، فهل يكون النصّ موجّهًا لهؤلاء فحسب؟ وهل ما قامت به الكاتبة مجرّد توثيق لموقف ولرحلة مع المرض قرأنا مثلها الكثير، وسنقرأ؟ أقول إنّ ما حملته الكاتبة على عاتقها، وحمّلته نصّها من ثقل متعلّق ببلادها، لهو الجديد، وهو الضرورة المرجوّة، فما هو هذا الحِمل؟
إنّ واجب المثقّف والمبدع هو ما دفع سوسن جميل حسن للكتابة، وأعتقد أنّ رحلة المرض لم تكن أمراً ملحّاً للكتابة عنه والنشر السريع الذي تمّ، ولكن الملحّ كان أوضاع البلاد، فهمّها كان التوثيق في زمن الكذب وفي زمن تلميع صور المجرم، وفي زمن تغيير العناوين واللافتات، كهيئة تحرير الشام التي وصفها النص بأنها أصبحت الجيش والشرطة بين ليلة وضحاها، والمجازر التي حصلت في الساحل والسويداء، والذل والدمار والخطف، وكلّ أفعال أولائك الذين سيطروا على البلاد وعاثوا فيها فساداً باسم النظام الجديد والدكتاتور الجديد، ولأن كل ذلك حصل في وقت سريع، والتزييف يحصل بخطى أسرع، أرادت الكاتبة أن تقول وتذكر وتتذكر وتوثّق، رأيها على الأقل، لتكون شاهدة على العصر، وأنها هي، “العلويّة” المعارضة لنظام الأسد، وصديقتها، وهنا أذكر على وجه الخصوص الدكتور والكاتبة “الدرزية” نجاة عبد الصمد، المعارضة أيضاً لنظام الأسد، وغيرهما من أسماء كثيرة وردت في الرواية، من أفراد عائلة الكاتبة ومن أصدقائها، هم أبناء البلاد التي ثاروا في وجه الظلم والفساد والقمع… لا من أجل الدين والطائفة، وحلموا ببلادٍ كالبلاد، موجودون ومستمرون في الدفاع عن الحقّ والحقيقة، وفي الانتماء إلى البلاد التي لا بدّ وأن تعود بلادهم.
لطافة آسرة في لغة الكاتبة وصدق التجربة الشعورية تحكّمت في كل مفاصل النص، ومتابعة القراءة كانت أسبابها عديدة، ذكرت بعضاً منها فيما سبق، وأذكر هنا اللغة والأسلوب، وتدفّق للـ “حَكي” سهل ممتنع، وهو أسلوب الكاتبة، لم تحد عنه لأنّ التخييل لم يكن حاضراً.
“المساكنة الملعونة” قصدت بها الكاتبة مساكنة السرطان، وكما وصفتها “المساكنة القسرية مع وحش”، وأنا أرى في العنوان عمق مرتبط بالبلاد، التي لم تكن وطناً واحداً لمواطن يستطيع “تعريف” هذا الوطن، وهنا أقصد أبناء لبنان والشام والعراق وفلسطين… أبناء الهلال الخصيب المقسَّم، لأنّهم ينتمون إلى دين وطائفة ومذهب وعشيرة ومنطقة، ولم ينتموا يوماً، بوصفهم “أمّة”، وبوصفهم مواطنين، إلى وطن نهائي، وأن ما يجمعهم هو وحدة الحياة. فكانت حياتهم منذ مئات من السنوات حتى الآن، مجرّد “مساكنة ملعونة”، يصفها الجهابذة في لبنان على سبيل المثال بـ”العَيش المشترَك” أما في النهاية فأقول لكاتبتنا السوسنة “يطوّللنا بعمرِك”.
كاتب لبناني




