أدب

بسّام كوسا.. من الشاشة إلى كتابة الرواية

«أكثر بكثير».. رواية البحث عن الذات في آخر فصول الألم السوري

نبيل مملوك

ليس سهلًا أن ينتقل المرء من صياغة الصورة إلى صياغة النص، لكن النجم السوري والعربي بسّام كوسا يخوض هذه التجربة في روايته «أكثر بكثير»، ليقدّم نصاً ينشغل بالشخصية المضطربة، وبمحاولتها المستمرة للعثور على ذاتها وموقعها في العالم.

وبخلاف ما ينتظره القارئ من النجم أو المؤثر من سيلان كتابي ذاتي على الورق، اختار كوسا أن يبني الفرد من خلال الظواهر الاجتماعية والواقعية التي تمر بها سوريا خصوصاً، دون الاحتكاك بخارطة سوريا السياسية، وهي فرصة يكشف من خلالها الكاتب عن خلفيته الثقافية والاجتماعية في آن واحد.

البحث عن الطيف الحقيقي

تتمحور الرواية حول شخصية مبروك، الذي يبحث طوال السرد عن طيفه الحقيقي، متنقلاً بين الفلسفة والأدب والحب والجنس والعلاقات الاجتماعية. ومن خلال هذه المساحات المتداخلة، يحاول أن يكتب نفسه بوصفه فرداً مختلفاً، وأن يجد لنفسه مكاناً خاصاً داخل الدائرة التي يعيش فيها.

لا يبدو مبروك شخصية مستقرة أو مكتملة، بل شخصية في حالة تشكّل دائم. فهو يراجع أفكاره ومواقفه وعلاقاته، ويصطدم بالسائد محاولاً بناء تصور خاص للحياة والذات. وبالرغم من الجهد السردي والسلوكي الذي بذله الكاتب للإضاءة على مبروك وتمظهره وحضوره وشخصيته، فإن هذا التيه يتقاطع، كأي نص يتعلّق بنصوص سابقة، مع الشخصية الرئيسية في «خان الخليلي» لنجيب محفوظ، أو مع شخصية «يالو» لإلياس خوري، المنكبّ على محاورة ذاته مع كل حفلة تعذيب واعتقال تطاله.

بسام كوسا .. مبدع أمام الشاشة وأمام الورقة

لم يكن مبروك سوى شخصية متأثرة في تيهها وتخبّط هويتها، وهي نتيجة مباشرة لأسى الحرب السورية التي شرذمت لسنوات أطياف الشعب السوري، لتصبح الرواية، على صعيد دلالتها كنص، متأرجحة بين العبث المستمر والمنسحب بأعراضه وظواهره على المجتمعات العربية، وبين انعكاس الصورة التي رفض تودوروف لصقها بوظيفة الرواية وغايتها.

صوت واحد وشخصية متحركة

يعتمد السرد في الرواية على الصوت الواحد، وهو خيار يتيح للقارئ الاقتراب من الشخصية ومتابعة تحوّلاتها الداخلية عن كثب. فالرواية لا تتكئ على تعدد الأصوات بقدر ما تنفتح على عالم مبروك نفسه، بما يحمله من أسئلة وتناقضات واضطرابات، فتصبح شخصية مبروك ولّادة لشخصيات عديدة، حتى لو كانت شخصيات ثانوية.

يصبح هنا السرد بمثابة حكاية، والشخصية هي الراوي للأحداث، تاركًا القارئ يبحث عن نفسه وسط كل هذه الغرائبية والتساؤلات المضمرة التي يحاول مبروك، من خلالها، السؤال عن معنى الحياة والنجاة من يوم عصيب، وتحمل الصدمات، والعفو عن الأطياف الهشة التي لاحقت ماضيه وتلاحق حاضره.

السؤال الذي يمكن توجيهه إلى الكاتب: لماذا اختار أن ينهك شخصية واحدة في كل ما يحصل؟ ولماذا لم يتجه إلى عرض ظاهرتين أو تجربتين مغايرتين أو مضادتين لتجربة مبروك؟

ويأتي الوصف خفيفاً ومقتصداً، بما يجعل النص يتجنب الاستغراق في تفاصيل الأشياء والموجودات، ويركز بدلًا من ذلك على الشخصية وحركتها وتحولاتها النفسية والفكرية. إذ تحاول شخصية مبروك أن تعبّر عن اهتزازاتها النفسية ومقاومة السادية المتمثلة في الصمت والإجابات المقتطعة من قبل الأشخاص المحيطين بها.

شاب في الفصل الأخير من الألم

كُتبت الرواية في ما يمكن وصفه بالفصل الأخير من الألم السوري، ولذلك تبدو شخصية مبروك ابنة مرحلة مأزومة، تحمل أثر الواقع المضطرب من دون أن تتحول الرواية إلى تسجيل مباشر له.

إنها ترصد يوميات شاب شاق المراس، يرفض السائد، ويبحث عن طريقه الخاص وسط عالم تتداخل فيه الأسئلة الشخصية مع التحولات الاجتماعية والثقافية.

هي تمرّد المنهك من محيطه وضبابية الجماعة، عبر التساؤل والهمس بالقلق والألم عن المستقبل، وكيفية التحكم بملامحه وأحداثه.

تنجح «أكثر بكثير» في بناء عالمها من خلال شخصية واحدة تتكفّل بحمل السرد وأفكاره وأسئلته. وبين الفلسفة والأدب والعاطفة والجسد والمجتمع، يقدّم بسّام كوسا تجربة روائية لافتة، تكشف انتقاله من صياغة الصورة، بوصفه فناناً وممثلاً، إلى صياغة الشخصية بالكلمة.

إنها رواية عن البحث عن الذات بقدر ما هي رواية عن رفض القوالب الجاهزة، ولذلك تستحق القراءة والتفكير في سياقات تحاكي بناء المستقبل وتخيّله.

كاتب لبناني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى