أشجار الماغنوليا

ستار كاووش
من خلال الباب الجانبي للصالة الكبيرة، وقع بصري على قاعة صغيرة التمعتْ في وسطها لوحة (العشاء الأخير) بألوانها الدافئة كأنها مصباح. اقتربتُ من هذه اللوحة التي رسمها الفنان إيميل نولده، بموضوعها الديني الذي يعود بنا إلى نشأة هذا الفنان وطريقة حياته التي لعب فيها الدين دوراً محورياً، حتى إنه اضطر للانفصال عن رسامي (جماعة الجسر) الذين رسموا التفاصيل المدينية والنساء العاريات والغانيات وغيرها من مظاهر الحياة العصرية. فبعدَ أن مرَّ هذا الرسام بموقف كادَ يودي بحياته، انتقلَ إلى رسم هذه الموضوعات بحثاً عن نوع من الروحانية في الفن. كان يضع طبقات اللون فوق بعضها للتوصل إلى التعبير المناسب. ومن خلال رؤيته الفنية غيَّرَ نظرة الفنانين التقليدية للمواضيع الدينية، وعن طريق تقنيته وألوانه المذهلة نقلَ الشكل الأيقوني لهذه الموضوعات إلى الحداثة، وبطريقة تعبيرية فريدة.
متاحف العالم عادةً تعرض اللوحات بطريقة أبعد من تقنيتها وألوانها، فهي تحرص مثلاً على وضع لوحات موديلياني قربَ لوحات صديقه سوتين، كما حدث في هذا المتحف. فلَم أكد أتوجه نحو بورتريت (أليس) التي رسمها موديلياني بثوبها الأزرق وعينيها اللوزيتين، حتى لمحتُ بجانبها لوحة العبقري الآخر سوتين، كما توقعت تماماً، والتي رسم فيها بورتريت (غجري) بشعره غير المنتظم والمنديل الأحمر الذي لفه حول عنقه ومنح اللوحة حركة وحياة. هكذا اجتمع غجري سوتين مع أليس موديلياني ليقولا لنا، حتى بعد رحيلهما، إنهما سيبقيان قريبين من بعضهما من خلال الجمال الذي سعيا إلى تحقيقه رغم ظروفهما الصعبة. يا لهذه الصحبة التي جمعتهما في أروقة المتاحف، مثلما تقاسما صداقة فريدة وحياة مليئة بالطموحات والأحلام الفنية، حيث قضيا أهم سنوات مسيرتهما في باريس بحي مورنمارتر. ورغم أسلوبيهما المختلفين تماماً، فإنهما بقيا متلازمين في المتاحف كما كانا في الحياة، وها أنا أقف هنا أمام رقة موديلياني وانطوائية وتقلبات سوتين، نعومة وانسيابية ورهافة موديلياني تقابلها غرابة وعدم اتزان سوتين الذي بدا في لوحاته التي سكبَ فيها كل عذاباته، كمن ينظر إلى الأشياء من خلال عدسة تحرّف التفاصيل. وقد تُوّجتْ صداقتهما العميقة من خلال أربع بورتريهات رائعة رسمها موديلياني لصديقه المعذب، وكأنه يغوص في أعماق روحه، وهذه لفتة نادرة وحدث مهم في تاريخ الفن.
ما إن ابتعدتُ عن هذين الصديقين البوهيميين، حتى برز من بعيد فنان عظيم آخر، هو إدوارد مونخ، الذي كان له نصيب في هذا المتحف من خلال لوحته الكبيرة التي ظهر فيها عدد كبير من الأشخاص الذين بدوا يسيرون قرب ميناء أو جادة على البحر. يبدو مونخ هنا كأنه رسم لوحته بفرشاة واحدة وبسرعة كبيرة، حيث طغا اللون الأزرق على كل شيء، وامتزجت هيئات الرجال مع الرصيف والمناخ العام للوحة. الرجال يسيرون باتجاه واحد كأنهم ذاهبون إلى العمل، فيما توارت خلفهم بعض البيوت والمرتفعات التي ابتعدتْ مع نهاية الأفق. لم يعر مونخ هنا أي اهتمام لرسم الأشخاص وملامحهم، بقدر ما كان تركيزه على التعبير المليء بالتوتر والكآبة التي تعكسها هذه اللوحة بشكل لا تخطئه العين.
ما زلتُ أطوف بين فضاء المتحف الوطني الدانماركي في كوبنهاغن، باحثاً عن أعمال الأساتذة الذين غيّروا تاريخ الفن وفتحوا أبواباً ودروباً جديدة من خلال أعمالهم الخالدة التي ما زالت تمنحنا دروس الفن والجمال الذي لا يغيِّره الزمن. مئات اللوحات التي سارت بي نحو دروب الحداثة، حيث مضيتُ صحبتها إلى ملامح التجديد، وتمتعتُ في هذه اللحظات النادرة بالجمال الذي ما زال يأسر العيون والقلوب والمشاعر.
عبرتُ نحو الجانب الخلفي للمتحف من خلال ممر زجاجي بمثابة جسر يربط البناية القديمة للمتحف مع البناية الجديدة، وهذا هو مثال مذهل على مزج البناء الكلاسيكي مع العمارة الحديثة. وفي نهاية الجسر الذي منحه المتحف اسماً لافتاً هو (شارع المنحوتات)، انفتحت بالفعل صالة زجاجية واسعة جداً امتلأتْ بمنحوتات لفنانين من كل العصور، حيث اختلطت من جديد الحداثة مع الكلاسيكية، وأفكار اليوم مع تقنيات الأساتذة.
قبل خروجي من المتحف، منتشياً بصور الجمال المختلفة التي شاركتني هذه الجولة وجعلتني أشعر بأنني أعيش فيها ومعها، توجهتُ نحو مقهى (ماغنوليا) التابع للمتحف، واخترتُ طاولة صغيرة مع قدح قهوة وبعض البسكويت، وجلستُ هناك أتأمل أشجار الماغنوليا المعمّرة التي تحيط بالمتحف، والتي أخذ المقهى منها اسمه، ثم تابعتُ حركة الناس الذين يتناوبون على الدخول والخروج لرؤية جمال المتحف واللوحات. ومن خلال الزجاج الواسع نقلتُ بصري بين زرقة السماء وخضرة العشب الطري، وهذا الهدوء الداخلي الذي منحته لي اللوحات الجميلة، لأتأكد في النهاية بأن الطبيعة والإنسان توأمان، والجمال الحقيقي لا يمكن تحقيقه سوى من خلال روح الإنسان المحمّلة بحب الأرض التي يمشي عليها.
ناقد وفنان تشكيلي عراقي



