مسرح

الشخص والكلاب

(1 من 2)

ـ نص بصري ..

الغبيُّ وحده من يستظلُّ بفيء شجرة عارية في شتاء بارد..

                                                      *حمدي

د . حمدي موصللي

(1)

الشخصيات:

١- شخص الزنزانة.

٢- حفل راقص (تنكّري): رجال ونساء.. على الوجوه أقنعة مختلفة الأشكال.. أغلبها وجوه كلاب..

المنظر: نلحظ مستويين.. الأول مخصّص لشخص الزنزانة.. والثاني للحفل الراقص والكلاب (رقص.. ضحك.. موسيقى صاخبة).

بقعتان ضوئيتان تتناوبان الإنارة بين المستويين..

نرى في المستوى الأول.. سريراً ومغسلة، وحنفية ماء تنقط باستمرار، ومصباحاً كهربائياً يتدلّى من السقف على منتصف الطاولة، وثمّة مرحاض مكشوف، أو جورة فنية. ندقّق في المكان، نلحظ كتلة ملفوفة بالسواد، متقوقعة على نفسها.. موجودة فوق السرير..

ندقّق بعمق مستمر، فتظهر ملامح كتلة ضعيفة هشّة لهيكل عظميٍّ مكسوّ بجلد آدمي مستور، ومغلّف بقطعة قماشية سوداء، وإشارة استفهام (؟) بالأبيض موسومة على الصدر.

{الشخص: من خلال «المكياج» تبدو ملامحه مكويّة.. عضلات وجهه متصلّبة.. يمشّط بنظراته زنزانته بحذر وترقّب}.

(الشخص ينزل عن السرير، ويجلس على الكرسي، ويتناول كوز الماء، ويشرب منه الماء على ثلاث دفعات، ويحمد الله ويشكره).

الشخص: الحمد لله.. ربنا لا تحرمنا من نعمك.

(يأخذ نفساً عميقاً)

قالوا: شرب الماء على ثلاث دفعات سنّة مستحبّة من سنن رسول الله (ص)، وهي كثيرة..

(ينهض ويتجوّل في المكان ويتأمّله).

في مثل عمري يكون الإنسان قد أمضى وقتاً طويلاً في التفكير.. قد تخونك الذاكرة في استرجاع أمر ما. لكن أن تنسى أموراً مهمّة محفورة في الذاكرة، فهذا مستحيل! إلّا إذا أصابك مكروه، أو أُجبرت على النسيان عمداً. لكنها قد تُسعفك، وأنت وحيد مع ذاتك، في مساحة ضيّقة من عقلك، أو في خلوة حذرة!

على الرغم من ذلك، يداخلك الشكُّ في أن تسمعك الجدران المحيطة بك، والكاتمة على أنفاسك.. يقولون: الجدران لها آذان..

(يعود إلى السرير.. يتمدّد، ثم يشعل سيجارة، ويغبُّ منها نفساً عميقاً يعقبه شريط من دخان، يمرّ أمام عينيه، ويرسم خيوطاً متداخلة.. أفكار تتوارد بازدحام وانخراط.. دقائق قليلة من السكون، ثم ينهض الشخص ثانية، ويتحرّك باتجاه حنفية الماء، يفتحها، ويجمع نقاط الماء بكفّيه).

الشخص:

(يمسح وجهه ثم يبصق).. تفو على أصلكم! كلاب قذرة! آهِ يا حثالة هذا الزمن المغلوط! لا فرق هنا.. بين زمن أو قرن.. يلعن قرون آبائكم! كل الأشياء مغلوطة.. متشابهة.. لا حياة فيها.. موبوءة بالسفلس والإيدز والكورونا، والأمراض المستوطنة زمن العهر والقهر والاستبداد، والخيبات، والخطابات الخشبية، والشعارات المطّاطية الملوّنة.

(إطفاء – انتقال – إضاءة)

ينتقل من المستوى الثاني الكلب (1) إلى المستوى الأول، وبيده كرباج يهدّد به الشخص..

الكلب (1): ياهووو.. أنت يا حيوان! أنت يا حشرة! اسمع يا قنفذ:

أنت قبلت المسخ وأعلنت الخضوع.. تخور.. تزحف.. تصرخ.. لا فرق عندنا.. بغلٌ أنت.. جحشٌ أنت! صرصار! مفهوم!

الشخص: أنا كل هذه الألقاب؟!

الكلب (1):

نعم، أنت.. مفهوم!

(إطفاء – انتقال – إضاءة)

ينتقل الكلب (2) إلى المستوى الأول.. يتكلّم مع الشخص، بينما الكلب (1) يجلس على طرف السرير..

الكلب (2): سررت برؤيتك يا جميل..

الشخص: (يشعل الشمعة) أهلاً وسهلاً.. معقول! أنا جميل؟!

(يطفئ الشمعة بنفخة قوية، كمن يكلّم نفسه).. ما حدث هو أن أحداً لا يريد أن يصدّق هذا! قالوا عنه، وعلى ذمّة الحكومة، إن زوجته التي كانت عاقراً، والتي عجز الطب في المدن والدول ومنظمات الصحة، وتدخّلت الأمم المتحدة لأجلها، متوسّلة شفاءها، عجزت عن جعلها حبلى! نعم! صدّقوا أو لا تصدّقوا.. هم أكّدوا أنها حبلى الآن، ومن صلبه.. بل وأحسن من ذلك.. قالوا عنها: إنها فرس جموح تتمتّع بلياقة عالية، وبقدرة كبيرة على الركوب!

(يسكت، ثم يمشي، يبحث عن منشفة.. يجدها وينشّف).

الكلب (2): على الركوب! تركب ماذا يا ابن الحرام؟

الشخص: (يتلعثم ويده على رقبته) أقصد!.. إنها تجيد ركوب الخيل!

الكلب (2): معقول! على من تضحك؟ اعترف.. تركب ماذا؟

الشخص: (باعتداد مهزوز) عفواً! ت. ت. ر. تركب.. صحيح، تركب ماذا؟

الكلب (2): (مهدّداً) تركب ماذا؟

الشخص: (بتمويه مقصود) على علمي المتواضع، يا سيّد.. أن كل نساء المسؤولين في هذا البلد يركبن الخيل.

الكلب (2): ابن الحرام! أعرف أنهن يركبن.. وبعدين معك!

الشخص: (بسخرية) ولا قبلين يا سيّد! أتحدّاك إذا كنت تعرف ماذا كنّ النساء يركبن؟

الكلب (2): وهل هذه فزّورة؟ الحمار يعرف! بدّك أنا ما أعرف؟!

الشخص: (مصرّاً) أتحدّاك لو عرفت.

الكلب (2): (يضربه على رقبته) ما خصّك أنت؟ يركبوا الذي يركبوه! راكبين على ظهر أبيك؟

الشخص: (باعتداد وانفعال مهزوز) ومن هذا الذي يجرؤ على ركوب ظهر أبي؟

الكلب (2): أنا يا حيوان..

الشخص: أكيد!

(باعتداد يترحّم) الحمد لله، مات الوالد وارتاح، وما حدا استطاع ركوبه!! الله يرحمه.. كان حصاناً، وفحلاً ابن فحل!

الكلب (2): (بغباء) وهل كان أبوك حصاناً؟!

الشخص: (متابعاً باعتداد) نعم! وأصيل!

الكلب (2): يا عمّي، دعنا من أصالة أبيك وحكاية الركوب، وخلّينا في قصة زوجة صاحبنا المرحوم.

الشخص: ولو يا أخ! لازم نعرف أولاً.. ماذا تركب نساء المسؤولين، حتى نعرف ماذا كانت تركب زوجة صاحبكم.. المسؤول المرحوم؟

الكلب (2): حيوان.. اسمع: من أنت لتتحدث عن زوجة صاحبنا المرحوم؟ قدّس الله سرّه.. الزوجة المواطنة الصالحة المخلصة الشريفة العفيفة الطاهرة، والنظيفة!!

الشخص: (يتصنّع الغباء) صحيح!! من أنا لأتحدث عن تلك المرأة صاحبة هذه الصفات؟!

الكلب (2): (متابعاً باعتداد)..

ومن أنت أيضاً لتتحدث عن زوجها المواطن المخلص، الشريف، النظيف، العفيف، الطيّب، الطاهر، المؤمن؟ الله يرحمه ويحسن مثواه، ويسكنه فسيح جنانه..

الشخص: آميــن! الله يرحمه ويرحم أمواتك وتراب أجدادك!

لكن هي التي تحدّثت، يا سيد، ولست أنا؟!

الكلب (2): هي! من تكون هي؟

الشخص: (ساخراً)

الحكومة، وليس أنا، يا سيد.. على كل حال، الحكومة ابنة حلال، تخلّصت منه، وأراحت الناس من شروره..

الكلب (2): لا، لا. الحكومة لا دخل لها.. بل انتحر.. أفهمت؟ أكرّر.. الحكومة لا دخل لها، يا شخص.

الشخص: معقول! الرجل كان يصول ويجول، يقضي ويحكم، ويبيع ويشتري باسم صاحب السعادة!

الكلب (2): دعه في قبره يستريح.. الرجل مات، وشبع موتاً.

الشخص: قلت إنه انتحر.. سبحان الله!

الكلب (2): (باستحياء) هي التي قالت.

الشخص: هي! ومن تكون هي؟

الكلب (2): تقصد التي قالت؟

الشخص: نعم! نعم!

الكلب (2): حيوان.. انتحر، وخلاص.

الشخص: لم أفهم؟ هل هو انتحر أم نُحِر؟ أم ماذا، يا سيد؟

الكلب (2): حيوان! (بانفعال) نعم! نعم، يا شخص! هي قالت بعظمة لسانها..

الشخص: تقصد الحكومة؟!

الكلب (2): قز قرت! ابن الحرام.. لازم تورّطني؟

الشخص: (يتحسّر) إيه.. دنيا ملعونة! يا الله، كلنا على هذه الطريق.. البركة في الذين خلّفهم، وتركهم خلفه ليتابعوا الدرب الذي رسمه لهم من بعده.. لا إله إلا الله.. يمهل ولا يهمل..

الكلب (2): (يصفعه على وجهه) حيوان.. تابع كلامك عن زوجة صاحبنا، ولكن بأدب!

الشخص: (يأخذ وضعية الاتزان، وبصوت مرتفع نسبياً) وتزعم هي أن..

الكلب (2): (مقاطعاً بانفعال) وتزعم هي؟ ابن الحرام، رجعنا! من التي هي تزعم؟

الشخص: أقصد الحكومة هي التي تزعم..

الكلب (2): هنا ينبغي أن تقول.. (يأخذ وضع الاعتداد بالنفس، وكأنه يخطب).. وتضيف الحكومة بكل احترام، يا حيوان.. بدلاً من كلمة: «وتزعم هي أن…».

الشخص: (بعفوية وارتباك) وتضيف الحكومة بكل احترام، يا حيوان..

الكلب (2): (مقاطعاً، يصفعه) أنا! أنا حيوان، يا سافل! يا منحط!

الشخص: (بارتباك) آخ! عفواً، يا أخ! (متابعاً).. أقصد! وتضيف الحكومة بكل احترام..

الكلب (2): (مقاطعاً بلباقة واعتداد) لاحظ، الكلام هنا أدقّ وأجمل، وأكثر رونقاً، وأكثر شفافية، وأحسن جرساً.. يا سافل.. يا منحط..

الشخص: (متابعاً) وتضيف الحكومة بكل احترام أن زوجة المواطن الذي غادرنا منتحراً قد أنجبت، بكل فخر واعتزاز، عشرين ممسوخاً، عدا المكتومين منهم، وهم بالعشرات.. وتؤكّد التقارير الصحية أنهم جميعاً في حالة جيدة، رغم التلوث وغياب الأكسجين..

الكلب (2): (بفخر واسترسال) صدّقت!

الشخص: ما شاء الله؟! امرأة فارسة.. عرفت كيف تجمح، وتطرح، وتركب، وتنجب..

الكلب (2): (وقد نسي نفسه) يا عزيزي! الشباب كبروا، ما شاء الله.. كبروا!

الشخص: (بإعجاب مصطنع) بهذه السرعة كبروا؟! لا إله إلا الله.. إذا قال للشيء: كن، فيكون.. سبحانك ربي!

الكلب (2): (بفخر يتابع) وجميعهم الآن في دوائر المسخ يعملون..

الشخص: سمعت مثل هذا الكلام! (يسترسل بالكلام) أعتقد ثلاثةً منهم من كبار المهربين، وخمسةً من زعماء القوادة، والخمسة الآخرون انخرطوا في سلك اللصوص، سائلين الله البركة.. ثلاثة عشر صبياً.. المجموع.. أما..

الكلب (2): (مقاطعاً بإعجاب زائد، يتابع إكمال العد الذي بدأه الشخص، وباللهجة) لسّه، يا عمّي.. لسّه! ما شاء الله.. ما شاء الله! واحدة رقّاصة، والثانية طبّالة.. والثالثة.. (يتذكّر) والثالثة، يا ربي!

الشخص: (مقاطعاً، ومتابعاً بسخرية) والثالثة، يا أخ! ركّز معي، وحاول أن تفتكر..

الكلب (2): الكلمة على رأس لساني! الثالثة!.. آه، الثالثة! أعرف أنها كانت تظهر في المناسبات والأعياد، والحفلات الرسمية وغير الرسمية، وفي مواسم الترويج للانتخابات.. شراء وبيع الأصوات، وبيع الحبوب الملوّنة، والسراويل المعطّرة.. كان الإقبال عليها كبيراً.. فخر صناعة البلد.. الله أكبر!

الشخص: (ساخراً ومتابعاً) والرابعة، إن كنت شاطراً، فاحزر.

الكلب (2): هي فزّورة؟! الرابعة للراحة وتلبية الدعوات العامة والخاصة.

الشخص: (متابعاً) والثامنة عشرة، والتاسعة عشرة..

الكلب (2): (بالعامية) بدّك تقول سوق سودة.. هيك الله كتب، ووعد برزقهم.. ما شاء الله! (متابعاً باعتزاز) أما الولد الأخير.. صاحب الرقم عشرين! هل سمعت عن أخباره؟ ماذا يعمل هو الآخر؟

الشخص: نعم! بقدرة قادر أصبح مسؤولاً كبيراً، وكشف الله عن بصيرته، ووهبه من أموال اليتامى، والمساكين، وأبناء السبيل.. الكثير.. الكثير!

الكلب (2): (يصفعه بقوة، فيقع على الأرض).. حيوان.. سافل.. ابن حرام!

(بالعامية) العمى بعيونك، ولاك! وبدّك تقنعني إنّو مالك علاقة!

{الشخص الممثل غاب عن الوعي.. تدخل مجموعة كومبارس تحمله، وتخرج به بسرعة.. ثم يدخل المخرج ومعه الكاتب، ينحنيان تحيةً للجمهور..

المخرج يعتذر}.

المخرج: آسف، يا جماعة.. كان الله في عون الممثل.. السبب هو صديقي الكاتب.

الكاتب: (متدخلاً ومقاطعاً المخرج).. بل أنت السبب.

المخرج: (بانفعال) أنا السبب، يا ابن الحرام! أنت من كتب، وأنا أخرجت العرض..

الكاتب: أنت واحد صفيق.. (بالعامية).. قلت لك خلّينا نمحي اسم الحكومة، ونحط اسم المخاتير.

المخرج: عم تضحك على مين، يا ابن الحرام؟

{يهجمان على بعضهما ويتعاركان بالأيدي والصراخ.. ينهض الكلب (1) من على السرير، ويتقدّم نحوهما، وهو يسوط الأرض بكرباجه مهدّداً.. يعود الشخص الممثل مسرعاً، والخوف والانفعال باديان عليه.. يخلّص بينهما}.

الشخص الممثل: (يصرخ بهما، وبالعامية يتكلم) «العمى.. العمى بعيونكنْ، العمى! بكفّي، خلّونا نكمّل العرض.. قبل ما تسقط الحكومة، ويجيبونا حدا حكومة تبهدل فينا أكتر من البهدلة اللّي عايشينها!»

ـ الجمهور.. يصفّق بحرارة؛ لأنه يحب التصفيق..

ناقد ومؤلف ومخرج مسرحي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى