حوار

محمود هدايت: الكتابة تأتأةٌ في مرايا أورفيوس

صرخةُ الكتابة وعزلةُ السينما

حوار: هناء ميكو*

عبور إلى المعنى من رحم السؤال تولد المسافات الجديدة، يعبر الفكر حدوده الأولى بحثاً عن كشف آخر. شرارةُ الدهشة تفتح نوافذ التأمل، ويجد الاختلاف فضاءه بين الأصوات والمرايا المتعدّدة. عند ملتقى القلق والمعرفة، يُصبح الحوار رحلةً لاكتشاف الإنسان في تعدّده وعمقه. 

فكيف يمنحنا السؤال قدرةً على رؤية العالم من زوايا جديدة؟ وكيف يصنع الاختلاف جسوراً نحو الآخر؟ حوارٌ غائرٌ حدَّ الرهافة، ورهافةٌ تمضي حدَّ الاختراق. قراءةٌ متعبِّدة في محراب المعنى.

*لماذا تكتب، وتحت أية ذريعة؟  

غالباً ما أكتب بدافع المشاركة في توثيق مراحل انهيار هذا العالم في داخلي، الذي هو جغرافيتي الملتهبة بالعقائد المتطرفة، والمخرّبة بنظريات الاستهلاك العولمي، ما يعني، أنني أكتب لتجذير صرختي بوجه ما أعانيه من خراب غنغريني تدريجي، لا سيما بوصفي عراقياً يعيش أطوار انقراضه الإنساني. إذن، الكتابة أولاً وأخيراً هي “تنديد روحاني” حسب تعبير الروائي سليم بركات، بفظاعة ما يجري هنا وهناك، الحالة مشابهة تماماً لورطة موريتز الأدبية، الذي كان يكتب بقلب لاهب “من أجل العجول التي تموت”. وأحياناً أرى الكتابة ليست سوى تأتأة وجهية (وجه) في مرايا أورفيوس. كما لو كانت قنفذاً يتأمّل تحوّله المفاجئ.

*من هو محمود هدايت؟

الكاتب محمود هدايت، من اعمال الفنان كريم سعدون

حجرٌ ملفوف بجبة شامان ميتّ، أو ذكرى غرابٍ في شجرة الشطرنج الأبدية لبيرغمان، يُشرف من أعلى صمته على عالمٍ لا نهائي. يتراءى لي كأنما شبح عمّدته العزلة بماء غبار طائر الليل.

*ما الذي تعنيه لك قراءة الكتب؟

ربما هي محاولة في أن “أدفن نفسي في الله” بتعبير إيمانويل، أو لأجمع ندوبي من جلد العالم الخشن.

*ماذا تقرأ الآن؟

تأملات فصامية، ورسالة في القبح لغادة زقروبة. وصلني الكتابان ضمن طرد من بيروت، أرسلته إليّ الصديقة والناشرة نسرين كريدية.

*ما سبب ابتعادك عن المسرح، وما أحب أعمالك الإخراجية إليك؟

ابتعدت عن المسرح لأنه يخرق عزلتي الشخصية أو لنقل يهدّدها على أقل تقدير، بخلاف السينما، فهي فن يُعمّق العزلة ويؤصلها في الذات والحواس والجسد، لأنّها تمتلك جوهر شعرية الزمن، في حين أنّ المسرح فناً مكانياً بامتياز. أما أحب أعمالي الاخراجية، فبلا شك فيه – هو عرض (موث) – الذي أخرجته سنة 2014، في قرية الزهور (الفوّار) سابقاً، بمشاركة المُمثليّن الرائعيّن هما: أمير حبيب، وسجاد رحيم، فضلاً عن مشاركة ممثلين من أبناء القرية، وتناول العمل محنة الغجر في العراق، وعذاباتهم، وتاريخهم الاجتماعي والميثولوجي. وجاء اشتغالي على المكان منسجماً وطروحات ميشيل فركو في تصنيفه للمكان المعادي أو ما بعد المعادي، أو ما بعد المعادي. وكان الدافع وراء هذا العمل هو مواجهة سحلية الشرف المزيّف وقتلها رمزياً، والتأكيد على أهمية هذه الأقلية الاجتماعية، كذلك الاحتفاء بثقافتهم وفلكلورهم الغنائي والفني.

*متى تصدر روايتك الأولى (كوابيس مُلّا صدرا) وما سبب تأخير صدورها إلى الآن؟

حين تتسع حفرة الصمت عميقاً في داخلي، عندئذ يصبح بإمكاني التفكير في نشر الرواية، فالكتابة بالنسبة لي هي تلة نُدوب لم تعلو جيداً بعد كما أريد وأطمح، أو هي لا تزال في طور التكوّم، فما بالك بكتابة سيرة كابوسية.

*ما سرّ علاقتك بالسينما، وما المسافة – من وجهة نظرك – بين القصيدة والفيلم.

* في واقع الأمر، إن سرّ علاقتي بالسينما متأت مما تمتلكه من ملاسة شعرية – زمنية عالية جديرة بأن تكشف عن جوهر الأشياء بصرياً، يُشبَّه لي بأنّ حركة الصور في شريط الفيلم، هي وحمات بياض في جسد الزمن، فالسينما المتعالية كأفلام تاركوفسكي، باراجانوف، وغودار، مارغريت دوراس، …. إلخ، من المخرجين ذي الاشتغال المتفرد والغائر في الطبقات النائية في الأحلام البصرية، تلك الصورة المتكوّنة من ذوبان غبار الشامان في زرقة النار الوثنية. إنها الصورة الانتثارية والقنفذ في آن واحد. لكن في كلتا الحالتين ليس بمستطاعنا التبصّر فيها، إلا في امتلاكنا الفتحة الأسطورية: عين الشمس.

* ما الذي تمثّله لك اليد ككتاب وفنان، سيما وأنك أفردت لها كتاباً خاصاً، وكتبت عنها في شتى مجالات الإبداع؟

إنّ اليد – من وجهة نظري – هي بيوغرافيا اللامرئي، بل الأحرى هي مجرى سري لغياب الزمن، في حين الحركة هي نُدبة عصبية لا مرئية قبل أن تكون فعلاً مادياً يُقوم به المرء لأجل أداء هذه المهمة أو تلك. إلى جانب ذلك هي مِرقاب الليل الفكري، الجدير بترسيم جغرافية الفكر واللغة معاً. مما يعني، أنّها مبراة قلم الفكر: الخيال، وههنا يمكننا أن نشير إلى جذر خلاف أنطونان أرتو وجورج باتاي مع السرياليين، ويوجز ذلك في تمسك المُنشقّين (أرتو، وباتاي) بسريالية اليد الشعرية – التدميرية وسيادتها المطلقة، فيما انصب اهتمام الطرف الآخر على التمترس بالرأس وعدّه طاولة للمؤتمرات الحلمية، وهذا بيّن في ما نضدوه من بيانات وتعاليم تتقاطع وسيولة اليد البريّة غير المروّضة فكرياً وشعرياً تحت سقف فرويد وماركس. حيث لا ولاء لليد إلا للمجهول الشعري والفكري والفني فقط، في حين جغرافية الرأس متغيّرة  ومُستعمرة في الغالب.

*شاعرة وناقدة وفنانة تشكيلية

من أعمال الفنان العراقي كريم سعدون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى