سينما

أفلام الطريق: المطبَّات ومتاهة المعرفة

خليل صويلح

لا طريقَ سالكاً بلا رحلة، ولا رحلة مكتملة بلا طريق.. لعلَّ هذا ما سعت السينما إلى توثيقه باكراً، منذ أن اقتحم قطار الأخوَيْن لوميير الشاشة في فيلمهما الوثائقيِّ «وصول القطار إلى المحطَّة» (1895)، إلَّا أن دروب السينما ستتشعَّب مثل متاهة في تدوين فلسفة الطريق كإطار سرديٍّ جديد بمقاربات واقعيَّة، وعدسة ترصد تحوُّلات الفضاء العامِّ. سنستثني، هنا، أفلام المطاردات والتسلية والمغامرات التي اعتمدت الإثارة في المقام الأوَّل، ونتوجَّه نحو الحمولة الفكريَّة التي صدَّرها هذا الطراز من الأفلام، كمنعطف في تأصيل نهج سينمائيٍّ يعتني بتقشير طبقات الواقع وفحص التضاريس الوعرة في أثناء الرحلة، وذلك بالخروج من الإستديو إلى الشارع.

في ذروة الحرب العالميَّة الثانية وبداية اندحار الفاشيَّة الإيطاليَّة، سوف يهتف المُخرج الإيطاليُّ روبيرتو روسلليني: «يجب أن نحمل الكاميرا، وننطلق إلى الشوارع والطرقات وندخل البيوت، ففي هذه الأمكنة تكمن سينما الواقع».

هكذا، دشَّن هذا المُخرج الطليعيُّ أولى عتبات سينما الطريق، وموجة الواقعيَّة الإيطاليَّة الجديدة، في فيلمه «روما مدينة مفتوحة» (1944)؛ إذ انخرط معظم المُخرجين الإيطاليِّين في هذه الموجة، كمرآة عاكسة لحركة الشارع، واقتناص ما يثري تفاصيل الحياة اليوميَّة، وذلك بإشارات خاطفة، تُشكِّل – بمجموعها – نبرة مغايرة في بنية الفيلم ومنعرجاته السرديَّة على غرار أرشيف أدبيٍّ غنيٍّ بالإحالات البصريَّة لمعنى الطريق؛ بدءًا من «الأوديسة» لهوميروس، ورحلات السندباد في «ألف ليلة وليلة»، و«دون كيخوتي» لسرفانتس، وصولًا إلى كتابات جاك كيرواك، وألان غينسنبرغ، وإذا بهذا الصنف السينمائيِّ يتجاوز المشهد الخارجيَّ للطريق نحو متاهة الذات، ليمنح فكرة الترحال أبعادًا تأمُّليَّة ووجوديَّة وفلسفيَّة، مثل وشم في الروح.

من الحصان إلى التاكسي

أفلام مفتوحة على المجهول؛ تبعاً لتحوُّلات السفر وأقدار الشخصيَّات، فالطريق هو البنية التحتيَّة التي تحدِّد آفاق الرحلة. في النسخ المتتالية من فيلم «دون كيشوت»، كان «سانشو» الذي رافق «دون كيخوتي» في مغامرته المجنونة، يتطَّلع إلى امتلاك الجزيرة التي وعده بها الفارس الجوَّال، فيما كان «دون كيخوتي» يرمي إلى تحقيق العدالة، بتأثير كتب الفروسيَّة التي أوصلته إلى حالة من الخبل، إلى درجة محاربة طواحين الهواء على أنَّها أشباحٍ شرِّيرة. في نماذج أخرى، سيختفي الحصان الهزيل للفارس الجوَّال لمصلحة التاكسي أو الشاحنة أو عربة القطار، بينما يستقطب الطريق رحَّالة آخرين بمرايا أكثر سطوعًا في تفكيك مكابدات الشخصيَّات، بالتوازي مع عنف اللحظة وتعقيدات الشارع من جهة، وتطوُّر التقنيات البصريَّة من جهة ثانية، في استكشاف حفر الطريق ومنعطفاته الحرجة، فلا طريقَ مستقيمًا نحو النهاية.

التيه طريقًا للشغف

في فيلم «جسور مقاطعة ماديسون» لكلينت إيستوود، تُمضي «فرانشيسكا» (ميريل ستريب) حياتها بهدوء وسكينة ورتابة إلى أن يظهر رجل عابرٌ ضلَّ طريقه، فجاء إلى بيتها في مزرعة معزولة، ليسألها عن أحد الجسور التي ينوي تصويرها لمصلحة مجلَّة ناشيونال جيوغرافيك. لحظةٌ ستزلزل استقرار حياتها بعد أن رافقته إلى موقع الجسر، لتنشأ بينهما علاقة عابرة بغياب زوجها وطفلَيْها في رحلة لمدَّة أربعة أيَّام. هكذا، يخترق هذا الرجل الغامض سياج وحدتها، فيعيد إلى روحها الشغف والرغبة وشهوة العيش؛ وهذا ما قادها، لاحقًا، إلى كتابة مذكِّراتها، وتدوين وقائع عاصفة الأيَّام الأربعة، بوصفها عمرًا كاملًا، لكي يتعلَّم طفلاها معنى الحبِّ، وقد أوصت بقراءة مذكِّراتها بعد موتها. الجسر، هنا، يصل بين طريقَيْن للعبور نحو أشواق أخرى.

سنختبر طريقًا آخرَ، أكثر عنفًا وأسًى في فيلم «المخدوعون» لتوفيق صالح، عن رواية غسَّان كنفاني، الطريق الذي قاد ثلاثة لاجئين فلسطينيِّين إلى حتفهم، بعد رحلة مضنية من صحراء العراق نحو الكويت، تهريبًا، لكن الرحلة تنتهي بهم مختنقين داخل صهريج ماء، بعد أن تأخَّر السائق في إنجاز إجراءات العبور في النقطة الحدوديَّة بين البلدَيْن. كأنَّ الطريق منفًى آخر، ونكبة مؤلمة، ومتاهة، وهروب إلى جحيم أشدَّ إيلامًا، نحو العدم!.

لكلِّ سجين طريقُه

كان المُخرج التركيُّ يلماز غوني يقبع في السجن السياسيِّ، حين داهمته فكرة فيلم «الطريق»، وإذا بالمُخرج والسيناريو يسلكان طرقاً ملتوية لإنجازه، فقد تمكَّن يلماز غوني من تهريب السيناريو خارج الزنزانة، وأوصى زميله شريف غورن بتنفيذ تعليماته الإخراجيَّة من خلف القضبان. يقول: «كنتُ أعلم، مسبقاً، أنَّي لن أقوم بإخراج بعض أفلامي بنفسي، بسبب وجودي في السجن؛ لهذا السبب قرَّرت إضافة الكثير مني ومن أفكاري وتخيُّلاتي وصوري وتصوُّراتي التي تزدحم في رأسي، فاضطررت إلى كتابة ديكوباج تكنيكيٍّ فنِّيٍّ تفصيليٍّ دقيق مع جميع الملاحظات الضروريَّة المهمَّة للإخراج والحوار والموسيقى، بالإضافة إلى تعليمات مكثَّفة وواضحة عن الديكور والألوان والملابس، وحتى نوع العدسات التي يجب أن تستخدم في التصوير». يروي الفيلم قصص خمسة مساجين حصلوا على إجازة مؤقَّتة؛ نظرًا لقضاء ثلثي المدَّة من محكوميَّتهم، فيسلك كلّ سجين طريقًا مختلفًا نحو الحرِّيَّة المشروطة، لكننا نكتشف أن سجنًا كبيرًا في انتظارهم، إذ تتناسل القصص الفجائعية، لتلتقي عند سجن الأعراف المتخلَّفة في أرياف تجثم على صدور أهلها سطوةُ الإقطاع، ومعنى العار والعوز. هكذا، يسلك أحدهم طريقًا وعرًا ممتطياً حصاناً يعجز عن إكمال الرحلة تحت ثقل الثلج، فيضطرُّ إلى قتله، متابعاً طريقه لملاقاة زوجته التي جلبت لعائلته العار، وطُرِدت إلى قريتها. حين يصل إلى القرية، يجد زوجته محبوسة في زريبة المواشي، في انتظار قدومه وغسل عاره بيديه، بحسب أعراف القبيلة، لكن قلبه يلين لها، فيُقرِّر مسامحتها. يعودان معًا في الطريق ذاته إلَّا أنَّ الزوجة تتجمَّد من البرد، فيضطرُّ إلى حملها على ظهره، طوال الطريق، إلى المستشفى، لتموت هناك. يضفي يلماز غوني على مصائر أبطاله غلالة جماليَّة شفيفة، وشاعريَّة بصريَّة أخَّاذة، توَّجت فيلمه بجائزة مهرجان كان، عام (1982)، بوصفه أفضل فيلم أجنبيٍّ.

المسافة الفاصلة بين طريقَيْن

بنوع من الكوميديا السوداء والفكاهة المُرَّة، يرسم فيلم «الحدود» لدريد لحام، عن سيناريو كتبه بمشاركة محمَّد الماغوط، خريطة طريق مقفلة أمام سائق سيَّارة يفقد جواز سفره في المسافة الفاصلة بين الحدود السوريَّة – اللبنانيَّة، وبعد أن يفقد الأمل في عبور الطريق؛ لهشاشة الوعود بحلِّ مشكلته، يبني خيمة على الحدود مثل راية عار تدين الإجراءات الحدوديَّة، ولعنة جواز السفر الضائع، تاركاً السؤال معلَّقاً في العراء: لماذا وُجِدت الحدود بين بلدَيْن شقيقَيْن؟ وهل تكفي أغاني الزَّجل الحماسيَّة لحلِّ هذه المعضلة التاريخيَّة؟

من جهته، سلك عاطف الطيِّب منهج أفلام الطريق في أكثر من تجربة، بدءاً من فيلمه «سوَّاق الأتوبيس» الذي عمل فيه على تشريح فترة الانفتاح في الشارع المصريِّ، وانعكاسها على انهيار عائلة من الطبقة الوسطى، كما لو أنَّه يرثي أحلام هذه الطبقة، وهي تُداس تحت عجلات الأُتوبيس، وتُسرق في وضح النهار. وفي فيلمه «ليلة ساخنة»، نتعرَّف إلى سائق تاكسي أرمل، في ليل القاهرة، يسعى إلى تأمين (200 جنيه)، لعلاج حماته في المستشفى، يلتقي بعاهرة تائبة، تعيش مأساة مشابهة تتعلَّق بترميم بيتها المتصدِّع، قبل أن يشتبكا مع جماعة إرهابيَّة، ويكسبا حقيبة مملوءة بالمال. ليلة ساخنة حقاً، تختزل ليل القاهرة بحكايات متقاطعة، تنطوي على تفكُّك وتشظٍّ وإحباط، ينعكس على طريقة السرد وحركة الكاميرا، في محاولة لتلخيص هموم قاهرة التسعينيَّات، ودروبها المتشعِّبة نحو الهاوية.

سيَّارة بيجو بيضاء

سينسج محمَّد خان، في فيلمه «طائر على الطريق»، سجَّادة بصريَّة في تمجيد الهامشيِّين، عن سائق تاكسي يتمتَّع بشهامة أبناء البلد، على الرَّغم من ظروفه القاسية، فهو ينام بسيَّارته على مقربة من شاطئ البحر، قبل أن يبدأ نهاره مرتحلًا في شوارع المدينة، مثل طائر يُقدِّس حرِّيَّة التحليق عاليًا، وينأى عن كلِّ ما يقيِّد حرِّيتَه، فنحن إزاء (فارسٍ) استبدل بحصانه سيارةَ بيجو بيضاء، من دون أن يتخلَّى عن قيم الفرسان: يندفع وينكفئ بحساب، يتوغَّل في أحراش الحياة اليوميَّة، ثم يتطهَّر من آثامه في مياه البحر.

أضواء شارات المرور، في الأفلام المصريَّة اللاحقة، التي رصدت أحوال الطريق، ستشعل الضوء الأحمر، استجابةً لمشكلات أكثر تعقيداً وعنفاً، كما في فيلم «ساعة ونصف» للمُخرج وائل إحسان، إذ يحشد عشرات الشخصيَّات في قطار متوجِّه إلى الصعيد، وخلال ساعة ونصف هي مدَّة الرحلة التي انتهت بخروج القطار عن السكَّة، تتكشَّف حكايات الفقر والبطالة واللصوصيَّة، وانهيار القيم العائليَّة، كما لو أنَّ وقائع الشريط هي جرس إنذار لما ينتظر البلاد من كوارث مقبلة.

طريق الروحانيَّات

من جهته، يتَّخذ المُخرج التونسيُّ الناصر خمير، في فيلمه «بابا عزيز»، مسلكاً مختلفاً لمعنى الطريق، فالطريق، هنا، يحمل الجدَّ الأعمى وحفيدته في رحلة عبر الصحراء، مشحونة بأجواء روحانيَّة مثقلة بالحكمة والتأمُّل والدهشة، يمكن اختزالها بسؤال الحفيدة للجدِّ: «هل تعرف الطريق إلى المكان؟»، فيجيبها: «إيمان الإنسان بوجهته سيقوده إلى الطريق».

سيروي الجدُّ حكايات ذات معنًى عميق خلال رحلتهما إلى مكان في الصحراء، يجتمع فيه المريدون كلّ ثلاثين عاماً مرَّةً واحدة. هكذا، تتداخل الحكايات التي تنطوي على فلسفة صوفيَّة مشبعة بالروحانيَّات والأساطير؛ فحين يدرك الجدُّ قرب منيَّته يهدي حفيدته قلادة، فيما يهدي شاباً قابلاه في الرحلة عباءته وعصاه، ويوصيه بأنْ يدفنه في الرمال، وأنْ يكمل رحلته نحو المعرفة.

روائي وصحافي سوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى