ما الذي يصنع الأخلاق الجيّدة؟
لطفية الدليمي
عنوان هذه المقالة مدخلٌ لسؤال أحسبه مفصلياً وخطيراً وجوهرياً. قد يبدو الجواب جاهزاً لا يستحقُّ التفكّر فيه. هنا المعضلة. أغلبُ الأسئلة الجوهرية في الحياة إنّما تخفي وراءها أجوبة قلّما نتفكّرُ فيها لأننا نستمرئ الأجوبة الجاهزة ولا نميلُ لإشغال مبضع التشريح والمساءلة. المواضعاتُ المستورثة تؤثرُ فينا وتحكمُ سلوكياتنا أكثر بكثير ممّا يفعلُ التفكير والمساءلة.
يبدو السؤال: «ما الذي يصنعُ الأخلاق الجيدة؟» منطوياً على قدر من المخاتلة. الأصح هو القول: «ما الذي يصنعُ الأخلاق الجيدة للغالبية العظمى من البشر؟». هذا فرقٌ جوهري. هناك نمط من البشر الذين يُعَدّون أمثلة حيّة على التضحية والإيثار والجود بالنفس والكرم، والجود بالنفس أقصى غاية الجود كما نعلم من أخلاقياتنا التراثية ومآثرنا الشعرية. هذا النمط لن تغيّره الظروف المتغيّرة مهما تقسّت وتغوّلت. سيبقى مضحياً وإيثارياً وكريماً لأنّ هذه الخصائص الأخلاقية سماتٌ جوهرية في ذاته وليست انعكاساً لظروف العيش الطيب. التاريخ يخبرنا بأمثلة كثيرة لأناسٍ من هذا النمط. العكس صحيحٌ أيضاً. يوجد نمط خسيس وكاره من البشر، لا يستطيبُ العيش إلا في حالة مشبعة بالمكائد والمؤامرات ومحاولة إيذاء الآخرين مهما طاب حاله وحسنت ظروف عيشه. هذه أنماط بشرية تمثلُ أطيافاً من أقلية البشر وليست غالبيتهم، وهذه إحدى المميزات المحمودة في جنسنا البشري. كم ستكون الحياة بشعة لو كانت هذه الأقليات الخسيسة أكثرية!
معظمُ البشر يتوزّعون مراتب بين هذين الطيفين؛ وبالتالي تكون الأخلاق البشرية خليطاً بنسب متفاوتة من خسّة وطيبة، وكرم وبخل، ونزاهة وكذب… الميزة الأجلى لدى معظم البشر أنّ الأخلاق الطيبة تتبدّى وتنكشف عندما يعيشون ظروفاً طيبة، وعندما تبدأ بوادر السوء في الحياة تسوء بالتبعية أخلاقهم؛ وكأنّ أخلاقهم دالةٌ على طيب حياتهم واسترخائها وشيوع قدر من «البحبوحة الاقتصادية» فيها. ليست لدى هؤلاء مبادئ رفيعة يحسبونها مثابات موجّهة لسلوكهم. إنّهم نماذج واقعية لانعكاس مدى طيب حياتهم على أخلاقهم. إن طابت حياتهم، وأوضاعهم الاقتصادية بالتحديد، حَسُنت أخلاقهم، وإن ضاقت بهم السبل تردّت أخلاقهم. هكذا هي العلاقة: علاقة سببية مباشرة وصارمة.
قيل في الأمثلة الشائعة إنّك لن تعرف صديقك الصدوق إلّا في حالة الشدائد «الطوارئ»، وهو قولٌ صحيح تماماً. نذكرُ جميعنا أيام الطوارئ الموجعة في حرب عام 1991 عندما اضطرّ كثيرٌ من العوائل لمغادرة بغداد والاحتماء بملاذات آمنة في المحافظات العراقية الأخرى. كثيرٌ من العوائل تشاركت السكن، وقد سمعنا حكايات مؤلمة عن مشاجرات حصلت بينهم بسبب بضعة أرغفة من الخبز أو بيضتين أو طبق رز أو بضع حبّات من البطاطا. كانت هذه العوائل قبل الحرب صديقة مؤتلفة مع بعضها، تتزاور وتقيمُ الولائم لبعضها بين آونة وأخرى، وأوقنُ أنّ كبار هذه العوائل كانوا يلحّون على ضيوفهم بتناول المزيد من الطعام الطيّب، وربما كانوا يضعون قطعاً من المشويات عنوة على أطباق ضيوفهم إمعاناً في الكرم. الحرب مسألة أخرى، ليست فيها فضلةٌ من دلال أو قدرة على الكرم الحاتمي. كلٌّ يريدُ خلاص نفسه. لستُ أسعى للقول إنّ هذا النمط من السلوك مثلبةٌ على أصحابه؛ لكنّي أصف واقع الحال فحسب. هكذا يسلك معظم البشر في الحياة الواقعية التي نعيش.
هنا يحقّ لنا أن نتساءل: إذا كانت الأخلاق عند غالبية البشر دالة سببية لطيب الحياة ورخائها، فسيكون أمراً منطقياً أن نصل لاستنتاج مفاده أنّ كلّ ما يديم رخاء الحياة وثراءها الاقتصادي هو ما يصنعُ الأخلاق الجيدة. نتساءل ثانية: ما الذي يديمُ رخاء الحياة وطيبها الاقتصادي راهناً؟ إنه العلم والتقنية بلا شك. القانون إذن هو التالي: العلم والتقنية هما ما يصنعان الأخلاق الجيدة أكثر من سواهما. هذا هو المنطق البارد الذي لا يقبلُ المماحكة والتسويف ورطانات الكلام والمجادلات الكيفية غير المجدية.
لنتخيّلْ مثلاً ما الذي كان سيحصل مع هذا الانفجار السكاني الذي نشهده لو أنّ إنتاج العالم من المحاصيل الزراعية الرئيسية: قمح، ذرة، رز… بقي على حاله؟ ماذا لو لم نشهد الثورة الزراعية وثورة الري وترشيد المياه اللازمة للزراعة؟ حتى الأغذية المعدّلة وراثياً جاءت لإنقاذ ملايين البشر من الجوع. يطيب لنا أن نحكي كثيراً عن مساوئ هذه الأغذية؛ لكن لو سألنا جائعاً مشرفاً على الموت: هل تفضّلُ تناول طعام معدّل وراثياً مع إمكانية أن يصيبك سرطان مفترض بعد عشرين أو ثلاثين سنة، أم البقاء جائعاً؟ أظنّه سيختار الخيار الأول وله كلّ الحق في هذا. أطعِمْني اليوم واقتُلْني غداً: هكذا يقول المثل السائر. لا أروّج للطعام المعدّل وراثياً؛ لكن لا بدّ من التصريح بحقائق الأمور بدل إخفائها وراء ستارة داكنة.
كلّنا نتذكّرُ أيام الحصار الجائر، وغالباً ما نقول إنّ تلك الأيام خرّبت أخلاق العراقيين. نعم. هذا صحيح تماماً. عندما يجوع المرء ستسقط كلّ المحدّدات الاعتبارية للأخلاق النزيهة. هذا هو حال العالم، والعراقيون ليسوا مثالاً شاذاً أو طارئاً.
كثيرون لن يرتضوا بهذا القول. أعرف هذا. سيثورون ويأتون لك بأمثلة تاريخية يحسبونها مناقضة لهذه الحال. ستعلو أصوات بعضهم في محاولة دحض هذه الحقيقة متناسين أنهم يتغذّون بأجود الطعام ويرتدون أفضل الملبس ويتطبّبون بأفضل الأدوية ويستقلّون أفضل السيارات ويسكنون بيوتاً مشيّدة بأجود المواصفات مخدومة بأفضل الخدمات الميكانيكية والكهربائية والصحية.
لنتخيل حال أخلاق هؤلاء لو كانوا جياعاً يفترشون العراء وليس لهم من وسيلة نقل سوى أقدامهم المتعبة. هل ستكون لهم حينها طاقةٌ للصياح الغاضب دفاعاً عن أخلاق مفترضة نعرف جميعاً أنها أضغاث أوهام صنعتها البحبوحة التي يعيشونها في حاضرهم؛ لكنهم يكابرون، وليتهم اكتفوا بالمكابرة من غير ادعاءات موهومة.
كاتبة ومترجمة عراقية




