على الملأ

اعترافاتي .. ما تعلمته من الصحافة والغربة والعمر

عبد الكريم البليخ

كلما تقدّم بنا العمر، اكتشفنا أن كثيراً ما ركضنا خلفه لم يكن يستحق كل ذلك العناء. المناصب تزول، والألقاب تخفت، والتصفيق ينتهي عند أبواب القاعات، ولا يبقى في نهاية الأمر إلا ما تركناه في قلوب الآخرين، أو ما كتبناه بصدق، أو ما قلناه في لحظة كان الصمت فيها أكثر سهولة وأقل كلفة.

عشت في الرّقة، درة الفرات، ابن مدينة ما زالت تسكنني مهما ابتعدت عنها. غادرت المكان، لكن المكان لم يغادرني. حملت معي شوارعه، ولهجته، ووجوه ناسه، ورائحة ترابه، وذاكرة نهرٍ ظل يجري في داخلي حتى وأنا أعيش على ضفاف مدينة أخرى بعيدة.

لم أدخل الصحافة لأنها مهنة مريحة، ولا لأنني كنتُ أبحثُ عن شهرة أو وجاهة. كنت أريد، منذ البداية، أن أقول شيئاً. أن أكتب عن الناس الذين لا يكتب عنهم أحد، وأن أتوقف أمام التفاصيل الصغيرة التي يمر بها الآخرون سريعاً. كنت أرى في وجوه البسطاء حكايات كاملة: موظفاً أنهكه الانتظار، ومعلماً يحمل همومه بصمت، وفلاحاً يُراقب موسمه، وأماً تخشى على أولادها، وعاملاً يعود إلى بيته متعباً، لكنه يواصل الحياة.

ومع السنوات، أدركت أن الصحافة ليست خبراً ومقالاً وعنواناً فقط، بل هي جزء من العمر نفسه.

يدفع الصحفي من وقته، ومن راحته، ومن أعصابه، وربّما من استقراره أيضاً. وكم من ليلة قضيتها أمام ورقة أو شاشة، أبحث عن جملة واحدة أعرف أنها لن تغيّر العالم، لكنني كنت أكتبها وكأنها قادرة على ذلك. ربّما كان هذا واحداً من أوهامي الجميلة.

لا تزال لدي قناعة بأن للكلمة قوة، حتى وإن لم توقف حرباً، أو تسقط ظالماً، أو تعيد غائباً. يكفي أحياناً أنها تمنع النسيان. فالنسيان نوع آخر من الموت، والكتابة مقاومة هادئة له.

 ومن الصحافة تعلمت أن الحقيقة ليست دائماً مريحة، وأن الكاتب الذي يريد أن يرضي الجميع سينتهي به الأمر إلى كتابة شيء لا يزعج أحداً ولا يبقى في ذاكرة أحد.

 تعلمت أيضاً أن الكلمة مسؤولية، وأن الحماس وحده لا يكفي، وأن الشجاعة من دون دقّة قد تتحول إلى تهوّر، كما أن الدقّة من دون ضمير قد تتحول إلى برودة مهنية لا روح فيها.

رأيت في الصحافة ما يكفي لكي أفقد الثقة بها، لكنني لم أفعل. رأيت من جعل منها سلّماً، ومن استعملها للمصلحة، ومن حمل اللقب من دون أن يحمل روح المهنة. ورأيت في المقابل صحفيين حقيقيين عاشوا في الظل، ودفعوا أثماناً باهظة لأنهم آمنوا بما يكتبون.

المشكلة لم تكن يوماً في الصحافة، بل في الذين اختصروها في المنصب والعلاقة والامتياز.

أما أنا، فقد أردتها نافذة. نافذة أطل منها على الناس، ويطل الناس من خلالها على ما لا يريد البعض أن يُرى.

وأعترف أنني أخطأت كثيراً. تكلمت في أوقات كان الصمت فيها أكثر حكمة، وصمتُّ في أوقات كان ينبغي أن أرفع فيها صوتي. وثقت بأناس لم يكونوا جديرين بالثقة، وأعطيت بعضهم مساحة في قلبي أكبر ما يستحقون. وفي المقابل، ربّما مرّ في حياتي أشخاص كان يجب أن أتمسك بهم أكثر، لكنني لم أفهم قيمتهم إلا بعد أن ابتعدوا. ومع ذلك، لم أتعلم الكراهية.

ما زلت أؤمن أن خيبة الإنسان في الآخرين لا ينبغي أن تحوّله إلى نسخة منهم. أما الغربة، فقد علمتني دروساً أخرى.

في البداية يظن الإنسان أنه غادر بلده بحقيبة، ثم يكتشف بعد سنوات أن تلك الحقيبة كانت ممتلئة أكثر مما يتصور: بيت، وشارع، وأصدقاء، وروائح، وأصوات، ووجوه، وأماكن كان يعتقد أنها عادية، فإذا بها تتحول بعد الغياب إلى أثمن ما يملك في ذاكرته.

في فيينا تعلمت معنى الأمان والنظام واحترام الإنسان والقانون. لكنني تعلمت أيضاً أن الأمان لا يعوّض دائماً دفء المكان الأول. هناك أشياء منحتني إياها الغربة، وأشياء أخذتها مني إلى الأبد.

بين الرّقة وفيينا عشت كثيراً من تفاصيل حياتي: جسد هنا وذاكرة هناك.

أفتح نافذتي على مدينة أوروبية هادئة، ثم تكفي كلمة بلهجة فراتية، أو أغنية قديمة، أو رائحة قهوة تشبه قهوة بيت بعيد، كي أعود في لحظة إلى طفولتي، وإلى الشوارع التي ظننت يوماً أنها ستظل في مكانها تنتظرني. لكن الأمكنة لا تنتظر أحداً. ولا الناس كذلك.

الغربة علمتني أن الوطن ليس قطعة أرض فقط، بل شبكة كاملة من التفاصيل: وجه الأم، وضحكة صديق، وطاولة قديمة، وطريق نعرف منعطفاته من دون تفكير. وعلمتني أيضاً أن الإنسان يستطيع أن يتأقلم مع مكان جديد، من دون أن يخون المكان الأول. أما العمر، فكان المعلم الأكثر صرامة.

مع السنوات أصبحت أخاف من كلمة «لاحقاً». كم من إنسان قلنا له سنلتقي لاحقاً، ثم لم نلتقِ؟ وكم من حديث أجلناه إلى الغد، ثم جاء الغد من دون صاحبه؟

الفقد يغيّر الإنسان. حين ترحل الأم، مهما بلغ الابن من العمر، يشعر أن شيئاً أساسياً في العالم قد انهار. موت الأم ليس غياب شخص فقط، بل إغلاق باب كان مفتوحاً دائماً. معها يبقى المرء طفلاً، وبعدها يفهم فجأة أن عليه أن يكبر دفعة واحدة. ومنذ ذلك الغياب، أصبحت أكثر حساسية تجاه الزمن.

الموت لا يخيفني بقدر ما يخيفني مرور العمر. الموت لحظة واحدة، أما الزمن فيأخذ الأشياء منا بالتدريج: يغيّر الوجوه، يباعد بين الأصدقاء، يجعل الأبناء يكبرون، ويضع على ملامحنا آثار سنوات لم نشعر بها وهي تمر.

ثم يأتي صباح ننظر فيه إلى المرآة ونسأل: أين ذهب ذلك الشاب؟

ربّما لم يذهب تماماً. ما زال في داخلي شيء منه. ذلك الذي يفرح حين يرى اسمه تحت مقال جديد، ويتوتر قبل نشر نص، ويغضب من الظلم، ويؤمن دائماً أن المقال القادم سيكون أجمل مما كتب من قبل.

ومن العمر تعلمت أيضاً أن الشهرة ليست معياراً للقيمة، وأن كثيراً من الضجيج يختفي بسرعة، فيما تبقى كلمة صغيرة كُتبت بصدق. وكم من اسم لمع ثم انطفأ، وكم من كاتب رحل منذ عقود وما زال حاضراً بجملة تركها وراءه.

لهذا صرت أسأل نفسي، كلما جلست إلى الكتابة: هل تستحق هذه الكلمات أن تبقى؟ وليس: كم شخصاً سيصفّق لها؟

لم أكن بطلاً في حياتي، ولا أريد أن أقدّم نفسي كذلك. أحببت، وخفت، وغضبت، وضعفت، وخُذلت، وربّما خذلت آخرين من دون قصد. تعثرت كثيراً، ونهضت كثيراً.

وهذه هي الحياة كما أفهمها اليوم: ليست سيرة منتصر دائم، بل سيرة إنسان يحاول ألا يفقد نفسه وسط كل ما يتغير حوله.

ولو منحني الزمن فرصة أن أعود إلى الوراء، فلن أطلب شباباً آخر، ولا عمراً جديداً. سأطلب فقط أن أعرف آنذاك ما أعرفه اليوم: أن أقول لمن أحبّهم إنني أحبّهم قبل فوات الوقت، وأن أغادر الأماكن التي تهينني أسرع، وألا أنتظر اعتذاراً لن يأتي، وأن أمنح العائلة وقتاً أكبر، وألا أهدر عمري في محاولة إقناع من قرروا مسبقاً ألا يروني. هذه بعض اعترافاتي.

ما تعلمته من الصحافة أن الكلمة أمانة، ومن الغربة أن الوطن يسكننا أكثر مما نسكنه، ومن العمر أن الأشياء الأهم ليست دائماً تلك التي نركض خلفها.

وحين أسأل نفسي الآن: ماذا يبقى في النهاية؟ أجد أن الإجابة أبسط ما كنت أتصور: تبقى الكلمة. وربّما حين أغادر ذات يوم، لن أحتاج إلى شاهد كبير يدلّ عليّ. تكفيني بعض الكتب، ومقالات موزعة في صحف قديمة، وصور بهتت أطرافها، وأصدقاء يتذكرونني، وأبناء يقولون إن أباهم أحبّهم، وقارئ مجهول يقع بعد سنوات على سطر يحمل اسمي فيتوقف عنده للحظة.

عندها، إن شعر أن الرجل الذي كتب ذلك السطر كان صادقاً، ولو مرة واحدة، فسأكون قد حصلت على أكثر ما تمنيت.

كاتب وصحافي سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى