تشكيل

صبيح كلش في “طائر الجنوب” يكتب سيرة الانتماء بصرياً

بغداد ـ رحيم يوسف

باحثاً عن عقال أبي، وحزن عينيه اللتين بقيتا مشرّعتين صوب أرض صباه التي غادرها في ثلاثينيات القرن الماضي مرغماً، هرباً من ظلم الإقطاع، ليسكن في أطراف المدن وهوامشها، أو مقتفياً أثر أمي التي تشربت النواح السومري هناك، وأخذ يسري في دمها حتى آخر لحظات الشقاء التي عاشتها؛ هكذا كنت أجوب أرجاء قاعة العرض بحثاً عن آثارهما منذ قراءتي لعنوان المعرض «طائر الجنوب».

غير أنني لم أجد ذلك متجسداً كما توقعت، لأن الفنان ابتعد عن التشخيص المباشر، وهذا يُحسب له، لكنني وجدت ما أبحث عنه ضمناً من خلال الخطوط والألوان والثيمات التي استخدمها بمهارة كبيرة. إنه الطائر الجنوبي الذي عاد بعد غربة ليست بالقصيرة، حاملاً هموم غربته التي امتزجت بأحزان القصب والبردي، حيث جذوره وجذوري. ولعلني أنحاز لمنجزه لما اتسم به من براعة، ولأنه بحث عن الانتماء إلى جذورنا المشتركة.

كتب الشاعر المصري الكبير أحمد عبد المعطي حجازي:

«أنتِ فاتنة، وأنا هرم، أتأمل في صفحة السنين وجهي، وأقتفي أثراً ضائعاً».

وهكذا، إذن، يقتفي الفنان الأثر؛ الأثر الذي كاد أن يمّحي من الوجود الواقعي، غير أنه ظل حاضراً في ضمائر أبنائه وذاكرتهم، يستعيدونه مرة بعد أخرى على امتداد الزمن.

وضمن سعيه الدؤوب بحثاً عن هوية بصرية جديدة، افتتح الفنان الدكتور صبيح كلش معرضه الشخصي تحت عنوان «طائر الجنوب»، في الساعة السابعة من مساء يوم السبت الموافق الرابع من تموز، على قاعة أيقون للفنون في بغداد. وقد ضم المعرض عدداً من الأعمال الفنية التي ازدانت بها جنبات القاعة، وسط حضور نوعي من جمهور التلقي، وتمحورت اشتغالاته حول مجموعة من الثيمات المستمدة من بيئة الجنوب، حيث تمتد جذور الفنان إلى أهوار العراق.

الدكتور الفنان صبيح كلش

ثمة صفتان متلازمتان يمتاز بهما أبناء الجنوب عموماً ــ ولا أعني بذلك أن أبناء المناطق الأخرى لا يمتلكونهما، غير أنهما لدى الجنوبي تشكلان علامتين فارقتين في حياته ــ وهما: الحزن والحنين.

فالحزن يشكل إرثاً عائلياً يسري في دماء مواليد الجنوب، ذلك الحزن الذي يلف بيوت القصب والبردي بسبب شظف العيش وقسوته، قبل أن يدبغ جلود أبنائه، ويتجسد في الليالي الموحشة التي تتكرر إلى ما لا نهاية، منذ أن وُجد الكون وحتى قيام الساعة، في دوران زمني تعزفه ملايين النايات عند هبوب الرياح بين جنبات القصب والبردي، أو في غناء أهله الذين لم يعرفوا للفرح طريقاً.

أما الحنين، فيتمثل في توق الجنوبي إلى مكان نشأته وجذوره، مهما دارت به الأزمنة أو تبدلت الأمكنة، ليبقى أسيرًا لماء الگواهين وهوائه الرطب، وللطيور المهاجرة، والأسماك التي تتقافز في كل مكان، وللمواويل التي تصدح في آخر الليل، وهي تتطاير مع دخان الكوانين، فتبدد وحشته، لكنها تضيف إليها وحشة الحزن ومرارته. وهذا هو مدار الحنين وترسخه في النفوس إلى الأبد.

ولم يكن الفنان هنا استثناءً؛ فبعد غربة امتدت سنوات طويلة، عاد محملًا بالحنين، مستحضرًا الجنوب في هذه التجربة الفنية.

والفنان الدكتور صبيح كلش، ذو الأصول الجنوبية، وُلد في بغداد عام 1948، وحصل على دبلوم الفنون التشكيلية من معهد الفنون الجميلة – بغداد عام 1970، ثم نال شهادة البكالوريوس في الرسم والتصوير من كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد عام 1974. وفي عام 1981، حصل على الدبلوم العالي من المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة «البوزار» في باريس، ثم نال درجة الماجستير في الفنون الجميلة من باريس عام 1983، وأعقبها بالحصول على الدكتوراه في فلسفة الفن من جامعة السوربون في باريس عام 1987.

عمل أستاذاً في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، وأشرف على العديد من رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه في الفنون التشكيلية، كما شارك في الكثير من المؤتمرات والندوات العلمية والفنية داخل العراق وخارجه.

وأقام عدداً كبيراً من المعارض الشخصية في العراق وفرنسا وعدد من البلدان العربية والأجنبية، كما شارك في عشرات المعارض الجماعية والبيناليات الدولية في مختلف دول العالم.

ونشر العديد من الدراسات والبحوث المتخصصة في فلسفة الفن، والنقد التشكيلي، وجماليات الفن الحديث، وأسهم في كتابة الكثير من المقالات والدراسات في المجلات الثقافية والفنية داخل العراق وخارجه. كذلك اقتنت أعماله مؤسسات فنية وثقافية ومتاحف في العراق وعدد من الدول العربية والأجنبية، فضلًا عن مجموعات فنية خاصة داخل العراق وخارجه.

يقول بابلو بيكاسو، في حوار منشور معه، عن تأثيرات البيئة الحاضنة في الفنان:

«الفنان هو مستودع للانفعالات والمشاعر التي تأتيه من كل مكان: من السماء، ومن الأرض، ومن قصاصة ورق، ومن شكل عابر، أو حتى من شبكة عنكبوت».

ومن الواضح أن هذا القول قد مرّ في ذهن الفنان مرارًا، إذ استثمر بيئته الجنوبية بوصفها واحدة من أهم المعطيات الجمالية التي عاشها وشاهدها عن قرب آلاف المرات، باعتباره ابناً لها. وهذه البنوة منحته حرية كبيرة في تجسيدها، بعيدًا عن كثير من المثبطات التي قد تواجه من يتناولها من الخارج.

ولم يجسدها كما هي الآن، بل استلّها من ذاكرة حفرت علاماتها عميقاً في وجدانه، ليستعيدها مضفياً عليها هالات من الجمال، وكأنه يقدم رداً جمالياً على ما لحق بهذه البيئة من إهمال أفقدها كثيراً من سحرها.

ويستحضر هنا قول بيكاسو الآخر: «أنا أرسم الأشياء كما أفكر فيها، لا كما أراها».

وتلك واحدة من أهم وظائف الفنان؛ أن يستعيد بيئته الحاضنة ويعيد تجسيدها وفق رؤيته الخاصة.

ويتضح من التجربة، بصورة عامة، نجاح الفنان في مسعاه الرامي إلى البحث عن هوية بصرية جديدة تختلف عما سبق، الأمر الذي يشير إلى ولادة مرحلة فنية ذات أسلوب شخصي متفرد، أكثر من كونه مجرد أسلوب في الرسم؛ فهو أسلوب ينتمي إليه، وينطلق من المعطيات الجمالية التي أتاحتها له بيئته، وإن كانت تلك المعطيات مستلة من الذاكرة.

فكلش يؤكد في هذه التجربة فكرة انتمائه إلى الجنوب، لا مجرد رسمه له. لذلك، فهو لا يقدم الجنوب بوصفه نقلًا حرفيًا للواقع، أو بدافع حنين عاطفي ساذج فرضته سنوات الغربة الطويلة، وإنما يمزج بين التشخيص الرمزي والتجريد الزخرفي، ليعبر عن رؤاه المتعلقة بفكرة الانتماء.

وعند النظر إلى التجربة مليًا، نجد أن المفردات التي بثها الفنان، والتي شكلت ثيمات تتكرر في معظم السطوح التصويرية، لم تأتِ اعتباطًا، وإنما جاءت بقصدية واضحة لخدمة التجربة، عبر توظيفها بدلالات متعددة تختلف، في كثير من الأحيان، عن دلالاتها المألوفة.

فالطيور المهاجرة، على اختلاف أنواعها، والأسماك، والمشاحيف، والمشخصات المختزلة إلى أقصى حدود الاختزال، تتحول جميعها إلى أدوات لبناء عالم رمزي ينتمي إلى التجربة، ومن ثم إلى الفنان نفسه. فالمشحوف، على سبيل المثال، يبدو وكأنه تخلى عن قيمته الاستعمالية، ليتحول إلى جزء من الذاكرة، بينما تحولت الأسماك إلى رمز للحياة، وغدت الطيور حاملةً لرسائل الهجرة والحنين والعودة.

كما أن استخدام الفنان للزخارف الهندسية أضفى على السطوح التصويرية ثراءً بصريًا واضحًا، وإن كان قد أدى، في بعض الأعمال، إلى شيء من الاكتظاظ الذي قلل من مساحة الصمت البصري، وهي المساحة التي تمنح المتلقي فرصة أوسع للتأمل والتفاعل مع العمل.

وعلى الرغم من وجود بعض المرجعيات الشكلية التي يمكن للمتلقي أن يلحظها، فإن النظر إليها ينبغي أن يكون في إطار التأثير والتأثر بين الأجيال؛ لكون الفنان قد تتلمذ على أيدي معظم رواد الفن التشكيلي العراقي، وعاصر تجاربهم، واستوعب منجزهم، قبل أن يؤسس لغته البصرية الخاصة.

كما تمكن الفنان من خلق تأثير درامي واضح من خلال الانتقال بين العتمة والضوء، وبالعكس، بما يمنح اللوحات إيقاعًا بصريًا متغيرًا يضاعف من طاقتها التعبيرية.

ولعل من الممكن القول إن معظم السطوح التصويرية بدت وكأنها نصوص شعرية مكتوبة بلغة بصرية، تمتلك أسرارها الخاصة، وتعلن اختلافها عن السائد من خلال منظومة رمزية متماسكة، تستند إلى الذاكرة أكثر مما تستند إلى المشهد الواقعي.

وبمجملها، تمثل هذه التجربة رسائل بصرية يبعثها الفنان ليؤكد من خلالها انتماءه إلى الجنوب، بعد فراق زمني طويل. وهي رسائل تتكئ على الذاكرة بوصفها مصدراً أساسياً لبناء الصورة، لا بوصفها وسيلة لاستعادة الماضي فحسب، وإنما لإعادة إنتاجه بصيغة تشكيلية معاصرة.

أخيراً، ندرك أننا إزاء تجربة مرشحة للاستمرار والتطور، وأنها لن تكون محطة عابرة في مسيرة الفنان، بل ستتحول إلى مسار أسلوبي خاص، يميزه ويمنح منجزه هوية بصرية أكثر رسوخاً، تستمد فرادتها من قدرته على تحويل الذاكرة الشخصية إلى خطاب تشكيلي ذي أفق إنساني وجمالي واسع.

فنان وناقد تشكيلي عراقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى