باليت المزمار

كيف تصنع تمثالاً جيداً

ستار كاووش

حين أراد متحف (غوستاف كليمت) أن ينجز تمثالاً لكليمت نفسه، كي يوضع أمام مدخل المتحف، قام بتكليف الفنان النمساوي أروين كاستنر بذلك. حدث هذا سنة ٢٠٢٢، بمناسبة مرور مائة وستين سنة على ولادة هذا الفنان، كذلك لمرور عشر سنوات على تحويل مرسمه وبيته الكبير إلى متحف. حينها تساءل كاستنر مع نفسه: من أين سأبدأ بصنع عمل يليق بصاحب (القبلة)، والذي شغل الناس كلهم في أرجاء العالم، وصار مثل الماركة المسجلة، حيث تجاوز تأثيره حدود الفن والثقافة وتغلغل في نفوس الناس؟ والمتحف، بدوره، انتظر بترقب هيئته، البورتريت، وكيف سيكون الشكل والتعبير المناسبان، وكيف يتوصل النحات إلى التأثير الذي يعكس روح كليمت وعالمه الساحر وشخصيته الجذابة؟

انفرشت أمام كاستنر الكثير من التفاصيل والمفردات التي تتعلق بكليمت وهيئته وإبداعه، وصار يقلِّب كل ذلك، وتمر في خياله العديد من التفاصيل التي تعود للفنان الملهم. مع ذلك، أراد أن يكون عمله بسيطاً، فيه لمسة شاعرية تشبه روح كليمت، وحانياً مثل نسمة. نعم، أراد أن يكون النحت بسيطاً وواضحاً، على أن يتضمن انتباهة جديدة وتَرِفَة مثل أعمال كليمت. وفي النهاية، سلك طريقاً غير متوقع، وفكر بمفردة لم تخطر في بال الكثيرين، حيث اختار الثوب الطويل الذي يرتديه كليمت أثناء الرسم، وبنى عليه أساس الفكرة. ثم استعاد حياة كليمت وكيف كان يقضي وقته في المرسم، وكيف يبدأ بلوحة جديدة؟ والجواب كان واضحاً، فهو كان يقابل بياض اللوحات ساعاتٍ كل يوم، قبل أن يوزع فوقه نساءه الجميلات وزخارفه التي لا تخطئها العين. ففكر أروين بجدار أبيض اللون كي يجعله الأساس الذي يُجسد عليه العمل.

وهكذا وقعت عينه على الجدار الخارجي للمرسم والمواجه للشمس، والذي كان كليمت يمر بمحاذاته كل يوم، وينعكس ظله على هذا الجدار. وهنا فكر النحات باستعادة طيف كليمت أو ظلاله البعيدة إلى نفس المكان، لكن كيف؟ فأمسك بشريط فولاذي أسود، وصنع منه الهيئة الخارجية لكليمت مع ثوبه المهلهل، وكأنه تخطيط بالأسود، ثم ثبته قرب هذا الجدار، بحيث إن ضوء الشمس حين يسقط كل يوم على هذه المنحوتة المفرغة يترك ظلالها على ذات الجدار الذي كان كليمت يمر بمحاذاته. وهكذا عاد ظل كليمت يتحرك من جديد على الجدار مع ساعات النهار، وحسب حركة الشمس.

وهذا ما شاهدته بنفسي واستنتجته حين زرت متحف كليمت في مدينة فيينا، ووقفت أمام التمثال في الظهيرة، وهناك رأيت كيف يسقط الظل على الجدار، ثم يتحرك ببطء فيجعل التمثال حيّاً، ولاحظت كيف تخفت الظلال حين يخبو ضوء الشمس، فيما لو اشتد ضياؤها تصبح الظلال أكثر قوة ووضوحاً. هكذا شعرت كأني أرى كليمت متوجهاً نحو مرسمه للبدء بلوحة جديدة.

ابتعدت قليلاً عن منحوتة كليمت، وجلست على أريكة جانبية محاطة بالزهور، وراقبت هيئة كليمت والناس الذين يمرون بجانبه قادمين لزيارة المتحف، كيف ينظرون إليه وكأنهم يحيونه، وهو، بدوره، يدعوهم للدخول إلى مرسمه الواسع المثير.

الوضعية المثلى لهيئة التمثال مهمة جداً، وهذا الأمر لا يخفى على النحات أروين، الذي اختار الشكل الجانبي لغوستاف كليمت، كي تظهر هيئته واضحة، ويمكن لخطوط بسيطة أن تعبر عن شخصيته. يا له من اختيار مذهل منح النحت تعبيراً وقوة وحضوراً مؤثراً، وبأقل التفاصيل، حيث تبدو قطعة النحت هذه، لمن ينظر إليها من بعيد، كأنها تخطيط باللون الأسود على الحائط، لكن عند الاقتراب منها أكثر يظهر العمل على حقيقته، حيث تتداخل الشرائط الحديدية بسمكها المختلف، فتضيق هنا وتتسع هناك، وكأن كليمت ذاته قد رسمها بفرشاته السريعة. تابعت الخطوط، ورأيت كيف جعلها النحات غير متصلة دائماً ببعضها، بل تنفصل وتتوقف في بعض الأماكن لتترك فراغاً جعل العمل يتنفس الهواء المحيط به ويتلألأ تحت الضوء.

العمل الفني الجميل، عادة، لا يعكس شكل النموذج بشكله المباشر. إنه نوع من البحث عن جوانب مهمة في حياة الشخصية المراد تصويرها. فرسم بورتريت أو إنجاز تمثال لشخص ما، هو محاولة للإمساك بلحظات مضيئة من حياة الشخص المعني، أو ربما الإشارة إلى حياته كلها من خلال مُفردة واحدة قد تغيب عن الكثيرين. والأهم من كل ذلك هو تقديم عمل جميل وديناميكي لا يخضع للشروط المتوقعة ولا للضوابط التقليدية. فالعمل الجميل عبارة عن إشراقة تسطع مثل قمر صغير، لكنه ينشر ضوءه في كل مكان. وقيمة العمل الفني وقوة تأثيره لا يحددهما الحجم ولا المحاكاة الواقعية (رغم أن هذا ممكن في حالات كثيرة). كذلك، فإن التعقيد والرتابة هما عدوان لكل عمل فني، فيما البساطة غالباً هي الحل الجميل، لكن يجب أن تصاحبها لمسة إبداع غير متوقعة، ونظرة ثاقبة، وموهبة تُعيد تعريف النموذج. مثل قصيدة تُكتب من بضع كلمات، لكنها تدخل القلب، وتضيء الروح، وتحرك العقل.

في النهاية، أرى أن قوة هذا العمل تكمن أيضاً في الجمع بين ثلاثة مرتكزات: هيئة غوستاف كليمت وظلاله التي لا تخطئها العين، كذلك روح النحات وشخصيته الواضحة، ثم البساطة المذهلة التي تريح العين وتسرّ القلب؛ لتكون النتيجة عملاً استحق مكانه أمام متحف كليمت، الذي يزوره سنوياً ملايين المحبين من مختلف أنحاء العالم.

ناقد وفنان تشكيلي عراقي

الفنان ستار كاووش أمام المنحوتة التي تمثل (غوستاف كليمت ) للنحات النمساوي أروين كاستنر، مدخل متحف غوستاف كليمت، فيينا. يبدو أيضاً ظل المنحوتة على الجدار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى