نبض الشارع

مزيفون في الضوء

عبد الكريم البليخ

ما أكثر الذين يعشقون وهج الفن، وما أقلّ الذين يخلصون لجوهره. كثيرون يقتربون من أبوابه لا لأن أرواحهم مأخوذة بالجمال، ولا لأن في أعماقهم تجربة تبحث عن شكل ولون، بل لأنهم يرون في الفن وسيلة للظهور، وسُلّماً إلى الوجاهة، وبطاقة عبور إلى المجالس الثقافية والمنابر الإعلامية.

يتزيّنون باسمه، ويحتمون بهيبته، ويحيطون أنفسهم بهالة مصطنعة من الإبداع والتميّز، متناسين أنَّ الفن ليس رداءً يُرتدى ساعة المناسبة، ولا لقباً يُعلّق على الصدر، ولا عباءة تُستعار حين تفتح صالات العرض أبوابها وتُشعل آلات التصوير أضواءها.

الفن مقامٌ رفيع لا يَدخله المرء بالادّعاء، ولا يستقر فيه بالصخب، وإنما يبلغه بالموهبة والمعرفة والصبر والتجربة. إنه علاقة شديدة الخصوصية بين الإنسان والعالم؛ علاقة تبدأ من دهشة العين، ثم تعبر القلب والذاكرة، قبل أن تستقرّ لوناً أو خطّاً أو كتلة أو مساحة ضوء على سطح اللوحة. والفنان الحقيقي لا يرسم الأشياء كما تبدو في ظاهرها فحسب، بل يحاول أن يكشف ما يختبئ خلفها من خوف وأمل وانكسار ورغبة في الحياة.

إن الفن التشكيلي، في جوهره العميق، ليس دعوى تُرفع، ولا شعاراً يُعلّق، ولا مصطلحات غامضة تُلقى في المجالس لإرباك المتلقي وإيهامه بعمق غير موجود. إنه رحلة طويلة وشاقة عبر تضاريس النفس وتحوّلات المجتمع وأسئلة الوجود. ولا يبلغ مداها إلا من انصهر في أتون التجربة، وصقلته الملاحظة والقراءة والشك والتساؤل، وامتلك القدرة على أن يرى في المشهد اليومي ما لا يراه الآخرون.

قد يرى الناس باباً قديماً متآكل الخشب، بينما يرى الفنان ذاكرة بيت غادره أصحابه ولم يعودوا. وقد يرون وجه امرأة مسنّة، بينما يرى فيه سنوات الانتظار وخرائط التعب وآثار الأبناء الغائبين. وقد يرون شارعاً مزدحماً، بينما يلتقط هو عزلة الإنسان وسط الضجيج، أو صراعه الصامت من أجل أن يحتفظ بكرامته. هنا تبدأ قيمة الفن: حين يتحول الواقع العادي إلى سؤال، ويتحوّل الألم إلى لون، والذاكرة إلى خطّ، والصمت إلى فضاء مفتوح على التأمل.

أما أولئك الذين يكتفون بالادّعاء، فإنهم غالباً ما يقفون عند القشرة الخارجية للفن. يتحدثون عنه أكثر ما ينتجون، ويشرحون عبقريتهم قبل أن يراها أحد، ويمنحون أنفسهم ألقاباً لم تمنحها لهم التجربة ولا النقاد ولا الجمهور. تراهم يتباهون كمن عثر على سرّ الجمال كله، بينما تكشف أعمالهم فقراً في الفكرة، واضطراباً في البناء، وضعفاً في التكوين، وعجزاً عن إقامة علاقة صادقة بين اللوحة والمتلقي.

ولا يعني ذلك أن قيمة العمل الفني تُقاس بقدرته على محاكاة الواقع محاكاة فوتوغرافية، أو أن الفنان لا يكون فناناً إلا إذا أتقن رسم الوجوه والأجساد والمناظر على نحو واقعي. فالفن الحديث، بتجريديته وتكعيبيته وسرياليته وتجاربه المفاهيمية، تجاوز المحاكاة المباشرة منذ زمن بعيد. غير أن التجريد الحقيقي ليس ستاراً لإخفاء العجز، والغموض الفني ليس فوضى اعتباطية، والابتعاد عن الواقع لا يعني غياب المعرفة بقواعد اللون والتوازن والإيقاع والتكوين.

وراء لوحة التجريد الأصيل رؤية وتجربة وثقافة بصرية وقدرة على اختزال العالم وإعادة بنائه. أما بعثرة الألوان من غير إحساس، ورسم الخطوط من دون وعي، ثم مطالبة المتلقي بأن يبحث لها عن معنى، فليست إبداعاً بالضرورة. ليس كل غموض عمقاً، ولا كل تشويه ثورة فنية، ولا كل خروج على القواعد دليلاً على العبقرية؛ فقد يخرج الفنان المتمكن على القاعدة لأنه عرفها واستوعبها وتجاوزها، في حين يهرب المدّعي منها لأنه لم يمتلكها أصلًا.

الفن لا يعادي الحرية، بل يقوم عليها، لكنه لا يفصل الحرية عن المسؤولية والمعرفة. فاللوحة، مهما بدت تلقائية، تحتاج إلى عين مدرّبة وإحساس مرهف ووعي بالعلاقات بين الأشكال والألوان والفراغات. وحتى العفوية التي تبدو في أعمال كبار الفنانين لم تنشأ من فراغ، بل جاءت بعد سنوات من البحث والممارسة والتجريب والإخفاق وإعادة المحاولة.

غير أن بعض المتطفلين يريدون الوصول إلى النتيجة من دون المرور بالطريق. يريد أحدهم أن يصبح فناناً بمجرد أن يضع توقيعه أسفل لوحة، وأن يصير ناقداً لأنه حفظ أسماء عدد من المدارس الفنية، وأن يُعامل بوصفه صاحب تجربة لمجرد مشاركته في معرض جماعي عابر، أو نشر صور أعماله على منصات التواصل. وكأن الفنان تصنعه كثرة الصور والتعليقات والمجاملات، لا قيمة ما يقدمه وصدقه وقدرته على البقاء في الذاكرة.

لقد أسهمت المجاملات في تضخيم أسماء كثيرة لا تستند إلى منجز حقيقي. فالعلاقات الشخصية، والشللية الثقافية، وتبادل الثناء، والضجيج الإعلامي، قد تمنح صاحب العمل حضوراً مؤقتاً، لكنها لا تمنحه قيمة فنية راسخة. يستطيع المرء أن يجمع حوله المصفّقين، وأن يملأ صفحته بالمدائح، وأن يقدّم نفسه في كل مناسبة بوصفه فناناً كبيراً؛ لكن اللوحة تظل الاختبار الأصعب، لأنها لا تجامل صاحبها، ولا تنحني أمام لقبه، ولا تستر ضعف تجربته.

عندما يقف المتلقي أمام العمل الفني، يسقط كثير من الكلام، ويبقى ما تقوله اللوحة وحدها. فإن كانت صادقة، حملته إلى عالمها من غير استئذان، وإن كانت مصطنعة، شعر ببرودتها مهما أحاطها صاحبها بالشروحات المعقدة. فالموهبة الحقيقية تُرى وتُحسّ، حتى حين يعجز المرء عن تفسيرها، أما الادّعاء فيحتاج دائماً إلى ضجيج يحرسه، وإلى كلمات كثيرة تسدّ الفراغ الذي تركه غياب الإبداع.

والأدهى من ضعف الموهبة أن يقترن الادّعاء بفظاظة السلوك وتعالي صاحبه على الآخرين. فالفن، قبل أن يكون مهارة، حساسية إنسانية وذائقة وتهذيباً للروح. ولا يُعقل أن يدّعي المرء الدفاع عن الجمال، بينما لا يعرف في تعامله معنى الاحترام، أو يتحدث عن رهافة الإحساس وهو يندفع إلى الشتيمة والإساءة كلما وُجّه إلى تجربته سؤال أو ملاحظة.

النقد ليس عدواناً على الفنان، بل قد يكون دليل احترام لتجربته، لأنه يتعامل معها بوصفها عملاً يستحق القراءة والنقاش. أما من يظن أن كل ملاحظة مؤامرة عليه، وأن كل سؤال انتقاص من عبقريته، فإنه لا يدافع عن الفن بقدر ما يدافع عن صورة متضخمة صنعها لنفسه. الفنان الواثق لا يخشى الحوار، ولا يستنفر أصدقاءه لإسكات المختلفين، ولا يحوّل النقاش الثقافي إلى خصومة شخصية؛ لأنه يعلم أن العمل القوي قادر على الدفاع عن نفسه، وأن الزمن أكثر عدلاً من المجاملات.

ولئن أثار حديث عام، لم تُذكر فيه أسماء أو ألقاب، غضب بعضهم ودفعهم إلى إطلاق الاتهامات والشتائم، فإن ذلك لا يكشف عن قسوة النقد بقدر ما يكشف عن هشاشة النفوس التي رأت صورتها في المرآة. فالكلمة العامة لا تجرح إلّا من شعر أنها تلامس حقيقة يحاول إخفاءها. والصراخ، مهما ارتفع، لا يصنع فناناً، والشتيمة لا تمنح صاحبها موهبة، والغضب الأعمى لا يضيف إلى اللوحة لوناً ولا إلى التجربة معنى.

أما أولئك الذين يهبّون للدفاع عن المدّعين بدافع العصبية أو الصداقة أو تبادل المصالح، فإنهم لا يخدمون الفن، بل يسيئون إليه من حيث يظنون أنهم ينصرونه. فالثقافة لا تزدهر بالمجاملات المتبادلة، ولا تتقدم بحماية الأسماء الضعيفة من النقد، وإنما تنمو بالحوار الصريح، والتمييز بين الموهبة والادّعاء، وبين التجربة الحقيقية والحضور المصنوع.

ليس كل من حضر فعالية ثقافية مثقفاً، وليس كل من شارك في معرض فناناً، كما أن الوقوف قرب الضوء لا يجعل الإنسان مضيئاً. فالضوء نفسه قد يتحول إلى أداة كشف؛ يفضح الوجوه حين تكون بلا ملامح، ويكشف الأقنعة حين تكون أوسع من أصحابها، ويُظهر المسافة بين ما يزعمونه وما يستطيعون تقديمه فعلاً.

المبدع الأصيل لا يحتاج إلى أن يعلن في كل حين أنه مبدع. أعماله تتحدث عنه، وتطوره يشهد له، وقدرته على التجدد تمنحه مكانه الطبيعي. هو يدرك أن الفن ليس محطة يصل إليها ثم يستريح، بل سؤال متجدد ومسؤولية دائمة. كل لوحة عنده محاولة، وكل تجربة بداية، وكل نجاح حافز لمزيد من البحث، ولذلك يبقى متواضعاً أمام اتساع الفن وغموضه.

أما المزيفون فيعيشون أسرى صورة صنعوها لأنفسهم. يكررون الأساليب ذاتها، ويدورون في الفراغ نفسه، ويستعيضون عن التطور بكثرة الظهور. وقد ينجحون في خداع بعض الناس فترة من الزمن، لكنهم لا يستطيعون خداع الذاكرة الثقافية طويلاً؛ لأن ما لا يستند إلى موهبة ومعرفة وتجربة صادقة يتلاشى بزوال المناسبة التي أنجبته.

إن السؤال الذي ينبغي أن يُوجَّه إلى هؤلاء ليس: كم معرضاً شاركتم فيه؟ وكم صورة التُقطت لكم؟ وكم شخصاً امتدح أعمالكم؟ بل: ماذا أضفتم إلى الفن؟ ما الرؤية التي حملتموها؟ أي أثر تركتم في وجدان المتلقي؟ هل جعلتموه يرى العالم بطريقة مختلفة؟ هل منحتم ألمه شكلاً، أو ذاكرته صوتاً، أو أسئلته مساحة جديدة للتأمل؟

الفن الحقيقي لا يُقاس بضجيج صاحبه، بل بعمق الأثر الذي يتركه بعد أن ينتهي الضجيج. ولا تُقاس قيمة الفنان بعدد المحيطين به، بل بقدرته على أن يواجه وحدته وقلقه وأسئلته، ثم يقدّم للناس عملاً يختصر شيئاً من حقيقتهم الإنسانية.

أما من يعيش على الألقاب والمجاملات، ويجعل من الفن قناعاً يُخفي به فقر تجربته، فسوف يبقى على هامش الإبداع، مهما اقترب من المنصات، ومهما ازدحمت حوله الأضواء. فالحضور المصطنع قد يملأ لحظة، لكنه لا يصنع ذاكرة، والاسم الذي لا يحمله منجز حقيقي سرعان ما يصبح صدًى يتلاشى في الفراغ.

الفن أبقى من أصحابه، وأشدّ عدلاً من المصفقين، وأقسى على الزيف من كل ناقد. وحدها الأعمال الصادقة تنجو من النسيان، أما الأقنعة، مهما تلألأت تحت الأضواء، فلا بدّ أن تسقط ذات يوم، ليظهر خلفها وجه الادّعاء عارياً، بلا أثر، وبلا معنى، وبلا حضور يستحق البقاء.

كاتب وصحافي سوري

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى