يوميات

وكانت جائزته: مائة يوم في السجن

محمود السعدني

عندما رحل جمال عبد الناصر، كان محمد عودة قد بلغ الثانية والخمسين.

وفي المهنة التي احترفها – مهنة الصحافة – كان موقعه، بعد رحلة شاقة طويلة ومضنية، مجرد محرر سياسي في إحدى الجرائد اليومية. وكان مرتبه لم يصل بعد إلى مرتّب زملائه في المهنة، أو مرتّب بعض تلاميذه. لم يصل قط إلى منصب رئيس التحرير أو منصب رئيس مجلس الإدارة، مع أنّه كان أشدّ الجميع حبّاً لعبد الناصر وأكثرهم حماساً له، وكانت كل ثروته في الحياة خمسة كتب من تأليفه، وشقّة متواضعة في عمارة من عمارات الأوقاف في حي الدقي، وسيارة فيات صغيرة اضطر إلى بيعها بعد ذلك، عندما فشل في استعمالها لعدم قدرته على قيادة السيارة في بحر زحام القاهرة الرهيب. وبالرغم من المحاولات لاستمالة محمد عودة، إلّا أنّه لم يتخلّ أبداً عمّا يعتقده، ولم يكتب حرفاً ضد قناعته، وخاض حرباً ضروساً بقلمه ضد كل الذين حاولوا وعملوا وساهموا في تلطيخ المرحلة الناصرية في وحل العار.

ولكن مأساة محمد عودة الحقيقية أنّه كان يُحارب من استفادوا من تلك الفترة والتفوا حول موائدها، وكان عودة هو الوحيد الذي خرج من المولد بلا حمّص، ولم يَخرج من العهد الناصري إلّا بأمجاده وذكرياته، بينما خرج الآخرون بالمكاسب والمغانم.

وكانوا خمسة أو ستة من الكتّاب المصريين الذين بقوا في مصر وتشبّعوا بمبادئهم، وكان محمد عودة أكثرهم تشبّثاً وأقلّهم ظهوراً. وعندما رفع كتّاب مصر وأدباؤها عريضة إلى رأس الدولة يستنكرون فيها حالة الاستسلام واللاحرب، ودعوا فيها إلى حسم الموقف، والوقوف بصلابة ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي، وطالبوا بضرورة تحقيق مطالب الشعب والانحياز إلى صف الغالبية العظمى من الفقراء ورفع المعاناة عنهم، كان محمد عودة واحداً من الموقعين على العريضة، وكان واحداً من الذين عصفت بهم قرارات السلطة، فنقلتهم من دور الصحف إلى إدارات حكومية وشركات القطاع العام.

وعندما عادت الأمور إلى وضعها الطبيعي بعد حرب أكتوبر، اشتعل محمد عودة حماساً للمصري العادي الذي استطاع أن يقهر الصعب، وأن يصنع المستحيل، ويعبر قناة السويس ويدك حصون خط بارليف.

ولكن الأمور سارت بعد ذلك في عكس الاتجاه الذي كان يحلم به عودة. انقسم المجتمع المصري إلى قسمين: الذين عبروا، والذين هربوا!

وفي هذا الجو المتوتر آثر أحمد بهاء الدين أن يُهاجر إلى الكويت، وهرب عشرات من الكتّاب المصريين إلى بلاد عربية أو أوروبية، وهرب محمد عودة، ولكن إلى داخل مصر. انكفأ على كتبه يلتهمها، وعَكف على تأليف عدّة كتب صدرت تباعاً، كانت بمثابة بصيص من النور وسط الظلام الدامس، واختار الاستقلال التام وسط التيارات المتصارعة، والحياد وسط صراع الأنظمة العربية، ورفع شعار العروبة دون انضواء وبغير انحياز. وتفرغ محمد عودة لكتبه، وأدار ظهره لمجتمع العمولات والمكافآت والصفقات والمشروعات، ولكن هذا المجتمع نفسه أبى أن يتركه.

وعندما عصفت بمصر قرارات سبتمبر ١٩٨١، كان محمد عودة ضمن الذين ألقي القبض عليهم، وكانت التهمة الموجهة إليه: التجسّس. والقضية التي تضمّه اسمها «الفتنة»، وكانت تهمته أنّه اجتمع مع عبد السلام الزيات، نائب رئيس الوزراء السابق.

وعندما دخل محمد عودة السجن كان قد بلغ عامه الثاني والستين، وفي بلاد أخرى يُكرَّم الكتّاب والأدباء الذين يبلغون هذه السن، وتُقدَّم لهم الجوائز والعطايا، امتناناً وشكراً لهم على ما قدموه خلال حياتهم الطويلة. ولكن نصيب محمد عودة كان مائة يوم في السجن واتهاماً حقيراً بالتجسس؛ وهو العاشق الذي قتله حباً في مصر، وهو الشاعر الذي تغنى بكل ذرة تراب في أرضنا، وهو الكاتب الذي كان مداده عرق الناس وزحام الطريق ومعاناة الأغلبية الساحقة.

وبعد ٦ أكتوبر ١٩٨١ قُدِّر لمصر أن تعود إلى الطريق الصحيح، وقُدِّر لمحمد عودة أن يغادر سجنه بعد ذلك. خرج بلا مساءلة وبلا محاكمة؛ خرج لأن التهمة كانت ملفّقة، وخرج لأن المتآمرين بعضهم انتقل إلى رحمة الله، وبعضهم انتقل إلى سجون الدولة، وبعضهم فرّ هارباً خارج البلاد.

وعاد محمد عودة هذه المرّة ليكتب في تاريخ مصر عن أعظم أيامها وأخلد معاركها، ويرسم لنا وللأجيال القادمة صورة زاهية الألوان عن الفلاح عرابي، والشركسي الوطني محمود سامي البارودي، وعن اللورد الوقح كرومر، وعن الصايع الخالد عبد الله النديم. وكان كتابه «سبعة بشوات» بمثابة تاريخ جديد لمصر المعاصرة، ووجهة نظر فلاح مصري مثقف في فترة هي بحق من أعجب وأغرب وأخصب فترات تاريخها على المدى الطويل.

وإذا كانت الأيام قد زحفت بعودة إلى الشيخوخة، فهو أقرب الشيوخ في مصر إلى الشباب؛ أقرب إليهم بفكره وبموقفه. ويتندّر بعض الناس في مصر ويتداولون مقولة: «إذا أردت أن تعرف الاتجاه الصحيح، فاعرف أولاً أين يقف محمد عودة». فهو، بالرغم من اضطراب بحر السياسة المصرية، وصخب أمواجها، وشدة أعاصيرها وعواصفها، إلا أن بوصلته لم تخطئ الاتجاه الصحيح قط، وسفينته لم تخطئ الميناء المنشود.

وإذا كان محمد عودة واحداً من الكتّاب الموهوبين، وخبيراً من خبراء السياسة العربية المعدودين، ونجماً من نجوم الصحافة والكتابة السياسية، إلا أنه لم يظهر قط في حديث تلفزيوني، ولم يُدعَ مرة واحدة إلى برنامج إذاعي، وليس عضواً في المجالس المتخصصة. وحتى طلب الانضمام إلى اتحاد الكتّاب رفضوه، وطالبوه بأن يقدم لهم ما يثبت أنه كاتب! وأغرب شيء أن الذين طالبوه بإبراز هويته الأدبية هم أدباء وكتّاب من أمثال سعد حليص، وسيد المناويشي، والأستاذ الكبير أحمد أبو دراع.

إنها مأساة، ولكنها ليست مأساة عودة وحده، بل مأساة الكثيرين من أمثال محمد عودة، وإن كان هو نفسه يشعر بأنها ليست مأساة إذا قيست بمأساة الوطن كله. والوطن عند محمد عودة هو امتداد الأرض العربية من الخليج إلى المحيط؛ فهو عروبي أصيل بلا ادعاء وبلا ثمن، وهو لذلك جاب أرض العرب على قدميه، وجاس خلالها من قرية إلى قرية، من وجدة في المغرب إلى الحديدة في اليمن. وله في كل مكان من الأرض العربية أصدقاء وتلاميذ، ولديه مقدرة على الحياة في أي بقعة من أرض العرب أسابيع طويلة دون أن يحمل زاداً أو نقوداً، ودون أن يحتاج إلى استضافة رسمية من الدولة التي يوجد على أرضها؛ فهو قادر دائماً على إيجاد أصدقاء، وقادر دائماً على خلق جو من حوله، وقادر أيضاً على اكتشاف مواهب جديدة، بالرغم من طبقات الصدأ والتراب.

وإذا كان محمد عودة قد خرج من المرحلة الناصرية بلا مغانم، فقد خرج بإيمان لا حد له بأن عبد الناصر كان ضرورة، وبالنسبة للعروبة كان أملاً ومناراً، وأن طريق عبد الناصر هو الطريق المستقيم، وحلول عبد الناصر هي الحلول الصحيحة.

ولقد حمل على رأسه، خلال السنوات العشر الأخيرة، تراث عبد الناصر وتعاليمه، وطاف بها في الأسواق. وبالرغم من تنكر الأصدقاء، وتناقص الأنصار، وهروب المريدين، وكثرة المستفيدين، وزحام الأرزقية، إلا أنه ظل متمسّكاً بالطريق، محافظاً على الطريقة، مع عدد صغير من المريدين والأنصار. ومن المؤكد أنّه سيظل على الطريق والطريقة حتى لو بقي وحده.

ويبقى بعد ذلك أن عودة عاش في جيل واحد مع توفيق عبد الحي، وعصمت السادات، ورشاد عثمان. وبينما هبر توفيق عبد الحي كنوز مصر الذهبية، بدون موهبة وبلا علم، اكتفى عودة بالحصول على كنوزها الروحية. ولذلك سيعيش عودة طويلاً في تاريخ مصر: الفنان الذي حوّل السياسة إلى شعر، والسياسي الذي أثبت أن السياسة حرفة تحرق صاحبها بالنار، بعكس مفهوم العصر كله، الذي يؤكد أن الفرق بين السياسي والحرامي هو أن السياسي يدخل السجن أولاً.

كاتب من مصر

الصحافي المصري محمود السعدني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى