دكاكين القرفة.. الطفولة بوصفها زمنا سحريا

علاء المفرجي

دكاكين القرنفل للمؤلف البولوني برونو شولز والتي ترجمها لدار المدى هاتف جنابي، مجموعة قصصية مميزة في الأدب البولندي والحديث عموماً، الواضح لا تكتفي بسرد حكايات عن مدينة صغيرة وعائلة تاجر يهودي، بل تحوّل الواقع اليومي إلى أسطورة شخصية مشحونة بالذاكرة والطفولة واللغة الشعرية.
تعتمد أعمال برونو شولتز على استحضار عالم الطفولة بوصفه زمناً سحرياً لا يخضع لقوانين الواقع. فالمدينة الصغيرة التي تدور فيها الأحداث ليست مجرد مكان جغرافي، وإنما فضاء رمزي يمتلئ بالأسرار والعجائب. تتحول الشوارع والدكاكين والبيوت إلى كائنات حية، بينما تتداخل الأحلام مع الأحداث اليومية حتى يصبح من الصعب الفصل بين الحقيقة والخيال. ويمنح هذا الأسلوب القارئ شعوراً بأنه يعيش داخل لوحة فنية أكثر من كونه يقرأ قصة تقليدية.
ومن أبرز الشخصيات في أعمال شولتز شخصية الأب، التي تظهر بصورة متكررة ومتغيرة. فهو تارةً يبدو رجلاً عادياً، وتارةً أخرى يتحول إلى مخلوق أسطوري أو طائر أو حكيم غريب الأطوار. ولا تمثل هذه التحولات مجرد أحداث عجائبية، بل تعكس رؤية الكاتب لعلاقة الإنسان بالعالم، ولرغبة الفرد في التحرر من حدود الواقع. كما تُبرز هذه الشخصية فكرة تلاشي الزمن وتغيّر الهوية، وهي من أهم القضايا التي شغلت الكاتب.
ويتميز أسلوب برونو شولتز بلغة شاعرية كثيفة تعتمد على الاستعارة والرمز أكثر من اعتمادها على السرد المباشر. فالوصف لديه لا يقتصر على نقل المشهد، بل يعيد خلقه بطريقة تجعل الأشياء اليومية تبدو استثنائية. لذلك قد يجد بعض القراء أن نصوصه تحتاج إلى التأمل والصبر، لأنها لا تقدم أحداثًا متسلسلة بقدر ما تقدم رؤى وانطباعات وصوراً متداخلة. ومع ذلك فإن هذا الأسلوب هو ما منح أعماله خصوصيتها وجعلها مختلفة عن كثير من الأعمال الأدبية في عصره.
كما تتناول أعمال شولتز موضوع الذاكرة بوصفها قوة قادرة على إعادة تشكيل الماضي. فالذكريات لا تظهر كما حدثت بالفعل، وإنما كما يعيد الخيال بناءها. ولهذا يبدو الزمن في قصصه غير خطي؛ إذ تتداخل الأزمنة وتختلط الأحداث، ويصبح الماضي حاضرًا باستمرار. ومن خلال هذا البناء الفني يطرح الكاتب أسئلة فلسفية حول طبيعة الزمن والهوية، وحول قدرة الإنسان على فهم ذاته من خلال استرجاع الماضي.
وقد أثّر برونو شولتز في عدد كبير من الأدباء والنقاد، إذ وجدوا في كتاباته نموذجًا للأدب الذي يتجاوز الواقعية التقليدية نحو فضاءات أكثر رحابة. كما أسهمت رسوماته الفنية، إلى جانب كتاباته، في تكوين رؤيته الجمالية الخاصة، فانعكس الحس التشكيلي بوضوح في أوصافه الدقيقة وصوره البصرية المدهشة. ورغم أن حياته انتهت بصورة مأساوية خلال الحرب العالمية الثانية، فإن إرثه الأدبي ظل حاضراً بقوة، وتُرجمت أعماله إلى لغات عديدة، ولا تزال تُدرّس وتُقرأ حتى اليوم.
أهمية برونو شولتز لا تكمن في كثرة مؤلفاته، بل في فرادة عالمه الأدبي وقدرته على تحويل التفاصيل اليومية إلى تجربة إنسانية عميقة. فقد نجح في الجمع بين الشعر والسرد والفلسفة في نصوص تمتلئ بالرموز والخيال، مما جعل أعماله تحتفظ بقيمتها الفنية عبر الزمن. ولا يزال القارئ المعاصر يجد في أدبه مساحة للتأمل في الذاكرة والزمن والهوية، وهي موضوعات إنسانية لا تفقد أهميتها مهما تغيرت العصور.
يُعدّ الكاتب البولندي برونو شولتز (1892-1942) واحدًا من أبرز الأدباء الذين تركوا أثرًا عميقًا في الأدب الأوروبي الحديث، رغم أن إنتاجه الأدبي كان محدوداً من حيث الكم. فقد استطاع من خلال مجموعاته القصصية، وعلى رأسها «دكاكين القرفة»، و”مصح تحت علامة الساعة الرملية”، أن يبتكر عالماً أدبياً فريداً يمزج بين الواقع والحلم، ويجعل من الذاكرة والخيال محوراً أساسياً في بناء النص. وقد اكتسبت أعماله شهرة عالمية لما تتميز به من لغة شعرية وصور رمزية عميقة، حتى أصبح يُنظر إليه بوصفه أحد أهم روّاد الأدب الحداثي في القرن العشرين.
كاتب عراقي




